
من الفصح إلى العنصرة.. الإصغاء للروح القدس والتحلي بالتواضع – المطران جان ماري شامي
خلال زمن الصوم هذه السنة، دعانا الرب إلى الصلاة من أجل السلام، إلى الإصغاء وإلى الصوم. دعانا بشكل خاص إلى أن نقوم بفحص ضمير دقيق وبالعمق، لنميّز أين نحن من علاقتنا معه ومن علاقتنا مع الآخرين. لم يَدْعُنا إلى تمييز علاقتنا به وحسب، بل دعانا إلى التحلي بالبصيرة وعيش توبة القلب.
يدفعنا العالم عادةً، إلى الحكم بحسب الظواهر والمعايير الخارجية. لكن كلمة الله، خلال هذا الصوم، أعادتنا إلى الجوهر. يقول لنا الله على لسان نبيه في سفر صموئيل الأول،
“لأَنَّ الرَّبَّ لَا يَنظُرُ كما يَنظُرُ الإِنسان، فإِنَّ الإِنْسانَ إِنَّما يَنظُرُ إِلى الظواهر، وأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنظُرُ إِلَى القَلْبِ “(ا صموئيل ٧/١٦)
فلنواصل مسيرتنا في التوبة، ولنسمح الله أن يغير نظرتنا ويجدّد قلوبنا، كما تحثنا عليه صلاة صاحب المزمور: ” قلبا نقيا أخلق في يا الله، وروحًا مستقيما جدّد في داخلي ” (مزمور (٥١، (۱۲). يسوع يعيدنا دائما إلى الجوهر.
العيش في الرحمة لأنّ المكيال الذي نكيل به للآخرين، به يُكال لنا. وسوف ندان بحسب مقدار ما أحببنا وغفرنا ومارسنا الرحمة.
لا ننس أننا أعضاء في جسد المسيح، وهو الرأس في المعموديّة، دفنا معه في موته وقمنا معه في قيامته.
لم يكن صومنا، هذا العام، مجرّد ممارسة خارجية. لقد دعانا الرب إلى السجود أمام القربان، نصلي من أجل السلام، دعانا إلى الوقوف أمامه وجها لوجه، وإلى إعادة اكتشاف الصورة التي خُلقنا عليها. لقد خلقنا على صورته كمثاله. كان هذا الزمن زمن دعوة إلى التطهر، إلى تنقية هذه الصورة التي فينا والتي شوهتها الخطيئة، كما يذكرنا قول الكتاب المقدس:
“إِذَا، إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المَسِيحِ فَهُوَ خَلْقٌ جَدِيدٍ: لَقَدْ زَالَ القَدِيمِ، وَصَارَ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا “.
في زمن القيامة هذا، لنعد ولندخل إلى عمق أعماقنا، إلى قُدس الأقداس.
لقد قمنا خلال أسابيع الصوم، بمسيرة روحية حقيقية: (۲ كورنثوس ١٧:٥).
في الأسبوع الأول، قمنا بتكريم الأيقونات ودعينا لنصبح أيقونة حيّة. فالله يريد أن تكون الحياة فينا.
ثم قمنا بتكريم الذخائر المقدّسة، تذكيرا لنا بدعوتنا إلى القداسة.
بعد ذلك، تأملنا في الصليب، شجرة الحياة ونبع الخلاص.
من ثم، عُدنا لنركز أنظارنا على الإيمان.
وأخيرًا، في الأحد الخامس، دعتنا الكنيسة إلى عيش التواضع وخدمة الآخرين على مثال المسيح، دعينا لنخدم معا ونحب معا ونسجد معا.
وهكذا، عشنا، خلال هذا الصوم، مسيرة جماعية حقيقية، مسيرة سينودسية، حيث دُعي كل منا وكلنا معا، لنسير مع الآخرين في الوحدة والمحبة.
واليوم ننتقل من الفصح إلى العنصرة، في مسيرة جديدة
مسيرة إصغاء للروح القدس، نعيشها معا ككنيسة. يقول لنا يوحنا الإنجيلي: الربّ القائم “جَاءَ وَوَقَفَ في وَسَطِ تلاميذه.” ويتابع قائلاً: ” ونَفَخَ فِيهِم وقَالَ لَهُم: “خُذُوا الرُّوح القدس…” (يوحنا 20: 22)
لذلك، نحن مدعوون في هذا الزمن المبارك، الممتد من الفصح إلى العنصرة، إلى أن نفتح قلوبنا، لاستقبال هذا النفس الإلهي، ونكون في إصغاء عميق لإلهامات الروح القدس.
لنترك يسوع يحتل المرتبة الأولى في حياتنا وليكن في قلبها كل يوم أكثر من يوم، ولنسر معه.
لنصغ إلى الكلمة الموجهة إلينا اليوم: ماذا يريد الروح القدس أن يقول لكنيستنا؟
نحن مدعوون لأن نغوص في أعماق ذواتنا، في قدس أقداسنا للقاء الروح القدس الساكن فينا. هو الذي يكشف لنا ضعفنا. ومن قلب ضعفنا وفقرنا وصغرنا، نستطيع أن تعلن إيماننا بيسوع المسيح.
إن مسيرة الصوم والصلاة التي عشناها حرّرتنا من ذاك الروح الذي كان يحاول أن يمنعنا من الشهادة الحقيقية ليسوع. واليوم، نعلن أن يسوع قام، ونحن شهود على ذلك.
خلال هذا الصوم، إذا، عُدْنا واكتشفنا أيقونة للمسيح حيّةً في داخلنا، هو الذي يقدّسنا ويخلصنا ويثبتنا في الإيمان.
معموديتنا. فلندخل في هذه المسيرة نحو العنصرة لكي نجدّد نعمة معمود
لنسر مع الروح القدس، ولندعه يقود خطواتنا.
لا ندخلن في لعبة الكبار، بل لنصل كي يتعلم عظماء هذا العالم تواضع يسوع، يتشبهوا به ويصبحوا صانعي سلام. نحن هنا جميعًا، لنبني الملكوت معًا، هذا ” الملكوت الذي أتى؛ هو حاضر بيننا، لكنه لم يكتمل بعد”.


