
البابا لاوُن: الفصح انتصار الحياة على الموت ودعوة عالمية للسلام
في بركة عيد الفصح التي وجّهها إلى مدينة روما والعالم من شرفة بازيليك القديس بطرس، شدّد البابا لاوُن على أن الفصح هو “انتصار الحياة على الموت، والنور على الظلمة، والمحبة على البغضاء”، مؤكّدًا أن قيامة المسيح هي الحدث الذي يفتح أمام البشرية طريق الحياة الجديدة، لأن المسيح “الحمل المذبوح الحقيقي” قد حرّر الخليقة من سلطان الشرّ بسفك دمه على الصليب.
وقال قداسته: منذ قرون تنشد الكنيسة بفرح كبير الحدث الذي هو أصل إيمانها وأساسه: “ربُّ الحياة مات، لكنّه الآن حيّ يملك. إنّا لواثقون أنّ المسيح قد قام حقًّا من بين الأموات: فارحمنا أيّها الملك الظّافر” (نشيد الفصح).
الفصح هو انتصار: انتصار الحياة على الموت، والنّور على الظّلمة، والمحبّة على البغضاء. إنّه انتصار بثمن كبير: فالمسيح، ابن الله الحَي، كان عليه أن يموت، وأن يموت على صليب، بعد أن صدر عليه حُكم ظالم، وتعرّض للاستهزاء والتّعذيب، وسفك كلّ دمه. هو الحمل المذبوح الحقيقيّ، أخذ على عاتقه خطيئة العالم، وهكذا حرّرنا جميعًا، والخليقة كلّها، من سلطان الشّرّ.
وكيف انتصر يسوع؟ ما هي القوّة التي هزم بها أمير هذا العالم والخصمَ القديم، مرّة واحدة وإلى الأبد؟ وما هي القدرة التي بها قام من بين الأموات، لا ليعود إلى الحياة السّابقة، بل ليدخل في الحياة الأبديّة، فيفتح بذلك في جسده الطّريق من هذا العالم إلى الآب؟
هذه القوّة، وهذه القدرة، هي الله نفسه، هو المحبّة الذي يخلق ويُحيِي، وهو المحبّة الأمينة حتّى النّهاية، وهو المحبّة الذي يغفر ويفدي.
خاض المسيح، “ملكنا المظفّر”، معركته وانتصر فيها بتسليم نفسه واثقًا لإرادة الآب، ولمخطّطه الخلاصيّ. هكذا سار حتّى النّهاية في طريق الحوار، لا بالكلام بل بالأعمال: ليجدنا نحن الضّالين صار بشرًا، وليحرّرنا نحن العبيد صار عبدًا، وليهب الحياة لنا نحن المائتين تركهم يقتلونه على الصّليب.
القوّة التي بها قام المسيح هي قوّة غير عنيفة على الإطلاق. تشبه حبّة قمح تموت في الأرض، فتنمو، وتشق طريقها بين كتل التّراب، وتنبت، وتصير سنبلة ذهبيّة. هي أشبه أيضًا بقلب إنسان جُرح بإساءة، فرفض غريزة الانتقام، وامتلأ رأفة، وصلّى من أجل الذين أساؤوا إليه.
هذه هي القوّة الحقيقيّة التي تحمل السّلام إلى البشريّة، لأنّها تَلِدُ علاقات قائمة على الاحترام على جميع المستويّات: بين النّاس، والعائلات، والمجموعات الاجتماعيّة، والأمم. فهي لا تسعى إلى مصلحتها الخاصّة، بل إلى الخير العام. ولا تريد فرض مخطّطها، بل تُسهم في تصميمه وتحقيقه مع الآخرين.
نعم، قيامة المسيح هي بداية الإنسانيّة الجديدة، وهي الدّخول إلى أرض الميعاد الحقيقيّة، حيث يسود العدل والحرّيّة والسّلام، وحيث يعترف الجميع بأنّهم إخوة وأخوات، أبناء لآبٍ واحد، وهو المحبّة، والحياة، والنّور. الرّبّ يسوع يضعنا بقيامته من بين الأموات، وبقوّة أشد، أمام مأساة حرّيّتنا. فأمام القبر الفارغ يمكننا أن نملأ أنفسنا بالرّجاء والدّهشة، مثل التّلاميذ، أو بخوف مثل الحرّاس والفريسيّين، الذين اضطروا إلى اللجوء إلى الكذب والحيلة لكي لا يعترفوا بأنّ الذي حُكِمَ عليه بالموت قد قام حقًّا!.
في نور الفصح، لنترك أنفسنا نندهش أمام المسيح! لنترك محبّته الكبيرة لنا تغيّر قلوبنا! من يحمل سلاحًا فليُلقِه! ومن له سلطة إشعال الحروب فليختر السّلام! لا سلامَ يُفرَض بالقوّة، بل بالحوار! ولا بإرادة السّيطرة على الآخر، بل بلقائه!
بدأنا نعتاد على العنف، ونستسلم له، وصرنا لا نبالي. لا نبالي بموت آلاف الأشخاص. ولا نبالي أمام نتائج الكراهية والانقسامات التي تثيرها الصّراعات. لا نبالي بالعواقب الاقتصاديّة والاجتماعية التي تَنجم عنها، والتي نراها كلّنا. هناك تزايد ملحوظ في ”عولمة اللامبالاة“، كما أحبّ البابا فرنسيس أن يقول، وقد وجّه من هذه الشّرفة قبل سنة كلماته الأخيرة إلى العالم، وذكّرنا: “كم من الموت وإرادة الموت نرى كلّ يوم في الصّراعات الكثيرة التي تطال أنحاءً مختلفة من العالم”.
صليب المسيح يذكّرنا دائمًا بالألم والمعاناة اللذين يرافقان الموت والعذاب الذي يصحبه. كلّنا نخاف من الموت، وبسبب هذا الخوف نُحوّل وجوهنا إلى الجهة الأخرى، نفضّل ألّا ننظر. لا يمكننا أن نستمرّ في هذه اللامبالاة! ولا يمكننا أن نستسلم للشّرّ! قال القدّيس أوغسطينوس: “إن كنت تخاف من الموت، فأحبب القيامة!” (العظة 124، 4). فلنحبَّ نحن أيضًا القيامة، التي تذكّرنا بأنّ الشّرّ ليس له الكلمة الأخيرة، لأنّ الرّبّ القائم من بين الأموات غلبه.
عبر يسوع الموت ليمنحنا الحياة والسّلام: “السَّلامَ أَستَودِعُكُم، وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم” (يوحنّا 14، 27). السّلام الذي يمنحنا إيّاه يسوع ليس السّلام الذي يكتفي بأن يُسكِتَ الأسلحة، بل السّلام الذي يمسّ قلبَ كلّ واحدٍ منّا ويغيّره! لِنَعُد إلى سلام المسيح! ولنُسمِع العالم صرخة السّلام التي تنبع من القلب!
في يوم العيد هذا، لنترك كلّ رغبة لدينا في الخِصام، والسَّيطرة، والسُّلطة، ولنتضرّع إلى الرّبّ يسوع أن يمنح العالم سلامه، الذي تعصف به الحروب وتخيّم عليه الكراهية واللامبالاة، اللتَين تجعلاننا نشعر بالعجز أمام الشّرّ. لنُوكِل إلى الرّبّ يسوع كلّ القلوب المتألّمة التي تنتظر السّلام الحقيقيّ الذي لا يمنحه إلّا هو. لنُوكِل أنفسنا إليه ولنفتح له قلوبنا! هو وحده يجعل كلّ شيء جديدًا!
عيد فصح مجيد!
(راديو الفاتيكان)



