
القرى المسيحيّة في الجنوب اللبنانيّ.. صمودٌ على خطّ المواجهة
مرّةً جديدة، يُدفَع لبنان نحو حربٍ لم يخترها شعبه. اللبنانيّون كلّهم متأثرون بهذا الوضع، لكنّ الجنوب يدفع الثمن أوّلًا. في القرى المسيحيّة الحدوديّة، تبدو المفارقة أكثر حدّة: هي لم تكُن صاحبة قرار الدخول في الحرب، بل عارضت هذا المسار سياسيًّا، لكنّها رغم ذلك تجد نفسها على خطّ النار بِحكم الجغرافيا.. لذا، اختارت «المقاومة» على طريقتها.
في “علما الشعب” رفَضَ الأهالي إخلاء منازلهم. وقد تجمّعوا في ساحة كنيسة السيّدة، وقرعوا الأجراس. وظهروا في أشرطة مصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعيّ، باعثين رسالة واضحة تؤكِّد صمودهم في أرضهم. وكتب شربل صيّاح، ابن البلدة، على منصّة إكس: «أنا ابن علما الشعب، ابن الجنوب العزيز الذي لا يمتّ إلى الإيرانيّين وميليشياتهم بِصِلة. أطالبُ رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة بأن يُعلِنا بلدتي، علما الشعب، منطقةً خالية من أيّ نشاط أمنيّ وعسكريّ يقوم به “حزب الله”. كذلك، أطالب الجيش اللبنانيّ بالتدخّل وحماية المنطقة من أيّ اعتداء. وإذا تعذّر عليه القيام بذلك بنفسه، فليُرسِل إلى أهالي البلدة ما يُمكِّنهم من الصمود والمواجهة».
وأكّد “صياح” ضرورة التحرّك دبلوماسيًّا، للتشديد على أنّ هذه القرى لا علاقة لها بأيّ نشاط عسكريّ. وقال: «إذا كنتم لا تريدون تأمين حماية مباشرة، وفِّروا لنا على الأقلّ ما يُمكِّننا من الصمود: دعم، ومُؤَن، وذخيرة، أيّ شكل من أشكال الإسناد. كيف نُواجِه؟».
وأضاف: «إذا كان هناك قرار سياسيّ أكبر من البلدة، لماذا لا تحصل اتّصالات دبلوماسيّة لحمايتنا؟ أنا لا أتكلّم من منطلق عدم الثقة بالدولة أو الجيش. لكن إذا كان الجيش غير قادر سياسيًّا أو عسكريًّا، فليُعالَج الموضوع بطريقة أخرى».
وشدّد على أنّ «التسلّح هو الأمر الأخير الذي نفكِّر فيه. نحن لا نريد حمل السلاح، والناس بغالبيّتهم لا يعرفون حتّى طريقة استخدامه. لكن لا يمكن أن نُترَك هكذا: شخصٌ ما يُريد إطلاق صواريخ من أرضنا، أو جنديّ إسرائيليّ يُريد العبث، كما حصل سابقًا حين رُسمت نجمة داود على كنيسة السيّدة. لا، هذا لن نقبله. لا يمكن في كلّ مرّة أن تتكرّر القصّة نفسها. هذه بلدتنا، ونريد البقاء فيها».
أجراس الإنذار تُقرَع في رميش
بدوره، قال كريستيان الحاج، ابن بلدة “رميش” لـ«آسي مينا» إنّ أفراد عائلته لن يُغادروا البلدة: «لم يتركوا الضيعة في أيّ من الحروب السابقة، لأنّهم بنوا بيتهم من الصفر. بيت جدّتي يعود إلى ستّينيّات القرن الماضي…». وأكّد أنّ القلق الأكبر لدى عائلته وأهل البلدة ناجم عن احتمال حصول اجتياح برّي إسرائيليّ، شارحًا أنّ “رميش” تقع مباشرةً على الحدود. لكنّه ذكَرَ أنّ البلدة لم تتعرّض لأذى في خلال الأعمال الحربيّة العام الماضي.
وشدّد كريستيان على أنّ “رميش” لم تسمح يومًا لعناصر في «حزب الله» بالتمركز فيها. وفي ما يتعلّق بالمخاوف من تسلّل عناصر في الحزب إلى البلدة، أوضح: «المساحة محدودة. نحن محاطون بإسرائيل من جهة، وبقُرى أخرى من الجهة المقابلة، ما يعني أنّ المداخل معروفة». وأشار إلى أنّ رجالًا من البلدة تطوّعوا لتنظيم نوبات مراقبة، بالتنسيق مع الكنيسة التي تقرع الأجراس عند الاشتباه بأيّ تحرّك. وشرح أنّ الشرطة المحلّيّة تتألّف عمليًّا من عناصر في الجيش اللبنانيّ من أبناء البلدة يعملون خارج دوامهم الرسميّ.
عين إبل.. حماية البلدة بالأرواح
في “عين إبل” كما في بلدات مسيحيّة أُخرى في الجنوب، قرَّر الأهالي البقاء في منازلهم. وقالت إحدى بنات البلدة، فضّلت إغفال اسمها لأسباب أمنيّة، إنّ وجود أبناء البلدة هو في ذاته وسيلة حماية: «نريد أن نحمي فى البلدة بحضورنا، وأن نتأكّد من أنّ “حزب الله” لا يدخل إليها ولا يستخدمها». وأوضحت أنّ شباب البلدة يتمركزون عند المداخل، لكنّها تبقى قلقةً لأنّ الحدود ليست محصورة بمداخل رسميّة. وعلى الرغم من انتشار روايات عن انسحاب الجيش من عين إبل، أكّدت أنّ الجيش موجودٌ في البلدة. وشدّدت على أنّ أبناء البلدة سيُحاولون البقاء في بيوتهم في حال حصول اجتياح إسرائيليّ.
وروت أنّ شخصًا يُشتبه في أنّه عنصر في «حزب الله» دخَلَ إلى القرية وطلب مأوى، وبدا كأنّه خرج لتوّه من اشتباك: ثيابه كانت متّسخة، وآثار القتال واضحة عليه. وقد اتّصل الأهالي فورًا بشرطة البلديّة التي تولّت إخراجه من البلدة. وختمت: «حتّى الآن، هو العنصر الوحيد الذي حاول الدخول، أو على الأقلّ هذا ما نعرفه».
(آسي مينا)


