افتتاحية العدد

المغزى من خلف الوعظة – لولا لحّام

فاجأنا قداسة البابا تواضروس الثاني، يوم الأربعاء 22 يوليو، بوعظة مميزة للغاية، فقد جاءت وعظته الموجهة لأطفال المرحلة الابتدائية كخطوة تربوية وتنويرية استثنائية من نوعها. وتجاوزت الوعظة الإطار الديني التقليدي، لتقدم جرعة وطنية مكثفة، غرس قداسته من خلالها قيم الانتماء والهوية في قلوب الصغار بطريقة سردية مشوقة.

وتكمن فائدة هذه الوعظة للأطفال في تبسيط المفاهيم الجغرافية والتاريخية المعقدة، وتحويلها إلى خمس حكايات ممتعة. بدأ قداسة البابا بشرح أصل اسم مصر، مما يمنح الطفل شعوراً بالفخر بجذوره. ثم انتقل إلى شكلها على الخريطة ليرسم في مخيلتهم لوحة بصرية لوطنهم. والحديث عن نهر النيل علمهم قيمة الحفاظ على شريان الحياة، بينما منحتهم الومضات التاريخية وعياً بعظمة أجدادهم. وأخيرًا، جاء تفسير رموز العلم المصري ليربط الوجدان الشعبي بالرموز الوطنية الرسمية. وشهدت العظة تفاعلاً لافتًا من الأطفال المشاركين، حيث وجه لهم قداسة البابا العديد من الأسئلة الخاصة بمصر وتلقى إجاباتهم عليها.

ولنسأل أنفسنا: لماذا لاقت هذه الوعظة نجاحًا منقطع النظير، حتى أن لدي أصدقاء أعتز كثيرا بهم، وهم بالمناسبة من المسلمين قبل المسيحيين، قد أشادوا بفكرتها، وأسلوب إيصال المعلومات إلى الأطفال: فقد جاء شرح قداسته لتلك المعلومات مصحوبًا بنموذج ضخم لخريطة مصر، حيث اعتمد عليها كوسيلة إيضاح مختارة، في لفتة تعليمية مبتكرة وغير مسبوقة. نعم، فقد استخدم نموذج ضخم لخريطة مصر، تجول فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا لشرح كل حكاية.

تضمنت عظة قداسة البابا بطبيعة الحال بعض المعلومات التي يدرسها الأطفال في المناهج الدراسية، إلا أن القيمة المضافة في إعادة تقديمها لهم في العظة، هي أنهم يتلقون هذه الجرعة المعلوماتية الثرية بالصوت (من فم قداسته) وبالصورة “الحيّاني”، كما يقول المصريون بلغتهم الدارجة. هو لم يجعلهم يشاهدون صور أو أفلام على موبايل أو على شاشة، بل كان يتجول بكل بساطة على أرض بلده، ذهابا وإيابا، وكان هذا مهما جدا لأن الأطفال شاهدوا ذلك بأنفسهم وعن قرب، واقتنعوا أنهم يمكنهم التجوال في مصر بلدهم، فها هي بلدهم قريبة جدا منهم، وتفتح ذراعيها لهم وتستقبلهم بكل حب، فشعروا جميعا بالانتماء لها، لأنها “وطنهم”. ومرة ثانية قد تقولون إن جزء من هذه المعلومات متوفر في الكتب الرسمية. نعم، هذا صحيح، لكن كيف يقدم للأطفال؟ أعتقد أنكم كلكم تعرفون الإجابة!

ولماذا أتحدث عن هذا الموضوع بالذات؟ لأن نسبة كبيرة من الأطفال المصريين لا يشعرون بالانتماء لبلدهم وهذا شيء مؤسف. ماذا لو فعلنا في مدارسنا مثلما فعل قداسة البابا تواضروس؟ ماذا لو طوعنا هذا الأسلوب التربوي الشيق، ليستقبله المسيحيون والمسلمون، على حد سواء، بنفس الحفاوة؟ ولنبدأ بأنفسنا: حوالي 170 مدرسة تملكها وتديرها الكنيسة الكاثوليكية في مصر، تقوم بتخريج الآلاف من الطلبة كل عام، يهرع معظمهم إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا، حتى من قبل إتمامهم التعليم الجامعي. لماذا؟ لأننا لم نتعلم أن نحب هذا البلد. لأن لم يعلمنا أحد أن نحب هذا البلد وأن نعمل من أجله.

جاء الحديث عن مصر على لسان بابا الكنيسة المصرية، بما يمثله قداسته من رمز ونموذج روحي، وهذا جعلها تترسخ في ذهن ووجدان الأطفال، ومعها تتعمق في نفوسهم روح الانتماء للوطن، بشكل ربما يحتاج لجهود مضنية وسنواتٍ طوال للوصول إلى نفس النتيجة.

اجعلوا مصر تأتي من فم الراهبات والرهبان والكهنة الذين اكتسبوا ثقة ومحبة الأطفال، كل في مدرسته، وغالبا ستحصلون على نتائج مماثلة.

نعم، نستطيع إذا أردنا، جعل كيميت، الاسم القديم لمصر، ونهر النيل وحضارة الـ7000 سنة وزيارة العائلة المقدسة والحضارات الفرعونية والأفريقية واليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية وحضارة البحر المتوسط تاريخا حيًا يعشقه الأطفال المصريون في الحضر والريف، لا مجرد تاريخ ضائع نقرأه بحسرة، ولا مجرد حجارة يشخبطون عليها في المعابد والمقابر.

جربوا وستشاهدون الفرق!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى