
وزارة الثقافة من أكبر الوزارات في مصر، وليست كبيرة بالمعنى الهرمي للكلمة، ولكنها كبيرة بالعرض؛ أي إن تحت أجنحتها، وفي إطار مسؤولياتها، الكثير من التخصصات التي تندرج تحت شعار الثقافة. وعلى سبيل المثال، وزارة الثقافة مسؤولة عن هيئة الكتاب، ومعرض الكتاب السنوي، والأوبرا التي أصبحت منتشرة في ربوع مصر، أي الموسيقى الكلاسيكية والعربية، والباليه، وفرق الفنون الشعبية، والتبادلات الثقافية مع دول العالم، وهي عديدة، وأيضًا مراكز الترجمة والنشر، والمسارح بأنواعها، والمراكز الثقافية في المحافظات والأحياء، والمجلس الأعلى للثقافة، والجوائز المختلفة، وعلاقتها بالكُتَّاب والمفكرين، وتقاطع ذلك مع الصحفيين أيضًا، وغيرها من المؤسسات. وكانت، حتى وقت قريب، مسؤولة عن الآثار كلها في مصر.
فمن من الأشخاص قادرٌ أن يكون وزيرًا للثقافة، مستوعبًا لكل تلك المسؤوليات والتخصصات، وأولها تثقيف الشعب المصري، وجعل الثقافة في متناول كل مصري، رغم التنوع الكبير؟ هناك ثقافة تخاطب الشباب، وأخرى لمعتادي القراءة، ومريدي المسارح والأوبرات، وما إلى ذلك. فالتنوع الثقافي كبير وكثير، ومن الصعب إيجاد وزير موسوعي يستطيع أن يُلمَّ بكل هذه الأشياء، وغيرها، مثل حضور جلسات مجلس الوزراء، أو جلسات مجلس النواب والشيوخ، وعشرات اللجان التي من واجب الوزير حضورها؛ لأنها ضمن مسؤولياته الوزارية.
تعلو أصوات تطالب بوزير شاب أو شابة حتى يستطيع أن يركض وراء كل هذه المسؤوليات، وأصوات أخرى تطالب بوزير مخضرم موسوعي، مثل وزراء سابقين، على سبيل المثال ثروت عكاشة، أو الفنان فاروق حسني. ومما هو غريب أيضًا أن وزير الصحة هو طبيب متخصص، خريج كليات الطب، ووزير الزراعة خريج كلية الزراعة، ووزير الإعلام خريج كليات الصحافة والإعلام، وما إلى ذلك. ولكن لا توجد كلية لتخريج وزير للثقافة، وذلك لتنوع الثقافة؛ فمنها الآداب، ومنها الفنون المختلفة، ومنها الموسيقى، وما إلى ذلك. فأمام الدولة اختيارٌ صعب لترشيح وتعيين وزير يكون ملمًّا بكل هذا الكم الهائل من التخصصات الثقافية المختلفة.
سنجد مسؤولين لوزارة الثقافة، ولكن ليس في كل التخصصات، وهذا ما يجب أن يكون أمام المسؤول عن الاختيار، نصب عينيه، فقد يجد وزيرًا يكون فاهمًا في الفنون، ولكن ليس في الموسيقى، أو يفهم في السينما، وعلاقاته محدودة مع الكُتَّاب، وما إلى ذلك. فهل يجب أن نقبل بذلك؟
في السنوات الأخيرة غابت الخطط والأهداف، ولم تعد هناك سياسات تطوير، ولا “القراءة للجميع”، مع غياب عن الأقاليم، واقتصار النشاط على المهرجانات والمنتديات والاجتماعات الشكلية، بينما ظل التأثير محدودًا على المواطن ووعيه. صحيح أن هناك مبدعين ومثقفين، ولكنهم مشتتون، ويدورون في طواحين الهواء، تشغل بعضهم معارك عبثية، ويتقوقع آخرون على حكايات ماضية، ويتملك الباقين يأس عام؛ لأن الدولة ما زالت تنظر إلى الثقافة باعتبارها ترفًا، وليس باعتبارها قوة ناعمة مهمة في تكوين المواطن.
فقد مضى وقت طويل تعاني فيه ثقافة مصر حالةً من التراجع، دون أن يلتفت أحد إلى ذلك، وقد حان الوقت من أجل اختيارات أفضل، وسياسات أكثر فهمًا ووعيًا، وحرصًا من مؤسسات الدولة على هذا الركن الحصين من عقل الأمة.
إن تهميش الثقافة لا يليق أبدًا بحضارة مصر، تاريخًا وقيمةً وإبداعًا، ولا بد أن نراجع أنفسنا. والمراجعة تبدأ بالشفافية في الاختيارات، ووضع البرامج التي تعكس قيمة المثقف الحقيقي، ودور الثقافة، وزيادة الوعي، وتأكيد دور مصر الثقافي عربيًا، وأن العقل المصري هو أغلى ثروات مصر.
وقبل البحث عن وزير للثقافة، على الدولة أن تضع رؤية واضحة لاستغلال هذا التنوع الثقافي، والارتقاء بثقافة الشعب، وجعلها في متناول الجميع، ولا بأس أن تقوم الدولة باستشارة بعض المهمومين بالشأن الثقافي. وبعد رسم الرؤية، توضع خطة لتنفيذها، ثم يُختار شخص يحقق هذه الرؤية ويطبقها، ويكون معيار نجاحه هو ما حققه وطبَّقه من هذه الرؤية.
أعتقد أن وزارة الثقافة لا تحتاج إلى مثقف يعيش في برج عاجي بقدر ما تحتاج إلى شخص إداري يستطيع أن يقود هذا التنوع، إضافة إلى إلمامه بفروع الثقافة المتنوعة، ولكن إداري في المقام الأول، يستطيع أن يعمل ويُكوِّن فريقًا، أو عدة فرق، تساعده على إدارة هذا التنوع.
إن الثقافة في مصر مهمة، أهمية التعليم والصحة؛ لأنها تُكوِّن عقلية المواطن المصري، بعد أن تلاطمت أفكار دخيلة كثيرة عليه، وهي شعاع يشع على المنطقة العربية، بل العالم كله.. لنتذكر، على سبيل المثال، نجيب محفوظ.


