
نثمن دعوة الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، باقتراحه “فضفضة” مع الإعلاميين والإعلام، والتي جاءت متأخرة بعض الشيء لأسباب عديدة قد نعلم بعضها، وأظن أن القيادة السياسية أدركت أنه حان الوقت أن تأخذ السلطة الرابعة -كما سماها الراحل الرئيس السادات- دورها. ودورها الأول هو أن “الإعلام في خدمة الشعب”، أي إعلام الشعب بكل ما يجري داخليًا ودوليًا، وعدم تركه فريسة للإشاعات، خاصة التي على المنصات الرقمية المحلية والعربية والدولية، تاركين المواطن المصري محتارًا يصدق من أو من. مع العلم أن هناك الكثيرين من الذين يتربصون بمصر من الأشرار وغيرهم داخليًا ودوليًا أيضًا، مما يترك المواطن في حيرة من أمره، والأخطر أن البسطاء قد يصدقون تلك الإشاعة أو المعلومات المغلوطة، لذا على الإعلاميين أن يعرفوا أنهم في خدمة الشعب المصري وليس سواه، وعليهم تنوير الشعب بالأخبار الصحيحة والرد على استفسارات المواطنين.
وثانيًا، العمل على حرية تداول المعلومات، ما عدا ما يخص الأمن القومي -فمصر مثلها مثل كل البلاد التي تحافظ على أمنها القومي- وإعطاء حرية الصحافة والصحفيين والمفكرين والكُتّاب ملء الحرية، ومعها ملء الثقة والمسؤولية.
إن تطوير المشهد الإعلامي لم يعد يقتصر اليوم على صياغة الخطاب السياسي أو صقل المحتوى الفكري فحسب، بل يمتد لضرورة مواكبة الثورة التقنية المتسارعة؛ إذ إن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التحقق الحديثة أصبحت ضرورة حتمية لتأسيس منصات إعلامية رقمية تفاعلية تخاطب فئة الشباب باللغة التي يفهمونها، وعلى المنصات التي يفضلونها. ويتكامل هذا التحول التقني مع الاستثمار الحقيقي في العنصر البشري من خلال تدريب جيل جديد من الكوادر الصحفية والإعلامية الشابة، وإتاحة مساحات واسعة لإبداعهم وابتكارهم، مع الالتزام الصارم بميثاق الشرف الإعلامي والمعايير المهنية الأصيلة.
عندما يصغي المواطن المصري للمعلومات عن وطنه والمنطقة التي يعيش فيها من المنصات الرقمية والإذاعات والمحطات الأجنبية، يكون في حيرة من أمره، ولكن إذا أعطت الدولة الثقة لكُتّابها، سيتقصون عن المعلومات الصحيحة والتقارير الأكيدة والشروحات المستفيضة، إضافة إلى دور إعلامي سريع وحيوي من قبل وزارة الإعلام، وأيضًا “هيئة الاستعلامات بقيادة سعادة السفير علاء يوسف”، من ناحية المراسلين الأجانب أو مكاتبها في العالم، ستكون الدولة قد أعطت أدوات التصدي للإشاعات المغرضة في يد الشعب، الذي سيميز بين ما هو صالح وما هو طالح، وهو قادر أن يدافع دومًا وباستماتة عن وطنه الغالي مصر.
وفي هذا السياق، تظل الشفافية هي الحصن الأخير لبناء المصداقية وترسيخ الثقة بين الإعلام والمواطن، إذ تتطلب المعالجة الناجحة للأزمات طرحًا مباشرًا للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة الشارع اليومية، وعرض الحلول بواقعية دون تجميل، لقطع الطريق تمامًا أمام محاولات التزييف والشائعات.
إن اجتماع “الفضفضة” الذي دعا إليه الدكتور ضياء رشوان لا ينبغي أن يكون مجرد لقاء عابر، بل نقطة انطلاق حقيقية لإعادة صياغة المشهد الإعلامي في مصر على قواعد متينة من الثقة والشفافية. إن مصر – بمكانتها الإقليمية وثقلها التاريخي- تستحق إعلامًا قويًا بوزن سلطتها الرابعة، يستند إلى حرية تداول المعلومات، ويستوعب طاقات الشباب وتقنيات عصر الذكاء الاصطناعي، ليخاطب العقل المصري بالحقائق والشفافية المطلقة.
وحين تثق الدولة في إعلامييها ومفكريها وتمنحهم مساحتهم المستحقة من الحرية والمسؤولية، يصبح الإعلام هو الدرع الوطني الأول والأقدر على تحصين الجبهة الداخلية، درعٌ يقف فيه المواطن المصري واعيًا ومدركًا لردع كل المتربصين، ومستعدًا دومًا -كما كان عبر التاريخ- للدفاع باستماتة عن وطنه الغالي مصر.


