
يثبت حكام إسرائيل كل يوم أنهم لا يبالون بما يفعلونه من دمار وقتل في الإخوة الفلسطينيين، ولا يبالون بالمجتمع الدولي ولا لرفضه لهذه الممارسات. وكل يوم تثبت الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة أنها تسعى إلى سحب البساط من تحت أقدام الخصوم السياسيين لنتنياهو، واكتساب مساحة جديدة على مستوى الشارع الإسرائيلي قبيل الانتخابات، لاسيما بعد أن أظهرت بعض استطلاعات الرأي تقدم بعض الأحزاب المناوئة لنتنياهو مجتمعة، وذلك بمواصلة انتهاكاتها المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إذ قصف الجيش الإسرائيلي مناطق متفرقة في القطاع. وهو مستمر في ترسيخ أقدامه في غزة بحضوره العسكري، حتى وصل عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بداية سريان الاتفاق في 11 أكتوبر 2025 إلى 1408 شهيد و4916 مصاب.
ومع دخول إسرائيل مرحلة الانتخابات، يحاول نتنياهو أن يثبت أنه القوي والعنيف، ولا يهتم بالرأي العام ولا بأقل مبادئ أخلاق الحرب. وبالتوازي مع الانتهاكات المستمرة لوقف إطلاق النار، بدأت الحكومة الإسرائيلية في الترويج لكتلة استيطانية جديدة؛ فلم تكتفِ بجرائم غزة، بل تهدف إلى فصل شمال الضفة الغربية عن وسطها وجنوبها، من خلال ربط عدد من المستعمرات والبؤر بشبكة من الطرق والمحاور ومشروعات البنية التحتية.
وتسعى الحكومة من خلال هذه الانتهاكات المستمرة إلى تعزيز فرص الائتلاف اليميني المتطرف في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، التي سوف تُجرى في 27 أكتوبر المقبل، لاسيما في ظل المنافسة التي يتوقع أن يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من جانب خصومه السياسيين الذين اتفق خمسة منهم، في 26 سبتمبر الماضي، على توحيد صفوفهم للإطاحة بالحكومة الحالية.
الدور الآن على المجتمع الدولي أن يتدخل من أجل وقف هذه الانتهاكات الممنهجة والمستمرة من جانب الائتلاف اليميني، والتي يتوقع أن تتصاعد حدتها خلال المرحلة المقبلة. هذا التدخل بات مُلحًّا؛ فإنه سوف يوجه رسائل حازمة إلى تل أبيب، مفادها أن الإمعان في تبني مثل هذه الإجراءات ستكون كلفته عالية عليها في المرحلة القادمة، خاصة بعد أن أبدت العديد من الدول استياءها من تلك الإجراءات، على نحو بدا جليًّا في انسحاب مندوبي 77 دولة قبيل إلقاء نتنياهو خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي كانت صفعة مدوية.
وهكذا، فإن تلك الحكومة تحاول اختبار المجتمع الدولي بالفعل عبر هذه الإجراءات، لتقييم المستوى الذي يمكن أن يصل إليه رد الفعل، وبالتالي، فإن عدم اتخاذ موقف حازم وقوي من جانب المجتمع الدولي سوف يدفعها إلى المضي قدمًا في تبني الإجراءات العنصرية والمتطرفة ذاتها.
والمطلوب اليوم ليس المزيد من التصعيد، وإنما تغليب صوت العقل والحكمة، وفتح الطريق أمام السلام، حتى لا تتحول المنطقة إلى دائرة متواصلة من العنف يدفع ثمنها الأبرياء، بينما يبقى الحل السياسي العادل هو السبيل الحقيقي لإنهاء الصراع.
وتواصل مصر دورها في دعم وتهدئة الأمور ووقف التصعيد وتجنيب المنطقة مزيد من الكوارث، بما فيها غزة والضفة الغربية، وإعلاء حكمة العقل والسلام، ولا تتوانى على كل الأصعدة الدبلوماسية والحوارات الدولية، في العمل من أجل الفلسطينيين والتأكيد على أن السلام العادل والدائم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

