
بينهم “طبيب الفقراء” وبروفيسور أوصى بقضية فلسطين.. قصص شهداء الهجوم الإرهابي على كنيسة الكرك
لم تكن الأسماء التي تناقلها الأردنيون عقب الهجوم على كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك مجرد أسماء في قائمة الشهداء؛ فخلف كل اسم حياة كاملة، وأحلام لم تكتمل، وعائلة تنتظر عودة صاحبها، وأصدقاء لم يتخيلوا أن تتحول لقاءاتهم الأخيرة إلى ذكريات موجعة.
بين الشهداء طبيب أسنان عرفه الناس بقربه من الفقراء، وأستاذ جامعي كان يكتب عن هموم وطنه، وصيدلاني أمضى سنوات في خدمة المرضى، وطبيب شاب لم يمهله العمر ليبدأ رحلته المهنية، ومحام ووجوه اجتماعية تركت في محيطها أثرا طيبا.
وفي قرية اعتادت أن تجمع أبناءها في الأفراح والأتراح، تحول تشييع جنازة إلى مأساة، بعدما استهدف مسلحون الحاضرين، لتصبح الكنيسة التي شهدت صلوات الأجيال ومناسباتهم شاهدة على واحدة من أقسى لحظات الحزن في ذاكرة المكان.
وارتفعت حصيلة شهداء الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة للروم الأرثوذكس جنوبي الأردن إلى 9، بعد وفاة مصابَين متأثرين بجروحهما، في حين تواصل الأجهزة الأمنية ملاحقة المهاجمين.
طبيب الفقراء
من بين الأسماء التي أثارت حزنًا واسعًا، برز الدكتور “خالد مخائيل مفضي العليا”، المعروف بين أبناء الكرك باسم “خالد الهلسة”، وهو طبيب أسنان ارتبط اسمه بلقب “طبيب الفقراء”. انتهت حياة الطبيب الذي ارتبط اسمه بتخفيف آلام الآخرين، في حادثة تركت وراءها ألما لم تستطع الكلمات احتواءه.
لم يكن اللقب صفة مهنية، بل شهادة اجتماعية حملتها كلمات من عرفوه، إذ استعاد ناعوه مواقفه الإنسانية وقربه من المرضى والمحتاجين، بعدما أمضى سنوات في ممارسة مهنته وخدمة أبناء مجتمعه. وبدا رحيل خالد فقدانا يتجاوز أسرته، إلى أشخاص عرفوه من خلال عيادته أو سمعوا عن تعامله مع المرضى، في مدينة تتوارث فيها العائلات حكايات أطبائها ومعلميها.
حلم طبيب لم يكتمل
أما الدكتور “فادي عاصم هاني الهلسة”، فكانت حكايته مختلفة في تفاصيلها، ومتشابهة في قسوة نهايتها. فادي، خريج كلية طب الأسنان في جامعة الإسكندرية المصرية، كان في بداية حياته المهنية، يحمل شهادة حصل عليها بعد سنوات من الدراسة، ويستعد لبناء مستقبله قبل أن يصبح أحد ضحايا الهجوم.
من جانبها نعتّ جامعة الإسكندرية، برئاسة الدكتور أحمد عادل عبد الحكيم، الطبيب فادي عاصم هاني الهلسا، خريج كلية طب الأسنان بالجامعة 2026، وتقدمت إدارة الجامعة وأعضاء هيئة التدريس والعاملون والطلاب بخالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد وذويه، معربين عن بالغ الحزن لفقدان شاب تميز خلال دراسته الجامعية بحسن الخلق والسيرة الطيبة، وكان يستعد لبدء مسيرته المهنية عقب تخرجه.
أمنيات أستاذ الجامعة
وفي الجامعة الهاشمية، خيّم الحزن على زملاء الدكتور “عاصم برقان”، الأستاذ المشارك في قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية بكلية الآداب. وكان برقان حاضرًا على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال مقالاته وتعليقاته السياسية والاجتماعية، إلى جانب تهنئة المسلمين والمسيحيين بمناسباتهم الدينية والوطنية. وبعد رحيله، أعاد متابعون تداول منشور كتبه في مطلع العام، ضم أمنيات شخصية ووطنية، بينها أن تعود فلسطين قضية العرب الأولى، وأن يتجاوز الأردن أزمته الاقتصادية.
لكن إحدى عباراته اكتسبت وقعًا أكثر حزنا بعد استشهاده، إذ كتب متمنيًا “أن تنهض الكرك من محنتها، بجهد أبنائها الخيّرين، لتبقى كما عرفناها عصية على الانكسار”. لم يكن برقان يعلم أن كلماته ستعود إلى التداول بعد رحيله، وأن أمنياته للكرك ستقرأ هذه المرة على وقع فاجعة جديدة أصابت مدينته.
الصيدلاني الطيب
ومن بين الشهداء أيضًا “الدكتور ماهر عادل الزريقات”، الصيدلاني المسؤول في المستشفى الإيطالي بالكرك، الذي نعته نقابة الصيادلة الأردنيين. واستذكر نقيب الصيادلة وأعضاء مجلس النقابة سيرته المهنية والإنسانية، وما عُرِف عنه من أخلاق حميدة وتفان في أداء رسالته الصيدلانية، وعلاقات طيبة مع زملائه وأبناء مجتمعه.
وفي كلمات نعيه، استعاد زملاؤه سنوات عمله وجهوده في بناء حياة كريمة لأسرته، فيما عبروا عن صدمتهم برحيله المفاجئ.
محامي رحل متأثرًا بجراحه
وامتد الحزن إلى الأوساط القانونية برحيل المحامي مازن رسمي القسوس، الذي توفي متأثرا بجراح أصيب بها خلال الهجوم. واستعاد معارفه سيرته بكلمات وصفوه فيها بأنه من أرقى الناس وأحسنهم خلقا، فيما أصدرت نقابة المحامين الأردنيين بيانًا أدانت فيه الاعتداء على الكنيسة، وعدته انتهاكا لحرمة دور العبادة وتهديدا لأمن المجتمع.
وأكدت النقابة ضرورة مواجهة الكراهية والتعصب وترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون، مشددة على أن وحدة الأردنيين أقوى من محاولات زرع الفرقة بينهم.
مسيحي يحمل اسم “محمد”
وأُعلن أخيرًا عن وفاة طبيب الأسنان “الدكتور محمد القسوس”، أحد أقدم أطباء الأسنان في الأردن، متأثرًا بإصابته أيضًا، بعد مسيرة مهنية وإنسانية حافلة بالعطاء، عُرف خلالها بطيب سيرته وحسن سمعته، وحرصه على معالجة المرضى والمحتاجين مجانًا في الزرقاء والكرك وعمّان.
ولم يكن الراحل مجرد طبيب يؤدي رسالته الإنسانية، بل كان نموذجًا للتآخي والعيش المشترك الذي تجسده قرية حمود ومحافظة الكرك، إذ حمل اسم “محمد” رغم انتمائه إلى الديانة المسيحية، في دلالة إنسانية واجتماعية عميقة على القرب والمحبة والتداخل بين المسلمين والمسيحيين في المجتمع الأردني، حيث لم تكن الأسماء يوما حدودًا تفصل بين أبناء الوطن، بل جسور تعكس وحدة النسيج الاجتماعي وعمق الروابط التي تجمعهم.
وجوه يعرفها الجيران
وشملت قائمة الشهداء “إيهاب نايف الهلسة”، المعروف باسم “أبو وليام”، الذي نعاه أصدقاؤه وجيرانه بكلمات ركزت على طيب معشره ودماثة أخلاقه. ليترك أثرا لا ينسى، مستذكرا حديثه المتكرر عن معاناة الناس وشعوره بآلامهم. وكان إيهاب، كما تصفه شهادات ناعيه، رجلًا قريبًا من محيطه الاجتماعي، عرفه جيرانه بحسن التعامل والاهتمام بالآخرين.
ومن الشهداء أيضًا “علاء خليل المصاروة”، الذي ورد اسمه ضمن الذين فقدوا حياتهم في الهجوم، فيما لم تتوافر في المعلومات المنشورة تفاصيل كافية عن سيرته الشخصية أو المهنية.
أما “مروان خليل سالم الخيطان الهلسة”، فكان عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني، وقد ورد اسمه بين شهداء الاعتداء. ويضيف حضوره السياسي إلى قائمة الشهداء وجها آخر من وجوه التنوع الاجتماعي والفكري الذي عرفته الكرك.
(الجزيرة)



