من محمد علي إلى الخديوي إسماعيل: صراع مصر مع تجارة الرقيق.. كنيسة القديس كيرلس تحتفي بكتاب السفير ناجي غابة
نظمت كنيسة القديس كيرلس – الكوربة – مصر الجديدة، تحت رعاية الأب رفيق جريش، ندوة ثقافية حول كتاب “الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر”، للكاتب السفير ناجي غابة مدير إدارة الوثائق والمحفوظات بوزارة الخارجية، والقائم السابق بأعمال السفارة المصرية في إيطاليا، وأدار الندوة السفير محمد العربي وزير الخارجية الأسبق، وعضو مجلس الشيوخ الحالي، وذلك مساء الاثنين 23 فبراير.
في كتابه “الرق ومقاومته في مصر” الصادر عن دار العربي للنشر، يستعرض الباحث ناجي غابة قراءة موثقة لتاريخ تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر، كاشفًا تعقيدات العلاقة بين السلطة المحلية والضغوط الدولية، ومراحل التحول من الإقرار الضمني بالظاهرة إلى محاولات الحد منها وصولًا إلى حظرها رسميًا.
رصد الكتاب أن الرق كان شائعًا في مصر منذ تولي محمد علي باشا الحكم عام 1805، حيث اعتمدت مشاريعه التوسعية والتنموية على أعداد كبيرة من العبيد الذين جرى استغلالهم في الزراعة والصناعة والجيش. ومع اتساع نفوذ محمد علي، أصبحت قوته مصدر قلق لكل من السلطان العثماني وبريطانيا، خاصة أن أحد أركان هذه القوة تمثل في امتلاكه جيوشًا من العبيد.
في هذا السياق، يبرز دور بريطانيا التي مارست ضغوطًا متزايدة على محمد علي لإلغاء تجارة الرقيق. ويكشف الكتاب تفاصيل زيارة المبعوث البريطاني جون بورانج إلى مصر عام 1837 لجمع معلومات حول تجارة الرقيق في مصر والسودان، مستعينًا بشهادات السائح الإنجليزي آرثر هورلرويد، قبل أن يرفع تقريرًا مفصلًا إلى حكومته عن أوضاع البلاد.
جمعية إلغاء الرق
كما يشير المؤلف إلى أن الضغوط البريطانية تُوجت بتوجيه الشكر لمحمد علي من قبل “جمعية إلغاء الرق البريطانية”، التي أرسلت أحد أعضائها البارزين، ريتشارد مان، إلى القاهرة لتقديم الشكر للباشا على ما اعتُبر خطوات إصلاحية في هذا الملف.
في 13 فبراير 1841، استخدمت بريطانيا نفوذها للضغط على الباب العالي لإصدار فرمان يقضي بوقف عادة خصي الرجال، وهي الممارسة التي كان يُلجأ إليها لإعداد بعضهم للعمل في قصور الأمراء وبيوت الحريم، إلى جانب اتخاذ خطوات للحد من تجارة الرقيق.
ويقدم الكتاب عرضًا للإجراءات التي اتخذها محمد علي، مشيرًا إلى أن بعضها كان ذا طابع شكلي. ففي عام 1837 أصدر أمرًا إلى حكمدار السودان بالكف عن إعطاء العبيد والجواري للجنود كمرتبات. ثم أعلن، خلال زيارته للسودان في 4 ديسمبر 1838، إلغاء هذه التجارة. كما أطلق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان آنذاك، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لتوفير عمل مناسب لمن يستطيع منهم، تمهيدًا لعودتهم إلى بلادهم الأصلية.
الحظر الجاد في عهد سعيد باشا
يؤكد الكتاب أن سعيد باشا كان أول حاكم مصري يفرض حظرًا جادًا على تجارة الرق. ففي ديسمبر 1854 أصدر أوامر إلى المفتش العام للوجه القبلي بمنع دخول العبيد إلى مصر والسودان، كما عمم تعليمات مماثلة على المديريات والمحافظات وجمرك أسوان وديوان المالية.
ونصت هذه الأوامر على إعادة كل من يرد إلى البلاد بغرض البيع من السودانيين، ذكورًا أو إناثًا، إلى موطنهم، مع إنشاء ما عُرف بـ”البوليس النهري” لمراقبة السفن والتأكد من خلوها من الرقيق المجلوبين إلى مصر.
خطوات أكثر صرامة في عهد إسماعيل
وفي عهد الخديوي إسماعيل، اتخذت الدولة خطوات أكثر صرامة، إذ انضمت مصر إلى الحركة الدولية المناهضة للرق. وأصدر إسماعيل أوامر بتعقب تجار الرقيق، ما أسفر عن ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء، أُطلق سراحهم لاحقًا.
ويكشف الكتاب أنه حتى عام 1864 لم تكن هناك عقوبات محددة على تجار الرقيق، وهو ما شجع استمرار النشاط. لذلك صدرت أولى العقوبات بالحبس شهرين، وطُبقت على ستة من “الجلابة” –وهم تجار الرقيق– ضُبطوا في منطقة أثر النبي جنوب القاهرة.
ولا يغفل المؤلف الإشارة إلى أن الخديوي إسماعيل واجه معارضة دينية حين سعى إلى إبرام اتفاقية تنص على إنهاء تجارة الرق في مصر، إذ اصطدم بمواقف متحفظة من شيخ الأزهر ودار الإفتاء آنذاك، قبل أن تمضي الدولة قدمًا في مسارها الإصلاحي.
يخلص الكتاب إلى أن جهود الدولة المصرية في مواجهة تجارة الرق بدأت، في ظاهرها، استجابة لضغوط بريطانية ورغبة في تحسين الصورة الدولية، لكنها تطورت تدريجيًا إلى إجراءات أكثر فاعلية، خاصة في عهد سعيد باشا ثم الخديوي إسماعيل.
وفي ختام اللقاء قدم الأب رفيق جريش الهدايا التذكارية للضيوف، الذين وقعوا أيضًا في دفتر الزوار بالكنيسة، السفير محمد العرابي، والكاتب ناجي غابة.


