
هل تضع هجرة مسيحيّي الشرق وجودهم أمام تحدّي الانقراض؟ – جورجينا بهنام حبابه
ما انفكّ مسيحيّو الشرق يُعانون اضطهاداتٍ متكرّرة بين حينٍ وآخَر على مدى ألفَي عامٍ ونيّف، منذ أن شهدت أرضهم ميلاد المسيح المخلِّص وغَدَت مهد المسيحيّة الأولى وموطن نشأة كنائس رسوليّة عدّة، ومُنطَلَق المبشّرين إلى أصقاع الأرض.
وبفضل صمودهم شهودًا، وتضحياتهم شهداء، حفظوا وديعة الإيمان وسلّموها بالتواتر، جيلًا إلى جيل، حتّى بلَغَتْنا اليوم في مطلع الألفيّة الثالثة. وعلى مدى القرون المنصرمة، أدّت المجتمعات المسيحيّة “في الشرق الأوسط” دورًا بارزًا في خدمة بلدانها، اجتماعيًّا وسيّاسيًّا، وأسهَمَت في إنعاش ثقافاتها وإغناء علومها ونثر المحبّة والسلام أينما حلّت. ورغم خدماتهم وإبداعاتهم، تتالت النوائب على مسيحيّي الشرق، وعاشوا معاناة على صعد عدّة، لا سيّما في العقود الأخيرة، ما سبّب موجات هجرة واسعة أدّت إلى تراجعٍ ملحوظ في أعدادهم ووضعتهم أمام خطر الانقراض بعد أن كانوا غالبيّة السكّان.
يبدو التحدّي اليوم أعظم وأقسى من كلّ ما مضى، فالدراسات الديموغرافيّة تدقّ جرس إنذارٍ إزاء انحدار نسبة المسيحيّين في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من قُرابة 15% مطلع القرن العشرين، إلى 3% مطلع القرن الحادي والعشرين، ما يضع حضورهم التاريخيّ الفاعل أمام تحدّي الزوال.
العراق… مهجّرون ومهاجرون متمسّكون بالجذور
بدأت هجرة مسيحيّي العراق منذ مطلع ستّينيّات القرن الماضي، ونشطَت لاحقًا بسبب مآسي حروب الخليج المتعاقبة وتدهور الأوضاع المعيشيّة نتيجة الحصار الاقتصاديّ في تسعينيّات القرن المنصرم.
لكنَّ أحداث 2003، وما تبعها من حربٍ طائفيّة وتهجير وموجات عنفٍ وتفجيرات، استهدفَ بعضها كنائس، وعمليّات خطفٍ طالت مسيحيّين كُثُرًا، إكليروس وعلمانيّين، واستشهاد عددٍ منهم، ثمّ اضطرار مسيحيّي الموصل، ثاني أكبر المدن العراقيّة، وقُرى سهل نينوى وبلداته، إلى الجلاء عنها في إثر الاحتلال الداعشيّ في العام 2014، كانت ذات تأثيرٍ مفصليّ ونقطة تحوّلٍ دفعت جُلّ مسيحيّي العراق إلى الهجرة، قاصدين قارّات أوروبا وأميركا وأستراليا. فتناقصت أعدادهم من قُرابة مليونٍ ونصف مليون نسمة قبل 2003 إلى نحو نصف مليون، بحسب البطريركيّة الكلدانيّة. وتعتمد المنظّمات الدوليّة أرقامًا مشابهة، لعدم توفّر إحصاءات رسميّة حديثة ودقيقة.
سوريا… زلزالٌ على غير صعيد
عرَفَ السوريّون الهجرة إلى الأميركيّتَيْن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتواصلت بسبب ويلات الحرب العالميّة الأولى وتدهور الأوضاع المعيشيّة جرّاءها. لكنّهم حافظوا على نسبةٍ تُقارِب 10% من سكّان البلاد قبل اندلاع أحداث العام 2011، ما يُعادل أكثر من مليونَي نسمة، يتمركز معظمهم في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص وسواها.
لكنّ استمرار الصراع أكثر من عَقْدٍ، ثمّ الزلزال الذي ضربَ حلب ونواحيها، وما رافَقهما من دمار، سبَّبا نزوحًا داخليًّا ثمّ موجات هجرة تناقصت في إثرها أعداد المسيحيّين إلى قُرابة نصف مليون، بحسب مصادر، لكنّها لا تزيد على 300 ألف حسب مصادر أُخرى. لا يبدو أنّ ثمّة عائدين من المهاجر يُمكن أن يُسجِّلوا زيادةً في أعداد مسيحيّي سوريا عقب تغيير النظام في العام 2024. ورغم محدوديّة استهداف الكنائس والتجمّعات المسيحيّة في البلاد، تبدو آفاق المستقبل ضبابيّة وغير مشجِّعة.
لبنان… المتفرِّد برئيس مسيحيّ
يحظى الحضور المسيحيّ في لبنان بخصوصيّةٍ تُميِّزه عن سائر بلدان الشرق. فعلى الصعيد العربيّ والشرق أوسطيّ، هو الدولة الوحيدة التي يتولّى رئاستها منذ التأسيس مسيحيٌّ، مارونيّ تحديدًا، وفق الميثاق الوطنيّ الموقَّع في العام 1943، فضلًا عن فضاء الحرّيّة الذي يتمتّع به سائر مواطنيه، وبينهم المسيحيّون الذين شكّلوا عند تأسيس دولة لبنان الكبير في العام 1920 أكثر من نصف السكّان بقليل.
لطالما كانت أسباب اللبنانيّين في ابتغاء الهجرة مغايرة عن محيطهم الإقليميّ غالبًا، مثل البحث عن فرص تعليمٍ أفضل ومصادر رزقٍ أوسع، حتّى جاءت الحرب الأهليّة (1975-1990) بتداعياتها الأمنيّة والاقتصاديّة لتقلب الموازين وتقود مسيحيّي لبنان أفواجًا وزرافات إلى المهاجر في الأميركيّتَيْن وأوروبا وأستراليا، مشكِّلين نسبةً تُقارب 78% من مجمل المهاجرين اللبنانيّين في خلالها.
وفي ظلّ غياب إحصاء رسميّ، يبدو الاستناد إلى أعداد الناخبين المسيحيّين، خيارًا معقولًا لتحديد نسبتهم من السكّان التي تكاد تقارب 35% من السكّان اللبنانيّين، علمًا أنّ هذا البلد يضمّ أيضًا أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيّين والسوريّين والعراقيّين أيضًا، ما يُفاقِم أزمته الاقتصاديّة.

