مقالات مختارة

نحو تشريع مدنى موحّد لـ”الأحوال الشخصية”- الأنبا أنطونيوس عزيز

أرادت الدولة تنظيم القضاء وتوحيده فى مسألة الأحوال الشخصية فأصدرت القانون 462 لسنة 1955 الذى ألغى المحاكم الشرعية والمحاكم الملية، وأحال الدعاوى المنظورة أمامهما إلى المحاكم الوطنية “جزئية وابتدائية واستئنافية”، على أن تصدر أحكامها طبقًا لشريعة الطائفة والملة التى كانت لها جهة قضائية ملية منظمة وقت صدور ذلك القانون.

وقرر أيضًا ألا يؤثر تغيير الطائفة أو الملة أثناء سير الدعوى فى تطبيق شريعة طائفة المختصمين، إلا إذا كان التغيير إلى الإسلام، فتطبق المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم التى تقضى بتطبيق الشريعة الإسلامية.

وفتح هذا مجالًا لكل من أراد التهرب من تطبيق شريعته، إلى تغيير طائفته قبل بدء الدعوى.

فأثار ذلك حفيظة أغلب الطوائف، وكان يمكن حل المشكلة بالتقيد بشريعة العقد، فهى التى تحفظ حقوق المتعاقدين.

وجب التنويه إلى أنّ موضوع قانون الأحوال الشخصية يدور أساسًا حول عقد الزواج وما يترتّب عليه من طلاق أو انفصال ونفقة، إضافة إلى أحكام المواريث وشرعية النسب، أى حول المسائل التى تتعلّق بالزواج وآثاره القانونية والاجتماعية.

تجتهد الدولة حاليًا فى صياغة قانونين للأحوال الشخصية: أحدهما للمسلمين، تماشيًا مع المادة الثانية من الدستور، التى تنص على أن: “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع”، والآخر للمسيحيين، عملًا بالمادة الثالثة منه، التى تنص على أن: “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الخيار هو الأنسب والأكثر توافقًا مع نصوص الدستور، ومن ثمّ يبدو السعى إليه واجبًا.

غير أنّ نظرةً متأنيةً فاحصة تكشف هشاشة هذا التصوّر، لما ينطوى عليه من تكريس لمبدأ الفرقة، وتهميشٍ لمبدأ المواطنة، وإضعافٍ لفكرة المساواة بين المصريين.

قد لا يحظى أى طرحٍ مخالف بقبولٍ واسع فى مجتمعنا، مسلمين ومسيحيين، سواء على مستوى السلطات أو الأفراد، غير أنّنى أطرحه رجاء أن يجد صداه، إن لم يكن فى هذا العصر، ففى عصورٍ قادمة أكثر انفتاحًا على هذه الرؤية.

إنّ صياغة قانونين للأحوال الشخصية، أحدهما للمسلمين والآخر للمسيحيين، تنطوى على ادّعاءٍ ومزايدة؛ إذ لا يمكن إنكار أنّ للزواج شقين متلازمين: شق دينى، وآخر مدنى. غير أن هذا التوجه التشريعى يُغلّب الشق الدينى على الشق المدنى، ويُعلى من آثاره العقائدية مقارنة بآثاره المدنية والمادية.

تقصد الدولة، بهذا التوجه التشريعى، إبداء احترامها للسلطات الدينية، غير أنها، فى الوقت ذاته، تُقيّد قدرتها على تطوير تشريعاتها الوضعية، إذ يصبح المشرّع، بصدور هذا القانون، هو صاحب السلطة النهائية.

وتتجلى فى هذا التوجه التشريعى مزايدة أخرى، فى محاولة توحيد التشريع لعقائد متعددة.

من المعلوم أنه يستحيل عمليًا، بالنسبة للمسلمين، صياغة نص تشريعى واحد يجمع الآراء الفقهية المتعددة داخل المذهب الواحد، فكيف بنص واحد يضم آراء المذاهب المختلفة؟. إن أى صياغة قانونية تقتضى، بالضرورة، ترجيح رأى بعينه، والأخذ به دون غيره.

وما يقال عن المسلمين ينسحب، بصورة أوسع، على المسيحيين بمختلف طوائفهم، التى تتباين رؤاها العقائدية تباينًا ملحوظًا.

وتكفى نظرة سريعة إلى مشروع قانون الأحوال الشخصية “الموحد” للمسيحيين لنفى صفة التوحيد عنه، إذ تتعدد فيه المواد التشريعية باختلاف الطوائف، بما يعكس حقيقة التنوع لا وهم الوحدة.

ويفرض هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: هل يمكن النظر إلى الزواج من زاوية أخرى، أى من شقه المدنى؟ هنا بيت القصيد، وهنا يفتح الباب أمام حوارٍ مجتمعى جاد، يفضى إلى صياغة قانون مدنى موحد، يلتزم به كل مواطن، أيًا كان معتقده، احترامًا للعقد الذى يبرمه، مع ترك المجال له فى الوقت ذاته للالتزام بشريعته الدينية الخاصة، وفق مذهبه وقناعته.

فالقانون العام، الملزم لجميع المواطنين، يتمتع بسعة تمكّنه من احتواء مختلف العقائد، من دون أن يفرض إحداها بقوة القانون.

ويظلّ لكل فرد كامل الحرية فى ممارسة شعائره والالتزام بتعاليم مذهبه، أو عدم الالتزام بها، وفق ما يمليه عليه ضميره وقناعته الشخصية، إذ لا يجوز فرض الشرائع الدينية بقوة التشريع المدنى.

ولا يحول اعتماد تشريع مدنى موحّد للأحوال الشخصية دون استمرار الدور الإرشادى للمؤسسات الدينية، سواء كانت “المجالس الروحية” للمسيحيين أو “جهات الإفتاء” للمسلمين. فهذه الجهات، بطبيعتها، لا تمتلك سلطة جبرية لفرض آرائها أو فتاواها، بل تقوم بدور إرشاد الضمير الدينى للمؤمن، دون أن تملك إلزامه قانونًا، وهو أمر يتّسق مع طبيعة الإيمان ذاته.

وقد يُثار اعتراض مفاده أن قانونًا مدنيًا من هذا النوع قد يفتح الباب أمام أوضاع “شاذة” أقرتها تشريعات دول أخرى سبقتنا فى اعتماد البعد المدنى للزواج.

والرد على ذلك أن القانون المدنى المقترح، بصيغته المصرية، لن يشرعن ما لا تقبله ثقافتنا أو عاداتنا أو تقاليدنا، ولن يكون نسخةً مستنسخة من قوانين مجتمعات اختارت مسارات مغايرة للفطرة الاجتماعية السائدة لدينا.

ننشد قانونًا يحقّق المواطنة المبتغاة والمساواة بين المصريين جميعًا، حتى إن بدا، شكليًا، أنه لا يطبق المادتين الثانية والثالثة من الدستور بحرفيتهما، فإنه يفعّل روحهما، ويُسهم فى إنفاذ عدد كبير من مواد الدستور الأخرى، وفى مقدمتها مبدأ المساواة أمام القانون.

ألا توجب العدالة أن يُطبّق القانون على جميع المواطنين على قدم المساواة؟ ومن ثمّ، فإن للسلطة التشريعية أن تسن قانونًا مدنيًا وضعيًا يتسق مع الظروف الراهنة، مع الاحتفاظ بحق تعديل هذا القانون كلما تغيرت الظروف وتبدلت.

ويبقى السؤال الجوهرى: هل يجوز للسلطة التشريعية أن تتصدى لتنظيم مسائل عقائدية ذات طبيعة داخلية وضميرية، تختلف باختلاف المعتقد؟ أليس الأولى ترك هذه الشئون لتقدير الفرد، مسترشدًا بتعاليم مذهبه وفقهه؟

من البديهى أن تختص الطائفة بالأمور العقائدية، ورأيها إرشادى لمن يريد أن يتبعها، أما الآثار المدنية والمادية فهى محل اختصاص الدولة وسلطتها التشريعية، وأحكامها ملزمة. صدور هذا القانون فيه خلط للدينى والمدنى وإضفاء قوة الإجبار على ما لا يمكن الإجبار عليه وهو حرية الاعتقاد.

إنّ على السلطة التشريعية أن تنأى بنفسها عن تقنين المسائل العقائدية، مع التزامها الكامل بصياغة تشريع مدنى موحّد للأحوال الشخصية، يضمن المساواة بين جميع المواطنين. فلا مناص من توحيد التشريع، مع الإبقاء على حرية الفرد فى اتباع مذهبه فى حياته الخاصة.

والحلّ، فى جوهره، هو الفصل بين عقد الزواج المدنى وعقد الزواج الدينى.

وفق الله كلّ من كانت نيّته خدمة هذا الوطن ومواطنيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى