مقالات مختارة

لا تجعل العلم دليلًا إلى العقيدة ولا تجعل العقيدة رهينة للعلم حول الإعجاز العلمي – الأنبا أنطونيوس عزيز

أظن أن هذا هو المدخل الأكثر اتزانًا إلى قضية “الإعجاز العلمي” وعلاقة الكتب المقدسة بالعلم.

نحن نخطئ منذ البداية عندما نتعامل مع الكتب المقدسة وكأنها كتب فيزياء أو فلك أو أحياء أو جيولوجيا. فالكتاب المقدس ليس كتاب علوم، والله، حين يخاطب البشر، لا يتحدث إليهم بلغة المختبرات والمعادلات، وإنما يخاطبهم باللغة التي يفهمونها، وبصور عصرهم وتعبيراته وثقافة زمانهم.

وهذا مهم لأنه يحمينا من خطأين متعاكسين: أن نجعل العلم دليلًا إلى العقيدة، أو أن نجعل العقيدة رهينة للعلم. ويكشف تاريخ العلاقة بين النص الديني والعلم أهمية هذا التمييز.

خذوا مثلًا قصة يشوع بن نون، المعروف في التراث الإسلامي باسم يوشع بن نون، وقائد بني إسرائيل بعد موسى في التقليد التوراتي. تروي القصة في سفر يشوع حدثًا استثنائيًا أثناء معركة: أن الشمس توقفت ولم تغرب حتى اكتمل انتصار يشوع وقومه في المعركة. وقد ارتبط يشوع بن نون في التراث الإسلامي أيضًا بهذه الصورة بوصفه نبيًا وقائدًا.

في الفهم القديم، كان من الطبيعي أن تُقرأ القصة باعتبارها وصفًا لما حدث في السماء نفسها: الشمس هي التي تتحرك وهي التي تتوقف، ضمن تصور كوني يجعل الأرض ثابتة والشمس والقمر يتحركان فوقها.

ومع تطور علم الفلك، وتراجع النموذج الذي يجعل الأرض مركز الكون أمام النموذج الذي يجعل الأرض جرمًا متحركًا يدور حول الشمس، نشأ صراع مؤلم بين بعض التفسيرات الدينية القديمة والمعرفة العلمية الجديدة. ولم يكن الخلاف نظريًا دائمًا؛ فقد تعرض علماء ومفكرون للاضطهاد بسبب دفاعهم عن تصورات فلكية مخالفة للتفسير السائد لبعض النصوص الدينية، وكان قضية غاليليو أبرز الأمثلة. ثم اتضح علميًا أن الأرض تدور حول الشمس، وأن التصور الذي يجعل الأرض مركز الكون لم يكن صحيحًا.

وهنا أحد أهم دروس التاريخ: حين نحول الوصف الديني إلى تقرير علمي، ونصر على أن اللغة الدينية يجب أن تتطابق مع تصورنا العلمي للكون، فإننا قد ندخل في صراع لا ضرورة له.

فقصة يشوع لا تحتاج إلى أن تتحول إلى درس في حركة الأجرام السماوية حتى تكون ذات قيمة دينية أو لاهوتية. فهي تحكي حدثًا بلغة الإنسان وعصره، وهذا يقودنا إلى نقطة أعمق.

في نصوص مثل يشوع بن سيراخ نجد تعبيرات تنتمي بوضوح إلى التصور الكوني واللغة الطبيعية السائدة في زمنها. ولا ينبغي أن نشعر بالحرج من ذلك، ولا أن نعيد صياغة كل عبارة لكي تصبح متوافقة مع علم الفلك الحديث. فالكتاب المقدس لم يُوحَ به ليكون كتابًا دراسيًا في علم الكونيات، ولم يكن الله، حين أوحى بهذه النصوص، بصدد تقديم درس في علم الفلك بلغة الفيزياء الحديثة، وإنما خاطب البشر باللغة التي يفهمونها، وبالصور والتعبيرات المألوفة لهم في زمانهم.

حين يقول الإنسان: “الشمس أشرقت”، فهو لا يقدم نظرية فلكية تقول إن الشمس تدور حول الأرض، بل يستخدم لغة بشرية طبيعية ما زلنا نستخدمها اليوم رغم معرفتنا بحركة الأرض. وحين نقول “غابت الشمس”، لا يعني ذلك أننا عدنا إلى التصور البطلمي للكون. هذه هي لغة البشر.

والله، حين يخاطب البشر، يخاطبهم بلغة البشر.

ومن هنا فإن وجود عبارات في الكتب المقدسة تتفق مع التصورات الطبيعية الشائعة في زمنها ليس مشكلة في حد ذاته. المشكلة تبدأ عندما نصر على أن كل عبارة يجب أن تكون متقدمة على عصرها علميًا، ثم نبحث في كل اكتشاف جديد عن عبارة قديمة يمكن تأويلها بحيث تبدو وكأنها تنبأت به. هنا تظهر مشكلة “قناص تكساس” التي أشار إليها د. خالد منتصر في مقاله “الإعجاز العلمي وقناص تكساس” المنشور في “المصري اليوم” في 19 أغسطس 2026؛ إذ تقوم المغالطة، كما شرح، على إطلاق الرصاص أولًا، ثم البحث عن مجموعة من الثقوب المتقاربة ورسم الهدف حولها. والمقصود في سياق الإعجاز العلمي أن نعرف الاكتشاف أولًا، ثم نعود إلى النص ونختار من بين عباراته ما يمكن ربطه به، ونقدم هذا التوافق بعد ذلك باعتباره تنبؤًا سابقًا للاكتشاف.

المشكلة ليست في أن يجد المؤمن توافقًا جميلًا بين إيمانه وما يكتشفه العلم، فمن حقه أن يتأمله ويراه باعثًا على الدهشة. المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التأمل إلى “برهان علمي” على صدق النص.

فالسؤال عندئذ هو: هل كان النص، قبل ظهور الاكتشاف، يقدم بالفعل معلومة محددة لم يكن يمكن الوصول إليها بمعرفة ذلك العصر، أم أننا عرفنا النتيجة أولاً، ثم جعلنا النص والآيات تتوافق في ضوئها؟

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى فرق جوهري:

أنت عالم بكل الحقائق منذ الأزل، ولا يمنع ذلك أن يكشف الوحي للإنسان حقيقة لم يكن قد وصل إليها بعلمه بعد. لكن معرفة الله بالحقيقة شيء، وإثبات أن عبارة معينة في النص المقدس تقصد هذه الحقيقة العلمية تحديدًا شيء آخر.

عبارة “الله كان يعلم الحقيقة قبل اكتشافها” تفسر إمكان أن يسبق الوحي العلم، لكنها لا تثبت أن التأويل الذي نقدمه اليوم للنص هو فعلًا التأويل الذي قصده النص.

لذلك، إذا قيل إن عبارة دينية ما تتحدث عن حقيقة علمية حديثة، يجب أن نسأل: هل كان هذا المعنى ظاهرًا أو قابلاً للاستخراج من النص قبل اكتشاف الحقيقة؟ هل هو معنى محدد، أم أن العبارة تحتمل عشرات المعاني؟ وهل كان يمكن لقارئ لا يعرف الاكتشاف أن يصل إلى هذه النتيجة؟

كلما كان المعنى محددًا وقابلاً للاستخراج قبل الاكتشاف، أصبح التوافق أكثر إثارة للاهتمام. وكلما لم يظهر المعنى إلا بعد معرفة الاكتشاف والبحث عن عبارة تستوعبه، أصبح الحديث عن «الإعجاز» أضعف.

وهذا لا يعني أن كل توافق بين نص ديني وحقيقة علمية مجرد مصادفة، ولا يعني أن النصوص المقدسة لا يمكن أن تحتوي على معرفة تتجاوز عصرها، وإنما يعني أن عبء الإثبات يقع على من يصف التوافق بأنه إعجاز علمي.

ومن الخطأ أيضًا أن نجعل الإيمان نفسه متوقفًا على هذا النوع من الأدلة. فإذا ربطنا صحة النص المقدس بنظرية علمية معينة، أصبحت معرضة لانقلابات المعرفة البشرية؛ فالنظريات العلمية تتغير وتتطور، وما يبدو اليوم تفسيرًا نهائيًا قد يصبح غدًا قراءة من تاريخ العلم.

فالعلم ليس هو مصدر العقيدة عند المؤمن، ولا هو الطريق الذي يُنشئ الإيمان في القلب. الإيمان، في جوهره، يقوم على ما يراه المؤمن حقًا، وعلى علاقته بالله وما يجد له من قبول واطمئنان في القلب، لا على تحويل كل حقيقة إيمانية إلى قضية قابلة للإثبات بأدوات المختبر.

لذلك يمكن للعالم أن يرى في فهم المؤمن للعالم، وأن يغير نظره للعالم، وأن يثير فيه الدهشة والتأمل، لكنه لا يصبح بذلك مصدرًا لعقيدته ولا معيارًا نهائيًا لصحتها.

وقد رأينا في قصة مركزية الأرض وحركة الشمس والأرض كيف يمكن لتفسير ديني معين للكون أن يدخل في مواجهة مع العلم، ثم يتبين أن المشكلة لم تكن في العلم، ولا بالضرورة في النص نفسه، وإنما في الطريقة التي قُول بها الوصف الديني إلى قضية فلكية حرفية.

لذلك فالدرس ليس أن العلم ينتصر على الدين، ولا أن ينتصر الدين على العلم، وإنما أن لكل منهما مجاله وأدواته وأسئلته. العلم يسأل: كيف تتحرك الأجرام؟ كيف تتطور الكائنات؟ كيف تعمل المادة؟ ثم يختبرها ويصححها، أما النص المقدس فيسأل، عند المؤمن، عن وظائفه ومعانيه ومغزاه.

وليس مطلوبًا من الكتاب المقدس أن يكون كتاب فلك، وليس مطلوبًا من العالم أن يثبت لنا معنى خاصًا حتى يكون مقبولًا، لهذا يمكن اختصار الموقف في جملة واحدة:

لا تجعل العلم دليلًا على العقيدة، ولا تجعل العقيدة رهينة للعلم.

دع العلم يقوم بعمله: سؤالًا وفرضيةً وملاحظةً وتجربةً ونقدًا وتصحيحًا، ودع النص المقدس يقوم بعمله: أن يخاطب الإنسان في عمق وجوده، وأن يفتح أمامه أفق العلاقة بالله ومعنى الحياة والخلاص.

وإذا وجدنا توافقًا بين حقيقة علمية ونص ديني، فيمكننا أن نأمل بفرح ودهشة، لكن دون أن نستعجل تحويله إلى «إعجاز علمي». فقد يكون التوافق لافتًا وجديرًا بالدراسة، لكنه لا يصبح برهانًا لمجرد أننا اكتشفناه بعد ظهور الحقيقة العلمية.

والأهم أن نتوقف عن الشعور بالحاجة إلى الدفاع عن قدسية النص بإثبات أن كل ما كان يعرفه مسبقًا ما يعرفه العلم الحديث. قدسية النص عند المؤمن لا تتوقف على أن يكون كتابًا فيزياء متنكرًا في ثوب الشعر والحكمة والسرد الديني.

وربما كان احترام هذه الحقيقة هو الذي يحمينا من خطأين متعاكسين: أن نفرض العلم على النص، أو أن نفرض النص على العلم.

العلم يصف ويفسر العالم، أما العقيدة فلا تختزل في العالم، وإن كان العلم قد يتقاطع معها أو يتقاطع معها في بعض ما تأمل فيه.

دع النص المقدس يقوم بعمله، فلا يحتاج إلى أن يستعير سلطة المختبر كي يكون إيمانًا.

الله يكلم البشر بلغة البشر

وربما كان احترام هذه الحقيقة هو الذي يحمينا من خطأين متعاكسين: أن نفرض العلم على النص، أو أن نفرض العلم على النص.

العلم يصف ويفسر العالم، أما العقيدة فلا تختزل في العالم. وإن كان العلم قد يتقاطع معها أو يتقاطع معها في بعض ما تأمل فيه.

دع النص المقدس يقوم بعمله. فالإيمان لا يحتاج إلى أن يستعير سلطة المختبر كي يكون إيمانًا، والعلم لا يحتاج إلى أن يتحول إلى أداة لنفي كل ما يتجاوز مجاله.

لا تجعل العلم دليلًا على العقيدة، ولا تجعل العقيدة رهينة للعلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى