
تأمل “الأرض الطيبة: قلبٌ يُثمر بالصبر” – الأب أنطونيوس فايز
هناك كلماتٌ تُعيدك إلى الحياة. تصل إليك حيث أنت، وأنت ترتدي ملابسك، أو ذاهب إلى العمل، أو تغسل الأطباق، أو أثناء مكالمة هاتفية، أو في صفحةٍ فتحتها مصادفةً تقريبًا، فتشعر أن شيئًا في داخلك بدأ ينتعش، ويتنفّس من جديد. قد تكون المشكلات ما زالت كلّها في مكانها، لكنك في تلك اللحظة تستعيد الرغبة في مواجهتها.
هكذا يمكن للإنجيل المقدس أن يصل إليك، وسط يومٍ عاديّ من أيّام حياتك. فالله يعرف طريقه إلى بيتك، حتى عندما تجد أنت صعوبةً في أن تجد طريقك إلى نفسك.
تأمّل اليوم في نص الإنجيل: “وأمّا الذي سقط في الأرض الجيّدة، فهم الذين يسمعون الكلمة ويحفظونها، ويُثمرون بالصبر” (لو ٨ : ٤ – ١٥).
يؤثّر فيَّ هذا الزارع الذي يخرج يوميًّا، دون كلل، ويأتمن الأرض، بغضّ النظر عن حالتها، على شيءٍ حيّ: “كلمة الله”. تصل إلينا في إنجيلٍ نسمعه، وفي صلاةٍ تلامس أعماقنا، وفي كلمة محبّة، وفي تحيّة، وابتسامة الصباح، وفي موقفٍ يدعونا إلى الغفران، أو العطاء، أو الرجاء. لكنّ السؤال ليس: هل سمعنا الكلمة؟ بل: ماذا يحدث لها بعدما نسمعها؟
يروي الرب يسوع فعلَه، فأفكّر في كم من المرّات وصلت إليَّ إحدى كلماته بينما كان ذهني مشغولًا بشيءٍ آخر، وقلبي مثقلًا، والشعور يملأني بأن لديَّ بالفعل أشياء أكثر من اللازم لأهتمّ بها.
ربما يحدث هذا معك أيضًا: تتمنّى مزيدًا من السلام، ثم تكفيك إجابةٌ قاسية حتى تجد نفسك من جديد في صراع، تريد أن تُصغي إلى مَن تحب، لكنّه بينما يتحدّث إليك، يكون ذهنك قد سبقَه بالفعل إلى التفكير في الغد. ومع ذلك، يبقى في داخلك ذلك الاشتياق إلى الخير، يعود ليُسمِع صوته من جديد، ويبحث عن مكانٍ له في داخلك.
يسوع لا يطلب منّا قلبًا كاملًا بلا ضعف، ولا أرضًا لم تعرف يومًا الحجارة، أو الأشواك؛ بل يبحث عن قلبٍ طيّبٍ كريم، قلب طفل بريء، قلبٍ مستعدّ لأن يفسح له مكانًا، وأن يسمح لكلمته بأن تنزل إلى العمق، لا أن تبقى على السطح. يمكننا أن نبدأ من هنا، من دون أن نخجل من الأرض التي نحن عليها.
في الأرض التي يصفها الرب يسوع، نتعرّف إلى تعبنا: خيبات الأمل التي جعلتنا أكثر قسوة، وجفاءً، وحماساتٍ بقيت من دون أن تُثمر، وهمومٍ نمت حتى كادت تسلبنا أنفاسنا، لكننا نتعرّف أيضًا إلى ذلك الجزء فينا الذي لا يزال قادرًا على أن يتأثّر، وأن يثق، وأن يفتح الباب. إن قلبك يحتفظ بإمكاناتٍ كثيرة، لكن التعب يمنعك أحيانًا من رؤيتها.
الأرض الطيّبة ليست قلبًا لا يتألّم، بل قلبٌ لا يسمح للألم أن يمنعه من الإيمان. وليست قلبًا لا يُجرَّب، بل قلبٌ يبقى أمينًا وسط التجربة. وليست قلبًا لا يسقط، بل قلبٌ يعرف كيف يعود إلى الله كلّما سقط.
“ويحفظونها”: يدعونا الرب يسوع إلى أن نحفظ الكلمة، وهذا الفعل يحمل في طيّاته معنى أيدٍ يقظةٍ وحريصة، كأننا نحافظ على شيءٍ عزيزٍ على قلوبنا.
أي إنّ كلمة الله تصبح شيئًا نحمله معنا، ونرجع إليه عندما تضيق الطرق، أو نحتار عندما تتشعّب، كزيت العذارى الحكيمات الذي ينير لهن الطريق. نحفظها في القلب حتى تصبح طريقة عيش، ونحفظها في الذاكرة حتى تذكّرنا بمَن نكون عندما تنسينا الحياة هويّتنا، “وكانت مريم تحفظ كلمة الله متأمّلة بها في قلبها”.
يمكنك أن تحفظها اليوم أيضًا، وأنت ترافق ابنك إلى المدرسة، أو تنتظر الحافلة، أو تُعِدّ العشاء مع رفيقة حياتك. يكفي أن تمنحها الوقت، لكي تقترح عليك فعلًا واحدًا: أن تضع هاتفك جانبًا لكي تُصغي حقًّا، أو أن تعتذر من دون أن تضيف تبريرات، أو أن تمنح شخصًا ما فرصةً، لأن يفاجئك بما لم تكن تتوقّعه منه.
يمكن لجملةٍ واحدة من الإنجيل المقدس أن تسكن معك طوال النهار، وأن تجلس إلى مائدتك، وأن تدخل معك إلى تلك المحادثة التي تخشاها. وبينما تفسح لها مكانًا، يبدأ شيءٌ ما في التغيّر.
ستأتي أيّام تعود فيها إلى عاداتك القديمة. ويمكنك أن تبدأ من جديد، بالصبر نفسه الذي كنت ستتعامل به مع شخصٍ تحبّه. فالمثابرة تنمو أيضًا بهذه الطريقة، عندما تتوقّف عن إذلال نفسك بسبب كل سقطة، وتتعلّم أن تمسك بيد نفسك، وترافقها. فالخير الذي ستصير إليه يحتاج أيضًا إلى الحنان الذي ترافق به نفسك اليوم.
ربما تكون الثمرة الأولى صغيرة: أمسيةٌ تنجح فيها في أن تتحدّث بهدوء، أو ضغينةٌ تمنحها مساحةً أقل في قلبك، أو لحظةُ فرحٍ تسمح لنفسك أخيرًا بأن تعيشها. استقبلها الآن، وأعطها قيمتها. إنها حياةٌ بدأت تنضج.
وهذا أيضًا ما يهمّني في خدمتي في المرافقة الروحية: أن أرافق الأشخاص لكي يكتشفوا ما يزال يطلب في داخلهم أن يحيا، وأن أقدّم لهم الإصغاء، والوقت، حتى يجد هذا الشيء مكانًا له، وينمو. فأحيانًا، لكي نعود إلى الرجاء، نحتاج إلى شخصٍ ننظر معه عن قرب إلى ذلك البرعم الصغير.
فلنسأل أنفسنا اليوم: أيّ أرضٍ يجدها الربّ في قلبي؟ هل يجد قلبًا مشغولًا، أم قلبًا يصغي؟ هل يجد حجرًا يغلق الطريق، أم تواضعًا يفتح له المجال؟ هل تختنق كلمته في أشواك الخوف والهموم، أم تجد في داخلي مساحةً لتنمو؟
في هذا اليوم، احمل معك كلمةً من كلمات يسوع، وأودِعها جزءًا صغيرًا من يومك غدًا. الله يأتمنك على بذرة، لأنه يرى منذ الآن شخصًا ما سيتمكّن يومًا من أن يتغذّى من حبّك.



