
زيارة البابا إلى فرنسا.. حين تخدم الكنيسة الإنسان دون أن تمارس السياسة – الأنبا أنطونيوس عزيز
تكشف زيارة البابا لاوُن إلى فرنسا، في سبتمبر ٢٠٢٦، عن حقيقة كثيرًا ما يختلط فهمها في النقاش حول العلاقة بين الدين والدولة: استقلال الدولة عن الكنيسة لا يعنى إقصاء الدين من الحياة العامة، كما أن حضور الكنيسة في المجتمع لا يعنى تدخلها في ممارسة السلطة السياسية.
فالكنيسة لا تطلب أن تحكم الدولة، ولا أن تحل محل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولا أن تفرض على المجتمع اختياراتها السياسية. لكنها، في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تنسحب من المجال الإنساني والأخلاقي الذي تنتمي إليه رسالتها، ولا أن تلتزم الصمت حين تُمس كرامة الإنسان أو تُنتهك حقوقه أو تُهدد حرياته الأساسية أو يسفك دمه في الحروب.
وهذا بالضبط ما عبّر عنه البابا فى لقائه بالسلطات الفرنسية والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي في قصر الإليزيه. فقد أكد أن العلمانية الصحيحة لا تعنى إقصاء الدين من المجال العام أو من التربية، بل تعنى أن تعمل الدولة والمؤسسات الدينية معًا، من خلال الحوار، في خدمة الخير العام. واستند في ذلك إلى تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني الذى يميز بوضوح بين المجتمع السياسي والكنيسة، مع التأكيد أن كليهما يخدم الإنسان نفسه، وأن التعاون السليم بينهما يجعل هذه الخدمة أكثر فاعلية.
وهنا تظهر المسألة في صورتها الصحيحة: الاستقلال ليس قطيعة، والتعاون ليس تبعية، والحضور في المجتمع ليس استيلاءً على السياسة.
فالكنيسة حين تتحدث إلى المسئولين عن السلام، أو عن الفقر، أو عن الحرية الدينية، أو عن كرامة المهاجر واللاجئ، أو عن حماية الضعفاء، لا تقدم برنامجًا انتخابيًا، ولا تنافس حزبًا سياسيًا، ولا تسعى إلى امتلاك السلطة. إنها تتحدث من موقع رسالتها، وتخاطب الضمير الإنساني، وتذكّر الجميع بأن للسياسة والاقتصاد والقانون غاية تتجاوز إدارة المصالح، هى خدمة الإنسان والخير العام.
ولذلك لم يتردد البابا، وهو يخاطب الدولة الفرنسية، فى الحديث صراحة عن كرامة كل شخص وعن الحقوق والحريات الأساسية التي ترتبط بطبيعة الإنسان. كما ربط بين الحرية والمساواة والأخوّة وبين مقتضيات أخلاقية عالمية يجد فيها الإنجيل مصدرًا للإلهام. وأكد كذلك أهمية الحرية الدينية باعتبارها من الحقوق الإنسانية الأساسية.
إن هذه الكلمة تحمل دلالة أساسية: حقوق الإنسان ليست شأنًا سياسيًا محضًا بحيث يُمنع رجل الدين من الحديث عنها، كما أن الدفاع عنها ليس اختصاصًا حصريًا للدولة. فالإنسان هو موضوع رسالة الكنيسة، وكرامته ليست قضية عابرة تستطيع الكنيسة أن تختار أن تهتم بها أو ألا تهتم.
بل يمكن القول بوضوح أكبر: المناداة بكرامة الإنسان والدفاع عن حقوقه وحرياته الأساسية واجب على الكنيسة ذاتها، ولا يجوز لها أن تتملص منه بحجة أن هذه القضايا تنتمي إلى المجال السياسي. فحين يدافع المسيحي عن الإنسان المظلوم، أو عن حرية الضمير، أو عن حق الفقير، أو عن المهاجر واللاجئ، أو عن ضحايا الحرب، لا يخرج بذلك من إيمانه إلى السياسة؛ بل يضع إيمانه في مواجهة الواقع الإنساني الذي يدعوه الإنجيل إلى خدمته.
ولهذا شدد البابا، في كلمته بفرنسا، على أن الكنيسة الكاثوليكية تواصل، من خلال مؤسساتها وأعمالها، خدمة الأكثر ضعفًا، ورعاية المرضى، ومساندة من لا صوت لهم. ولم يرَ في ذلك منافسة للدولة، بل رأى فيه شهادة حية لقيمة كل إنسان وللمسئولية المشتركة عن المجتمع.
وفى مقر يونسكو، اتسع هذا المنظور ليشمل السلام والتعليم والثقافة والحقوق والحريات. فقد تحدث البابا أمام مؤسسة دولية معنية بالتعليم والعلم والثقافة عن ضرورة أن تظل هذه المجالات في خدمة الإنسان، وربط الحرية بالعدالة، وحذر من أن تتحول المعرفة والتكنولوجيا إلى أدوات للسيطرة والظلم، مؤكدًا أن كرامة الإنسان لا تنقص بسبب مرضه أو ضعفه أو شيخوخته أو عدم قدرته على الإنتاج. كما دعا إلى أن تكون حماية الفقراء واللاجئين والمهاجرين وذوي الإعاقة وغيرهم من الفئات الهشة معيارًا حقيقيًا لاحترام كرامة الإنسان.
وفى شأن السلام، لم يتحدث البابا بوصفه صاحب قرار سيأسى أو عسكري، وإنما بوصفه صاحب رسالة أخلاقية ودينية. فقد دعا فرنسا إلى ألا تستسلم لفكرة أن الحرب أمر حتمي، وإلى مواصلة الحوار والدبلوماسية، واحترام كرامة الأشخاص والشعوب وحقوقهم، وإلى الإسهام في بناء سلام يقوم على العدالة لا على مجرد توازن المصالح والقوى.
وهنا أيضًا ينبغي التمييز بين القول فى السياسة والممارسة السياسية. فأن تدعو الكنيسة إلى السلام ليس أن تضع خطة لوزارة الخارجية، وأن تدافع عن حقوق الإنسان ليس أن تضع نفسها مكان البرلمان، وأن تطالب باحترام الحرية ليس أن تتحول إلى حزب سيأسى.
فالسياسة تتولى إدارة الشأن العام واتخاذ القرارات الملزمة للمجتمع، أما الكنيسة فتسهم، من موقعها الخاص، في تكوين الضمير الإنساني والاجتماعي، وفى الدفاع عن مبادئ تراها أساسية لكرامة الإنسان والخير العام. وقد تتفق مع الدولة في بعض القضايا وتختلف معها فى قضايا أخرى؛ لكن الاتفاق أو الاختلاف لا يغير طبيعة كل مؤسسة ولا يمنح إحداهما سلطة على الأخرى.
ومن هنا، فإن العلاقة الصحية بين الدين والدولة لا تقوم على سؤال: هل تتحدث الكنيسة أم تصمت؟ بل على سؤال آخر أكثر دقة: كيف تتحدث الكنيسة، ومن أي موقع، وفى أي حدود؟
فحين تتحدث باسم سلطة سياسية تريد أن تحكم وتفرض وتنافس، تدخل فى مجال ليس مجالها. أما حين تتحدث باسم الإنسان، ومن منطلق إيمانها وضميرها ورسالتها، دفاعًا عن كرامته وحريته وحقوقه، فهى تؤدى واجبًا لا يجوز لها التنصل منه. ولعل هذا هو أحد أبرز معاني زيارة البابا إلى فرنسا: يمكن للدولة أن تكون دولة مدنية وعلمانية، ويمكن للكنيسة فى الوقت نفسه أن تكون حاضرة بقوة في الحياة العامة؛ لا لكي تحكم، بل لكى تخدم؛ لا لكى تستولى على السياسة، بل لكى تذكّر السياسة بالإنسان؛ لا لكى تفرض عقيدتها بالقانون، بل لكى تشهد للقيم التي تؤمن بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دونها.
وهكذا لا يكون الفصل بين الكنيسة والدولة فصلًا بين الدين والمجتمع، ولا بين الإيمان والإنسان، وإنما يكون تمييزًا واضحًا بين السلطات والاختصاصات. للدولة مسئوليتها السياسية والقانونية، وللكنيسة رسالتها الروحية والأخلاقية؛ وبينهما مساحة واسعة من التعاون والحوار لخدمة الخير العام.
فالكنيسة لا تحتاج إلى أن تمارس السياسة لكي يكون لها صوت في المجتمع؛ يكفي أن تكون أمينة لرسالتها، وأن ترفع صوتها كلما تعرض الإنسان للإهانة، أو حُرم من حريته، أو انتُهكت حقوقه، أو غاب السلام. الصمت في هذه القضايا ليس حيادًا، بل تخلٍّ عن جزء من الرسالة التي أُوكلت إليها.



