
أورشليم السماويّة.. رؤية للمصالحة في قلب الشرق الأوسط – سند ساحلية
اختُتِمت رسالة بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا إلى أبرشيّة القدس، في نسختها العربيّة المعنوَنة “رَجَعوا إِلى أورشليم وهم في فَرح عظيم”، بملاحظةٍ حول معنى كلمة “أورشليم”. ولم تكن تلك مجرّد إشارة لغويّة هامشيّة، بل مفتاحًا مقصودًا لفهم الرسالة بكاملها، إذ يوجّه القارئ إلى التمييز بين أورشليم كرمز كتابي–روحي، والقدس كمدينة معاصرة مثقلة بالصراع السياسي والديني.
تُعدّ القدس عالميًّا مدينة مركزيّة في النزاع الشرق أوسطي، ومكانًا مقدّسًا للمسيحيّين والمسلمين واليهود على السواء، تَحمِلُ ثقلًا دينيًّا هائلًا وتعقيدًا سياسيًّا عميقًا. لكن في التقليد المسيحي، تَحمِلُ أورشليم معنى آخَر تمامًا: هي المدينة السماويّة التي يصفها سفر الرؤيا بأنّها نازلةٌ من السماء، مهيّأة كعروس، أي عطيّة إلهيّة تعبّر عن المصالحة بين الله والبشريّة. هنا، يُذكّر البطريرك بأنّ الرسالة لا تتحدّث عن المدينة الواقعيّة المحاصرة بالانقسام، بل عن أورشليم السماويّة كرمز للوحدة والرجاء.
من خلال استخدامه مصطلح “أورشليم” بدلًا من الاكتفاء بـ”القدس”، يوضح البطريرك أنّ رسالته لا تدور حول السيادة أو الحدود أو النزاعات السياسيّة، بل حول الأفق الروحي للإيمان. الفارق بين القدس وأورشليم ليس لغويًّا فحسب، بل هو فارق لاهوتي ورعوي في العمق.
القدس المعاصرة مدينةٌ واقعيّة تشكّلت عبر التاريخ، وتداخلت فيها السلطة والذاكرة والصراع والسرديّات الوطنيّة المتنافسة. أمّا أورشليم الكتابيّة فهي رمزٌ يتجاوز الجغرافيا ليُشير إلى الكنيسة الجامعة، وإلى وعد المصالحة وشفاء الانقسام البشري.
البُعد السياسيّ
في زمن تكاثُر القراءات الأيديولوجيّة للنصوص الدينيّة، يكتسب هذا التوضيح بُعدًا يتجاوز التفسير اللغويّ. فهو يُذكّر بأنّ الإيمان ينبغي أن يبقى بمنأى عن التوظيف السياسي، ويضع الكنيسة أمام مسؤوليّتها الدائمة في أن تكون علامة رجاء وسط الحرب والانقسام والخوف.
من خلال هذا الموقف، يقاوم النصّ محاولات تحويل القدس إلى أداة سياسيّة أو خريطة سيادة أو تبرير ديني للهيمنة، ويعيد في المقابل المعنى الكتابي للمدينة باعتبارها فضاءً يُبنى على العلاقة لا على السيطرة، وعلى المصالحة لا على الهيمنة.
من هذا المنطلق، يُحدّد البطريرك دور الكنيسة في المجال العام، فهي مدعوّة إلى أن تشهد للمعنى الأخلاقي والروحي، لا أن تنخرط في اصطفافات سياسيّة. وفي جوهر الرسالة، تتجلّى الدعوة إلى النظر إلى “أورشليم” لا كساحة صراع، بل كرؤية للمصالحة، كمدينة تقوم على العدالة والكرامة الإنسانيّة، لا على القوّة والهيمنة.
كنيسة تتجاوز الحدود
في اللاهوت المسيحي، تُعدّ “أورشليم السماويّة” أيضًا صورة للكنيسة حين تبلغ كمالها، وللعالم حين يتعافى من الانقسام. وهي تُفهم كعطيّة تُمنح، لا كإنجاز يُفرَض بالقوّة أو يُشيَّد بقدرة الإنسان. بهذا المعنى، تصبح الكنيسة المحلّيّة في الأراضي المقدّسة علامة لهذه المدينة، رغم جراحها وتحدّياتها.
أبرشيّة القدس نفسها تمتدّ عبر فلسطين وإسرائيل والأردن وقبرص، ما يُبيِّن أنّ الكنيسة ليست محصورة في حدود سياسيّة، بل هي جماعة روحيّة عابرة للحدود، مدعوّة إلى أن تكون علامة وحدة وسط الانقسام.



