زيارة قداسة البابا لاون إلى فرنسا – اليوم الثاني
البابا أمام 800 ألف مؤمن في ساحة الكونكورد: الله وحده قادر على ملء فراغ الإنسان
أكد البابا لاوُن أن الله وحده قادر على إشباع عطش الإنسان العميق إلى المعنى والحقيقة والسعادة، محذّرًا من البحث عن الاكتمال في الخيرات المادية والملذات العابرة، وداعيًا المؤمنين إلى الارتواء من المسيح، ينبوع الماء الحي، ومشاركة عطية الإيمان مع الآخرين، وحمل الرجاء إلى حيث يسود الإحباط والجفاف الروحي.
جاء ذلك في عظته خلال القداس الإلهي الذي ترأسه، السبت 26 سبتمبر، في ساحة الكونكورد بالعاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة نحو 800 ألف مؤمن، بحسب الأرقام الرسمية التي أوردتها إذاعة الفاتيكان. وعبّر البابا عن شكره لله على نعمة وجوده وسط هذه الحشود، راجيًا أن تسهم زيارته في تعزيز إيمان المؤمنين وتشجيعهم على نقل حياة المسيح وسلامه ومحبته.
الله وحده قادر على ملء الفراغ
انطلق البابا من كلمات المسيح في إنجيل يوحنا: “إِن عَطِشَ أَحَدٌ فليُقْبِلْ إِلَيَّ”، موضحًا أن يسوع المسيح، من خلال تجسّده، يلتقي بكل إنسان في مسيرته التاريخية، ويكشف له عن ذاته بوصفه الينبوع الحقيقي للماء الحي، القادر على إرواء عطشه إلى المعنى والحق والكمال.
ودعا المؤمنين إلى التأمل في رغباتهم العميقة، متسائلا: “ما هو عطشنا العميق؟ ماذا نطلب حقًّا في الحياة؟”، ومحذّرًا من الاعتقاد بأن تحقيق الطموحات أو امتلاك المزيد من الأشياء أو البحث المستمر عن المتعة يستطيع أن يمنح الإنسان السعادة الكاملة.
وقال: “إنّ الإنسان، في جوهره، كائن ”يشتاق“، والله وحده قادر على أن يملأ هذا الفراغ وهذا الاشتياق”. وأوضح أن الإنسان قد يشعر بعودة الفراغ الداخلي حتى بعدما يعتقد أنه حقق أهدافه ونال مكافأة جهوده، لأن قلبه يحمل توقًا أعمق لا تستطيع الأمور المادية أو الملذات العابرة إشباعه.
في عيني المسيح، لا أحد مجرد رقم
وتوقف البابا لاون عند صورة المسيح الراعي الصالح، الذي يعرف كل إنسان باسمه، ويدرك أسرار قلبه ونواياه وضعفه، ويحمل الخراف المتعبة والجريحة على كتفيه، ويستعيد بلطف تلك التي ضلّت الطريق.
وأكد أن المسيح يكشف محبة الله غير المشروطة لكل إنسان، قائلًا: “ففي عينيه، لا أحد منّا مجرد رقم في بطاقة هوية، ولا أحد رمز للتعريف، بل هو إنسان، إنسان فريد لا غنى عنه”. وأشار إلى أن الحياة البشرية، رغم هشاشتها وضعفها وحقيقة الموت، تبقى رائعة وقادرة على التجدد والانفتاح على المحبة الحقيقية، عندما يعيش الإنسان في الحق تحت نظر المسيح.
لا تحتفظوا بإيمانكم لأنفسكم
وتوجّه البابا إلى المؤمنين المجتمعين في باريس، بوصفهم ورثة تاريخ مسيحي طويل في فرنسا، داعيًا إياهم إلى الارتواء من قلب المسيح، واكتشاف جذورهم الإيمانية من جديد، والمساهمة في بناء مجتمع متجدد يقوم على الإيمان والسلام والشركة.
وقال: “لا تحتفظوا بإيمانكم بيسوع المسيح لأنفسكم فقط، بل دعوه يفيض منكم ليروي عطش كلّ الذين تلتقون بهم ويملأهم”. وشدّد على المسؤولية التي يحملها المسيحيون تجاه مجتمعهم، مؤكدًا: “تقع على عاتقكم مسؤوليّة حمل الرجاء إلى حيث يسود الإحباط والجفاف الروحيّ”.
واستشهد الأب الأقدس بتعليم أوريجانس، موضحًا أن المؤمنين، عندما يرتوون من الينبوع الذي هو قلب المسيح، يصبحون بدورهم آبارًا وينابيع وأنهارًا للآخرين، وينقلون الحياة التي يتلقونها من المسيح إلى إخوتهم وأخواتهم.
البابا يصلّي لتتدفّق مياه الروح القدس على فرنسا
واستحضر البابا تاريخ القداسة في فرنسا، مشيرًا إلى الشهداء الأوائل، ومن بينهم بلاندينا وبوتينوس وإيريناوس، وإلى عدد من القديسين والقديسات الذين كرّسوا حياتهم لخدمة الآخرين، مثل مارتين وفرنسوا دي سالِس ومنصور دي بول وفريديريك أوزانام ويوحنّة يوغان.
وأكد أن ماء الروح القدس الحي لا يزال يأتي بثماره في الكنيسة، من خلال المرسلين والشهود الذين يكرّسون حياتهم لخدمة الله والآخرين، وكذلك من خلال الأشخاص الذين يعملون اليوم في الرعايا والمؤسسات والمبادرات الرعوية من أجل الحياة والعائلة والسلام والأخوّة والعدل. ومن قلب العاصمة الفرنسية، رفع البابا صلاته قائلًا: “من هذه المدينة الجميلة، باريس، أصلّي بحرارة لكي ينتشر ماء الرّوح القدس الحي في كلّ فرنسا”.
إلى العائلات والشباب: أنتم شهود حضارة المحبة
وخصّ البابا العائلات برسالة شكر وتشجيع، مشيدًا بثباتها وشجاعتها في أداء رسالتها رغم الصعوبات اليومية، ومعربًا عن امتنانه لكل الخير الذي يتحقق من خلالها.
كما توجّه إلى الشباب والشابات، مؤكدًا أهمية حضورهم الفاعل في حياة الجماعات المسيحية، وقال لهم: “أنتم كنيسة اليوم! ما أجمل أن نرى حماسكم، وحيويّتكم، والتزامكم، والفرح الذي تحملونه إلى الجماعات المسيحيّة”.
ودعا الموعوظين والمهتدين الجدد إلى مواصلة مسيرتهم في الإيمان والتوبة والتنشئة المسيحية، راجيًا أن تجعل منهم عطية الروح القدس شهودًا مستعدين لنشر حضارة المحبة من حولهم. واختتم البابا عظته بالتوجّه إلى العذراء مريم، طالبًا شفاعتها لكي تتفجّر ينابيع الماء الحي في قلب شعب الله، وتزهر في مختلف أنحاء فرنسا براعم الإيمان والرجاء والمحبة.
(أبونا)
البابا من باريس: تزايد معموديات البالغين علامة ملموسة على عمل نعمة الله

أكد البابا لاوُن أن تزايد أعداد البالغين الذين يكتشفون الإنجيل ويطلبون أسرار التنشئة المسيحية في فرنسا يشكّل “علامة ملموسة على عمل نعمة الله”، تتجاوز التحليلات الإحصائية والاجتماعية، داعيًا الكنيسة إلى استقبال المؤمنين الجدد ومرافقتهم وإدماجهم في حياة الجماعات الكنسية، وعدم تركهم وحدهم بعد نيل سر المعمودية.
جاء ذلك خلال لقائه، السبت 26 سبتمبر، أعضاء الجمعية السينودسية لإقليم باريس الكنسي، والموعوظين والمعمّدين حديثًا، في المعهد الكاثوليكي بباريس، ضمن زيارته الرسولية إلى فرنسا. وأعرب البابا عن تأثره بتزايد أعداد الأشخاص الذين يعودون إلى عتبة الإيمان، والبالغين الذين يطلبون أسرار التنشئة المسيحية، شاكرًا المشاركين الذين قدّموا شهاداتهم خلال اللقاء.
وأشار البابا إلى المفارقة التي يشكّلها تجدد الإيمان في مجتمع فرنسي يتسم بالعلمنة العميقة، مؤكدًا أن عودة كثيرين إلى اكتشاف الإنجيل واعتناق الإيمان تكشف عن عمل النعمة الإلهية الذي لا يمكن حصره في الإحصاءات والتحليلات الاجتماعية.
وحذّر من المواقف الانهزامية وما كان البابا فرنسيس يسميه “التشاؤم العقيم”، كما نبّه إلى خطر الاكتفاء بالنتائج والشعور بالرضا عن الذات. ودعا الكنيسة إلى حماية “الشعلة الصغيرة التي أشعلها الروح القدس في ظلام الليل”، ورعاية “البذرة الصغيرة التي تسعى إلى النمو حتى وسط الأشواك”.
وشدّد على ضرورة ترجمة هذه العلامات إلى مبادرات رعوية ملموسة، والتساؤل باستمرار عن الاتجاه الذي يقود إليه الروح القدس الكنيسة في مرافقتها للموعوظين والمعمّدين حديثًا والأشخاص الذين يبدأون مسيرتهم الإيمانية من جديد.
كنيسة تعيش التنشئة المسيحية باستمرار
ودعا البابا الكنيسة في فرنسا إلى أن تصبح “كنيسة في حالة تنشئة”، مستعيدًا تعبيرًا سبق أن استخدمه الأساقفة الفرنسيون، بحيث لا تقتصر مهمتها على إعداد الأشخاص لنيل الأسرار، بل تواصل مرافقتهم طوال مسيرتهم الإيمانية.
وأشار إلى الخبرة الرعوية الطويلة التي تتمتع بها الكنيسة الفرنسية في مجال التنشئة المسيحية، ولا سيما التطورات التي شهدتها عقب الحرب العالمية الثانية، وتجديد مسيرة الموعوظين المرتبط بالمجمع الفاتيكاني الثاني.
وأكد أن التنشئة المسيحية لا تنتهي بنيل الأسرار، بل تتطلب مرافقة ثابتة تحترم التاريخ الشخصي والخبرة الروحية لكل إنسان، وتساعده على الاندماج الكامل في حياة الكنيسة.
واستحضر في هذا السياق تساؤلًا طرحته إحدى المعمّدات حديثًا حول كيفية تجنّب الشعور بـ”الفراغ بعد المعمودية”، مشددًا على أهمية استقبال المؤمنين الجدد في الرعايا وجماعات الصلاة، وتوفير تنشئة متكاملة تشمل الكتاب المقدس واللاهوت والعقيدة والأخلاق المسيحية.
وتوقف البابا عند الدور الأساسي لليتورجيا في مسيرة التنشئة المسيحية، موضحًا أنها ليست مجرد مرحلة تأتي بعد التعليم المسيحي لتطبيق ما تعلّمه المؤمنون، بل هي في ذاتها وسيلة لاكتشاف الإنجيل والحياة الإلهية. وأشار إلى أن الليتورجيا تجعل السر الفصحي للمسيح حاضرًا، وأن إيقاعها ولغتها وطقوسها تشكّل جزءًا أساسيًا من مسيرة التوبة والاستعداد لنيل الأسرار.
مرافقة تقوم على القرب والشفقة والحنان
وشدد البابا على أهمية إعداد الأشخاص الذين يتولون مرافقة المؤمنين الجدد، بمن فيهم العرّابون والعرّابات والعاملون في الخدمة الرعوية، من خلال تنشئة كتابية ولاهوتية وليتورجية وروحية متينة، إلى جانب تنمية الصفات الإنسانية اللازمة للإصغاء والمرافقة.
وأوضح أن الأشخاص الذين يقتربون من الكنيسة يسلكون مسارات مختلفة؛ فمنهم من تحرّكه الرغبة الروحية والبحث عن معنى الحياة، ومنهم من يحمل تجارب الوحدة والمعاناة والجراح العميقة.
ولذلك، دعا إلى اعتماد أسلوب رعوي يقوم على “القرب والشفقة والحنان”، ويحترم وتيرة نمو كل شخص، مع تحقيق توازن حكيم بين الاستقبال والإصغاء من جهة، وتشجيعه على الالتزام بمتطلبات الحياة المسيحية من جهة أخرى.
وأكد أن المرافقة الحقيقية تعني اعتماد أسلوب “السير معًا”، بحيث يتبادل الكهنة والعلمانيون والعرّابون والموعوظون والمسؤولون الرعويون والمعمّدون حديثًا الخبرات والعطايا، ويسهم كل منهم في نمو الآخرين.
كونوا أنتم أيضًا مرسلين للإنجيل
وفي حديثه عن الثمار المستقبلية للإيمان، استشهد البابا بالقديس أوغسطينوس، الذي تعرّف إلى الإيمان على يد القديس أمبروسيوس، مشيرًا إلى أن إيمانه كان عند معموديته أشبه ببذرة صغيرة، لكنها نمت حتى أصبحت شجرة عظيمة لا تزال أغصانها تمنح المسيحيين الملجأ والتعزية.
وتوجّه إلى الموعوظين والمعمّدين حديثًا، مؤكدًا أنه يرى فيهم ليس فقط ثمرة عمل الروح القدس، بل أيضًا وعدًا بخصوبة الكنيسة المستقبلية في فرنسا، داعيًا إياهم إلى أن يصبحوا بدورهم مرسلين يحملون الإنجيل إلى المجتمع.
وفي ختام كلمته، استحضر البابا شهادة قديسي فرنسا، ولا سيما القديسة تريزيا الطفل يسوع والقديس مارتينوس التوري. وأشار إلى أن “الطريق الصغير” للقديسة تريزيا يعلّم المؤمنين أن الثقة تفتح أبواب النعمة، فيما يجسّد القديس مارتينوس المشاركة والمحبة الأخوية.
ودعا الحاضرين إلى الاقتداء بهؤلاء القديسين، مؤكدًا أن الرسالة المسيحية تُبنى قبل كل شيء من خلال الأمانة لحضور الرب في الحياة اليومية، وحثّهم على استقبال بعضهم بعضًا وتشكيل شعب الكنيسة الحي في فرنسا، القادر على نقل الإيمان إلى الأجيال المقبلة.
(أبونا)
من بيت بخيتة البابا يؤكد: دور النساء في بناء حضارة المحبة ويدعو إلى تحرير المستعبدين وصون كرامة المهمّشين

زار البابا لاوُن، في 26 سبتمبر، مركز المرافقة والاندماج الاجتماعي “بيت بخيتة” في باريس، مستهلًا اليوم الثاني من زيارته الرسولية إلى فرنسا. وأكد أن المركز يشهد أمام المدينة بأن من الممكن أن يلتقي الناس ويعيشوا معًا بكرامة وسلام، مشيدًا بجهود الأبرشية والراهبات والعاملين والمتطوعين الذين يقدمون خدمات الاستقبال والإصغاء والتنشئة والصداقة.
وفي كلمته خلال الزيارة، شدد البابا على الدور الأساسي للنساء في بناء مجتمع أكثر إنسانية، قائلًا إن اسم القديسة بخيتة “يحفّزنا على أن نعترف بدور النّساء الأساسيّ في بناء حضارة المحبّة، بدَلَ ثقافة تفتّت الجماعات وتجعل المدن مريضة بالعزلة”.
وأوضح أن التاريخ لا يصنعه بالضرورة أصحاب القوة والنفوذ، بل الذين يفسحون المجال للآخرين ويعملون من أجل السلام، مؤكدًا أن تاريخ الكنيسة والبشرية “لم يكتبه الذين يبدون وكأنّهم هم المنتصرون، فيفرضون أنفسهم ويحتلُّون المكان، بل يكتبه الذين ”يتركون المكان“ ويهيّئونه لغيرهم، ويطلقون مسارات السّلام، ويولّدون الثّقة، ويشجّعون على الحياة”.
وأضاف أن هذا الالتزام يتجاوز المشاعر إلى قرارات عملية واستثمارات تسير عكس التيار، مشيرًا إلى أن القديسة بخيتة تدعو إلى الاهتمام بالأشخاص الذين يتعرضون للاستعباد والتهميش، وإلى الاعتراف بكرامة كل إنسان، قائلًا: “إنّ القدّيسة بخيتة تدعونا إلى أن نرى الذي لا يُرى، وأن نحرّر الذين يجعلهم الاقتصاد والثّقافة اليوم عبيدًا، وأن نولي كلّ أخ وأخت كرامته اللامتناهية، ففيهم يقرع يسوع نفسه أبوابنا”.
الفقراء هم جسد المسيح
واستشهد البابا بإرشاده الرسولي “لقد أحببتك”، مؤكدًا أن الاهتمام بالفقراء ليس مجرد نشاط اجتماعي، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان المسيحي، إذ قال: “الواقع هو أنّ الفقراء بالنّسبة للمسيحيّين ليسوا فئة اجتماعيّة، بل هم جسد المسيح نفسه”.
وأوضح، في الاقتباس ذاته، أن الإيمان بسر تجسد المسيح يدعو المؤمنين إلى التعرف إليه في الأشخاص الذين يعانون الجوع والعطش والمرض والسجن. وأشار إلى أن المسيح الفقير والمصلوب يتيح للمؤمنين اللقاء به ومحبته في الرجال والنساء الذين يدعونهم إلى الخروج من ذواتهم والتحلي بالشجاعة في ممارسة المحبة.
لا أحد فقير إلى حدّ أنّه لا يملك شيئًا يعطيه
وتوقف البابا عند مبدأ العطاء المتبادل الذي تقوم عليه رسالة المركز، مؤكدًا أن كل إنسان قادر على تقديم شيء للآخرين، بصرف النظر عن ظروفه الاجتماعية أو المادية. وقال: “فلا أحد فقير إلى حدّ أنّه لا يملك شيئًا يعطيه. ولا أحد غنيّ إلى حدّ أنّه لا يوجد شيء لا يحتاج إليه”.
وشدد على أن الحياة تزداد غنى عندما ينفتح الإنسان على حضور الآخرين، وأن الإيمان بالفداء يساعد المسيحيين على عدم البقاء أسرى المعاناة التي دخلت التاريخ، بل على إدراك إمكانية التجدد والمشاركة في الحياة الجديدة بالمسيح.
واستشهد في هذا السياق بتعليم القديس بولس الرسول حول وحدة أعضاء الجسد وتكاملها، مذكّرًا بأن الأعضاء التي تبدو أضعف هي الأشد ضرورة، وأن الله منح مزيدًا من الكرامة للأعضاء التي تفتقر إليها، لكي يهتم الجميع بعضهم ببعض.
دعوة إلى مواصلة رسالة الاستقبال
وفي ختام كلمته، أعرب البابا عن تقديره للعاملين والمتطوعين ولجميع الذين يقدمون خدمات مماثلة في المؤسسات المنتشرة في أنحاء فرنسا. ودعاهم إلى مواصلة رسالتهم من خلال الاستقبال الأخوي والتنشئة والحوار مع المجتمع، قائلًا: “واصلوا الشّهادة على هذه العناية بعضكم ببعض التي تسمو بالرّوح وتزيد العالم إنسانيّة، وذلك بالاستقبال الأخويّ، ومسارات التّنشئة، والحوار مع المدينة”.
واختتم البابا كلمته طالبًا شفاعة القديسة بخيتة وشهود المحبة الذين أسهموا في ترسيخ حضور الكنيسة في فرنسا، ولا سيما خلال مراحل التغيير والاضطرابات، مانحًا بركته لجميع الحاضرين.
(أبونا)
ليلة الـ80 ألف: صلاة وألعاب نارية وقديسون في إستاد فرنسا

في ليلة استثنائية على أطراف باريس، تحوّل إستاد فرنسا في سان دوني إلى ساحة ضخمة جمعت 80 ألف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 17 و35 عامًا، في أمسية صلاة مع البابا لاوُن اختتمت اليوم الأول من زيارته الرسولية الجمعة 25 سبتمبر. وبين أضواء الهواتف والألعاب النارية والموسيقى والهتافات، حمل اللقاء مشاهد احتفالية واسعة، قبل أن ينتقل آلاف الشباب من صخب الإستاد إلى لحظات من الصمت والصلاة.
قديسو فرنسا يعودون إلى الإستاد
واستعادت العروض أمام الشباب محطات من التاريخ المسيحي لفرنسا، بمشاركة مئات الأشخاص والخيول، فيما ارتدى شبان وشابات أزياء شخصيات وقديسين ارتبطوا بتاريخ البلاد، من بينهم القديسة مريم المجدلية والقديسة بلاندينا والقديس يوحنا إود والقديس شارل دو فوكو والقديسان لويس وزيلي مارتان.
من الألعاب النارية إلى الصمت
ورغم الطابع الاحتفالي الضخم، شهدت الأمسية تحولًا لافتًا: فبعد الموسيقى والرقص والألعاب النارية والطائرات المسيّرة والعروض، خفتت الأصوات وعمّ الصمت، وبدأ الشباب يصلّون. وكان محور الأمسية القداسة، فيما عبّر الشباب أمام البابا عن رغبتهم في أن يكونوا “جيلًا من الشهود”، في وقت قالت فيه الشابة “إينيس” إن بين شباب فرنسا اليوم “رغبة حقيقية في الله، وعطشًا إلى الإيمان، وبحثًا عن المسيح”، رغم ما يواجهه جيلهم من الحروب والانقسامات والقلق المناخي والتحديات التكنولوجية.
رداء المسيح في قلب الاستاد!
وشهدت الأمسية أيضًا حضور الرداء المقدس المحفوظ في أرجنتوي، والذي يُكرّم منذ العصور الوسطى باعتباره الرداء الذي ارتداه السيد المسيح خلال آلامه. وقد أُحضر بصورة استثنائية إلى إستاد فرنسا، ليكون علامة على وحدة الكنيسة والمحبة المبذولة، قبل أن تتجه الأنظار إليه في لحظة صلاة وتأمل في ختام الأمسية.
وبين أجواء الإستاد الصاخبة ولحظات الصلاة والصمت، انتهت “ليلة الـ80 ألف” بصورة أراد منظموها أن تختصر رسالة اللقاء: جيل شاب يبحث عن السعادة ويكتشف طريق القداسة، فيما وجّه البابا لاون الرابع عشر الشباب إلى عيش إيمانهم بشجاعة، وتحويله إلى شهادة ومحبة وخدمة في قلب المجتمع.
(أبونا)
البابا لاوُن لشباب فرنسا: لا تخافوا من الدعوة الكنيسة تحتاج إليكم

دعا البابا لاون شباب فرنسا إلى بناء حياتهم على علاقة حيّة مع المسيح، والتحلي بالشجاعة في اكتشاف دعوتهم وخدمة الآخرين، مؤكدًا للشباب الذين يشعرون بدعوة إلى الكهنوت أو الحياة المكرسة أن الكنيسة في فرنسا “تحتاج إليهم كثيرًا.
جاء ذلك خلال أمسية الصلاة مع الشباب في إستاد فرنسا في سان دوني بباريس، حيث أجرى البابا حوارًا مباشرًا مع الشباب حول إعلان الإيمان، والعيش مع المختلف، والقلق بشأن المستقبل، والتمييز في اختيار الدعوة، قبل أن يقدم تأملًا روحيًا دعا فيه إلى عيش الحرية المسيحية والسير في طريق القداسة.
الكنيسة في فرنسا تحتاج إليكم
وفي ختام حواره، توجه البابا بصورة خاصة إلى الشباب الذين يشعرون بدعوة إلى الكهنوت أو الحياة المكرسة، قائلًا: “الكنيسة في فرنسا تحتاج إليكم كثيرًا! إنها تصلّي من أجلكم وتنتظركم”. وأضاف: “لا تخافوا من هذه الدعوة! تحلّوا بالشجاعة، وثقوا بيسوع”، مؤكدًا لهم أن المسيح “لن يخيّبكم”، وأن الحياة التي تُعاش استجابة لدعوته ستكون “جميلة ومثمرة بصورة رائعة”.
القلق والشاشات ومستقبل الشباب
وجاءت كلمات البابا ردًا على سؤال طرحه شاب فرنسي حول كيفية اكتشاف المكان الذي يدعوه فيه المسيح إلى الخدمة، في ظل القلق وعدم اليقين اللذين يواجههما الشباب.
وتوقف البابا عند عدد من الضغوط التي تثقل كاهل الجيل الجديد، مشيرًا إلى عدم استقرار مشاريع المستقبل، وهشاشة العلاقات، و”الإرهاق الناجم عن الشاشات”، إلى جانب القلق المرتبط بالتغيرات المناخية والأوضاع الاقتصادية والدولية.
وأكد أن التمييز الحقيقي ينمو في الصداقة مع يسوع، داعيًا الشباب إلى العودة إلى الإنجيل، وإلى الجمع بين “الصلاة والخدمة، والسجود والعمل، والصمت”، ولا سيما الصمت الذي وصفه بأنه “نادر جدًا وضروري جدًا”، بعيدًا عن ضجيج وسائل الإعلام والإعلان.
إعلان المسيح لا يقود إلى الصراع
وفي محور آخر من الحوار، أجاب البابا عن سؤال لشابة فرنسية حول كيفية الجمع بين الحماسة لإعلان المسيح والعيش الأخوي مع الذين لا يشاركون المسيحيين إيمانهم. وقال إن المجتمع قد يبدو غير مبالٍ بالله، “لكن الرب يسوع ليس غير مبالٍ بنا”، محذرًا في الوقت نفسه من اللامبالاة بالإنسان، ولا سيما بالفقراء والمرضى والأشخاص الذين تُقاس قيمتهم بما ينتجونه.
وأكد أن “إنجيل يسوع لا يقود إلى الصراع، بل يدعو دائمًا إلى المغفرة”، وأن اللقاء مع المسيح يفتح الإنسان على الحوار ويهيئه للسلام. وشدد على أنه “من المستحيل أن نشهد للمسيح من دون أن نحب الذين نريد أن نعلنه لهم”، موضحًا أن الرسالة المسيحية لا تتعارض مع احترام أتباع الديانات الأخرى.
آلاف “الإعجابات”.. والإنسان وحيد!
وفي تأمله خلال الأمسية، وضع البابا أمام الشباب ثلاثة أفعال استقاها من كلمات القديس بولس إلى تيموتاوس: “اهرب، اطلب، جاهد”، داعيًا إياهم إلى الهرب من الكبرياء والباطل والعنف والجشع، وطلب البر والإيمان والمحبة والصبر والوداعة، والجهاد من أجل عيش الإنجيل.
وحذّر من نمط حياة يقوم على الامتلاك والمظاهر، وقد يصل بالإنسان إلى أن يتلقى “عددًا هائلًا من علامات الإعجاب (Like)، ولكن يبقى وحيدًا مع نفسه”، مؤكدًا أن الحرية الحقيقية تجد ينبوعها في العلاقة الحية مع يسوع.
وشدد على أن تجنب الشر وحده لا يكفي، بل يجب اختيار الخير، موضحًا أن “الخير يعطي الحياة ولا يسلبها أبدًا، والخير يعتني بغيره ولا يأخذ لنفسه”.
جهادنا ليس ضد الآخرين
وأوضح البابا أن “الجهاد” الذي يدعو إليه الإنجيل ليس مواجهة مع الآخرين، ولا يستخدم “أسلحة العنف أو الازدراء أو القمع”، بل إن “سلاحنا الوحيد هو سلاح المحبة التي تبذل ذاتها”.
ودعا الشباب إلى أن يكونوا صانعي سلام، مستذكرًا عددًا من قديسي فرنسا، ومن بينهم القديسة تريزا الطفل يسوع، طالبًا منها أن تعلم الشباب “طريقها الصغير” في المحبة اليومية، بوصفها أساسًا لكل سلام دائم.
الرداء والصليب
وقال إن المسيح جُرّد من قميصه “لكي يكسونا نحن بالثوب الأبيض”، فيما تحول الصليب من أداة للموت إلى علامة للرجاء.
واختتم البابا بدعوة الشباب إلى النمو في القداسة والعمل على تغيير المجتمع نحو الأفضل، وأن يكونوا “شهودًا منيرين لهذا الإنجيل”، أي للبشرى السارة التي هي المسيح نفسه.
(أبونا)



