مقالات مختارة

يا امرأة، عظيم إيمانك! – الأب أنطونيوس فايز

تخيل أنك هناك، على ذلك الطريق، بينما تبدأ امرأة مجهولة الاسم تعدو في الصراخ خلف يسوع. إنها غريبة، تنتمي إلى شعب آخر، وتحمل وصمة من ينظر إليه على أنه بعيد، لا ينتمي إلى الشعب المختار المقرب. ومع ذلك، في تلك اللحظة، لم يعد لكل هذا أي أهمية، لأن ابنتها تتألم. وعندما يتألم الابن، تتوقف الأم عن الخوف، وتمتلك من الجرأة والشجاعة ما يجعلها تخترق المستحيل.

تأمل “يا امرأة، عظيم إيمانك!” (مت 15: 21 – 28)

لقد انتزع الألم منها كل حذر أو تردد، لكنه لم يسرق منها الرجاء. تصرخ، وتصر، وتتوسل، وتصمد أمام كل أشكال الازدراء، بينما كان التلاميذ يريدون إبعادها، وكأن يأسها يزعج مسيرة الله. أو ربما، في الواقع، لا يتحملون معاناتها، ولا يرغبون في التبصر والتضامن معها.

وكم يحدث هذا اليوم أيضًا؟

كم مرة يزعجنا ألم الآخرين، ربما الذين يعيشون معنا، لأنه صاخب أكثر من اللازم، أو ملح أكثر من اللازم، فيعكر صفاء حياتنا، أو يصعب إدخاله في ترتيب وبرامج أيامنا المنظمة؟

يسوع، في البداية، يتأنى ويصمت. وربما تكون هذه هي النقطة الأكثر إيلامًا في الرواية، لأن صمت الله يمكن أن يجرح أكثر من إجابة سلبية. في الواقع، كثيرًا ما نعتقد أن صمت الله هو غياب أو عدم اهتمام، بينما هو حضور أعمق مما نتصور.

ربما صليت أنت أيضًا بهذه الطريقة، وقلبك يختنق، طالبًا شفاء، أو مصالحة، أو مخرجًا، وشعرت وكأن السماء قد أصبحت بابًا مغلقًا. صرخت ولم تسمع شيئًا. طرقت الباب، وبدا وكأن لا أحد يريد أن يفتح.

ومع ذلك، بقيت وصمدت تلك المرأة. غالبًا ما يبدأ الإيمان الحقيقي تحديدًا عندما تكون لدينا ألف حجة تجعلنا نرحل ونتراجع، ونجتر خيبات الأمل والإحباط.

هي لم تسمح للصمت أن يهزمها، ولم تسمح للإهانة أن تطفئ حبها، ولم تتخل عن رجائها لمجرد أن أحدًا جعلها تفهم أنها لا تنتمي إلى الجماعة الصحيحة. اقتربت، وخرّت عند قدمي يسوع، ونطقت بصلاة قصيرة، عارية من كل دفاع، لكنها شديدة القوة والفاعلية.

“يا رب، أعني!”، كلمتان فقط. لا صيغة مثالية، ولا خطاب معد بعناية لشرح أسبابها القوية لإقناعه، بل قلب تجرد من كل العوائق: الكبرياء، والكرامة، وصورتها أمام الآخرين. قلب لم يعد يعرف إلى أين يذهب.

ثم تأتي إجابة يسوع غير المتوقعة، خارجة عن السياق، إجابة تحرق القلب: “ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب الصغيرة”.

كلمات قاسية، قادرة على أن تجرح. كان بإمكانها أن تنهض، وتغضب، وترحل إلى الأبد. لكنها أخذت هذه العبارة نفسها، وحولتها إلى شق صغير تسمح من خلاله للرجاء أن يعبر: “نعم، يا رب، ولكن الكلاب الصغيرة تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها”.

في الواقع، لم تسمح، ولم تعط أذنًا صاغية لهذه العبارات الجارحة أن تثنيها وتشتتها عن هدفها المرجو. امرأة شاخصة النظر نحو يسوع، رغم كل تلك الصعوبات.

يا لها من امرأة عظيمة! إنها لا تدعي أن الحق معها، لكنها تستمر في الإيمان بأن الله صالح. لا تطالب بمكانة شرف، لكنها تعرف أن حتى فتاتة واحدة تسقط من قلب المسيح يمكن أن تنقذ حياة كاملة، لأن فتاتة واحدة من الله تحمل في داخلها اللانهاية.

يبقى يسوع مندهشًا، أو ربما يسمح أخيرًا بأن يظهر ما كانت تلك المرأة تحمله في داخلها منذ البداية: إيمانًا عظيمًا، قادرًا على عبور الصمت، والرفض الظاهري، وأحكام الآخرين، من دون أن يفقد رقته.

“يا امرأة، عظيم إيمانك!”، ليس عظيمًا لأنها تعرف كل الإجابات، بل لأنها تستمر في المحبة وهي تعيش داخل السؤال.

وليس عظيمًا لأنها لا تتألم، بل لأنها تحول الألم إلى طريق يقودها إلى الله.

ولهذا، اسأل نفسك: كم مرة حولت الإيمان إلى سياج؟ بالمثابرة في الصلاة.

كم مرة فكرت، ربما من دون أن تقول ذلك بصوت عال، أن الله ينتمي بالدرجة الأولى إلى من يتكلمون مثلك، ويصلون مثلك، ويعيشون مثلك؟

إن إنجيل اليوم يقلب مائدة يقيننا، لأن امرأة اعتبرت بعيدة، وخارج توقعاتنا، تصبح معلمة في الإيمان، بينما من يشعر بأنه قريب بالفعل قد يخاطر بألا يتعرف إلى عظمة قلبها.

الله ينظر إلى ما وراء الانتماءات.إنه يرى الجراح التي تخفيها، ويسمع الصلوات التي لا تعرف كيف تنطق بها، ويجمع حتى الدموع التي لم يلاحظها أحد.

أمام الله، لا يوجد غريب. كانت الكنعانية تطلب فتاتة، فنالت معجزة، لأن الحب الحقيقي لا يتوقف أمام الأبواب المغلقة، بل يستمر في الطرق حتى يكتشف أن قلب الله كان مفتوحًا على مصراعيه منذ البداية.

تذكر هذا في الليالي التي تصمت فيها السماء: الصمت ليس دائمًا غيابًا. فأحيانًا يكون الصمت هو المكان السري الذي يمد فيه الإيمان جذوره.

والإيمان الذي يولد من الألم يمكن أن يصبح عظيمًا إلى درجة أنه يحرك قلب الله نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى