
إن زيارة قداسة البابا لاون لتركيا ولبنان لها دلالات كبيرة. فزيارة تركيا هي أولًا زيارة إلى بلدٍ إسلامي، حيث يشكّل المسلمون نحو 5. 99 % من السكان. وفي هذه الزيارة طالب قداسة البابا بأن تكون تركيا أمينة لدعوتها، ليس فقط كجسر بين الشرق والغرب، بين أوروبا وآسيا، بل أيضًا بين أبناء الشعب نفسه على اختلاف دياناتهم، مؤكدًا ضرورة أن يكون للأقليّات موقع في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي داخل المجتمع التركي.
والهدف الثاني من الزيارة هو هذا اللقاء العظيم بين بابا روما وبابا روما الجديدة في القسطنطينية، ولقاؤه مع غبطة البطريرك برثلماوس، البطريرك المسكوني للروم الأرثوذكس. وهذا اللقاء الجميل، الذي جمع القادة الدينيين الروحيين مع قادة آخرين من الكنائس المختلفة شرقًا وغربًا، تضمّن تلاوة قانون الإيمان النيقاوي – القسطنطيني في الموقع نفسه الذي انعقد فيه مجمع نيقية الأول عام 325، والذي وُضع فيه الجزء الأول من قانون الإيمان.
كما أن لقاؤه عدة مرات في “الفنار” مقر البطريرك المسكوني ، وحضوره القداس الإلهي بمناسبة عيد القديس أندراوس كما فعل أسلافه، يحمل دلالة مهمة على أن الشركة بين الكنيستين ممكنة.
كذلك فإن زيارة قداسة البابا للجماعات المسيحية والاحتفال معهم بالليتورجيا الإلهية تُعد تعضيدًا روحيًا ورعويًا لهذه الجماعات التي لا تتجاوز نسبتها 0.05% من عدد السكان.
أما زيارته للبنان فقد حملت بُعدًا روحيًا ورعويًا وإنسانيًا عميقًا . فقد جاءت الزيارة في وقت يحتاج فيه اللبنانيون إلى كلمة سلام ورجاء، فحرص قداسته على التأكيد أن لبنان ليس مجرد بلد، بل هو رسالة تعايش بين المسلمين والمسيحيين، ونموذج فريد في الشرق الأوسط، كما قال عنها البابا القديس يوحنا بولس الثاني
وخلال الزيارة، التقى قداسة البابا بالقادة الدينيين من مختلف الطوائف، مؤكدًا ضرورة المحافظة على صيغة العيش المشترك، وداعمًا الحوار بين الكنائس وبين الأديان. كما التقى المسؤولين السياسيين، ودعاهم إلى العمل من أجل استقرار البلد ووحدته، وإلى حماية الحريات الدينية وكرامة الإنسان، مهما كانت انتماءاته.
أما اللقاء الروحي الأكبر فكان احتفاله بالقداس الإلهي مع آلاف المؤمنين، حيث وجّه رسالة تشجيع للجماعة المسيحية التي تواجه تحديات اقتصادية وهجرة مستمرة. وشدّد على أن حضور المسيحيين في لبنان ليس مجرد وجود عددي، بل شهادة حيّة للإنجيل وسط الألم والأمل معًا.
كما أولى الشباب اللبناني اهتمامًا خاصًا، فاستمع إلى أسئلتهم وشاركهم آمالهم، داعيًا إيّاهم إلى أن يكونوا شهودًا للسلام، وبناة لمستقبل يليق بتاريخ لبنان ورسالة كنائسه. وألا يفقدوا الأمل، وأن يكونوا صانعي سلام وتغيير.
واختُتمت زيارة قداسة البابا لاون إلى تركيا ولبنان، زيارة حملت في مسارها الكثير من الإيمان والرجاء. فمن نيقية والقسطنطينية إلى بيروت والأرز، مرّت كلمات البابا كجسر يربط بين الكنائس، وكنافذة تُفتح على حوار صادق بين الأديان. فقد أكّد قداسته أن الوحدة ليست حلمًا بعيدًا، بل مسيرة تبدأ بخطوات صغيرة وشجاعة، وأن حضور المسيحيين في الشرق ليس مجرد وجود تاريخي، بل رسالة متجددة للخدمة والسلام. أما رسالته الأوسع، فبقيت واضحة: الشرق يحتاج إلى سلامٍ يولَد من الحوار، ومستقبلٍ يُبنى على الكرامة الإنسانية، وكنائسٍ تسير معًا بروحٍ واحدة.


