افتتاحية العدد

توما الرسول.. من الشك إلى الإيمان الحقيقي  – الأب رفيق جريش

يُعَدّ توما الرسول واحدًا من أكثر الشخصيات قربًا إلى قلوب المؤمنين، لأنه عبّر بصدق عن صراع الشك الذي قد يمر به أي إنسان في طريق إيمانه. لم يكن توما ضعيف الإيمان كما يُصوَّر أحيانًا، بل كان صادقًا يبحث عن الحقيقة، ويرفض أن يكتفي بإيمانٍ سطحي أو تقليدي دون اختبار شخصي.

بعد قيامة السيد المسيح، ظهر للتلاميذ وهم مجتمعين، لكن توما لم يكن حاضرًا. وعندما أخبره الآخرون أنهم رأوا الرب، قال عبارته الشهيرة: “إن لم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه، لا أؤمن”. هذه الكلمات لم تكن عنادًا، بل تعبيرًا عن رغبة عميقة في اليقين، في لقاء حقيقي مع الرب القائم من الموت.

لم يترك المسيح توما في شكه، بل جاء إليه بعد ثمانية أيام، ودعاه أن يلمس ويرى، قائلاً له: “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يديّ”. في تلك اللحظة، لم يحتج توما أن يلمس، بل انفتح قلبه للنور الإلهي، وانطلق بأعظم إعلان إيمان في الإنجيل: “ربي وإلهي!” فقد تحوّل شكه إلى إيمان حي، واختباره الشخصي صار شهادة قوية لكل الأجيال.

تعلّمنا قصة توما أن الشك ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية لإيمان أعمق إذا قادنا للبحث الصادق عن الله. فالله لا يرفض من يسأل، بل يقترب ممن يطلبه بقلب مخلص. كما تذكرنا بأن الإيمان ليس مجرد كلمات، بل علاقة حية واختبار شخصي مع المسيح.

وتُخبرنا التقليدات الكنسية أن توما لم يتوقف عند لحظة الإيمان، بل انطلق يبشّر حتى أقاصي الأرض، حاملاً رسالة الإنجيل بشجاعة، حتى استشهد من أجل إيمانه. وهكذا صار مثالًا للتلميذ الذي تغيّر بالكامل، من إنسان متردد إلى رسول ثابت.

في حياة كل مؤمن، هناك لحظات تشبه تجربة توما، لحظات تساؤل وضعف. لكن المهم، هو ألا نتوقف عند الشك، بل نسمح لله أن يدخل قلوبنا ويحوّل تساؤلاتنا إلى يقين، وخوفنا إلى رجاء، وإيماننا إلى حياة حقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى