
ملف زيارة البابا لاون إلى لبنان.. كل ما تريد معرفته.. البابا لشباب لبنان: انموا بقوة مثل الأرز واجعلوا العالم يزهر بالرجاء
اهتز الصرح البطريركي الماروني في بكركي، مساء الاثنين 1 ديسمبر، فرحًا بلقاء البابا لاوُن مع شباب لبنان، حيث ألقى الحبر الأعظم كلمة مؤثرة أكد فيها على أهميّة دور الشباب في بناء المستقبل، مشدّدًا على ضرورة أن يكونوا فاعلين في المجتمع، مؤمنين بقيم السلام والعدالة.
ودعا قداسته البابا الشباب ليكونوا صانعي سلام وبناة لمستقبل أفضل، مؤكدًا على أهمية الإيمان والصلاة في حياة الشباب. كما شدّد على دورهم في تعزيز الوحدة والسلام في لبنان، حاثًا إياهم على التأمل بحياة القديس شربل وقديس المراهقين كارلو اكوتيس والقديس جورجيو فراساتي.
وكان البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي قد ألقى كلمة رحّب فيها بالبابا، وشكر قداسته على زيارته إلى لبنان، مؤكدًا على أهمية دور الشباب في بناء الكنيسة والوطن. كما دعا غبطته الشباب إلى أن يكونوا قدوة في المجتمع من خلال قيمهم وأخلاقهم.
وفي بداية اللقاء، قدّم الشباب عرضًا مسرحيًا عبّر عن آمالهم وتطلعاتهم -تضمن العرض ترانيم روحية وخبرات حياة- وكان قد أظهر العرض المسرحي روح الشباب المتفائل والإيجابي. وقدم الشباب إلى البابا رموزًا تعبّر عن المآسي والآلام التي خلفها انفجار مرفأ بيروت والجروح التي لم تلتئم بعد. اختتم اللقاء بتقديم هدية رمزية للبابا ووعد من الشباب بالعمل على بناء لبنان أفضل.
(راديو الفاتيكان)
ملف ززيارة البابا لاون إلى لبنان.. كل ما تريد معرفته..البابا من ساحة الشهداء ببيروت: الوحدة والمصالحة والسلام ممكنة دائمًا
شارك البابا لاوُن، في اللقاء المسكوني والحوار بين الأديان الذي عُقد في ساحة الشهداء وسط العاصمة بيروت، بحضور رؤساء الطوائف والكنائس من لبنان ودول الجوار. وأشاد الأب الأقدس بلبنان كأرض مباركة تجمع بين الأديان والمذاهب، مؤكدًا أهميّة الحوار والوحدة بين اللبنانيين. ولفت إلى أنّ التنوّع الديني في لبنان يشكّل فرصة لتعزيز السلام، مشددًا على أنّ الحوار الصادق بين أبناء الوطن الواحد هو الطريق الأمثل لترسيخ العيش المشترك.
وأشار البابا لاوُن إلى أنّ لبنان يواجه تحديات كبيرة، غير أنّ شعبه يبقى مثالًا في التمسّك بالرجاء والإصرار على السلام والوحدة، داعيًا إلى مزيد من العمل المشترك بين اللبنانيين لبناء مستقبل آمن للبلاد. وقال: “هنا، في هذه الأرض الحبيبة، ليمتزج كل جرس، وكل آذان، وكل نداء للصلاة في ترنيمة واحدة سامية، لا لتمجيد خالق السماء والأرض الرحيم فحسب، بل أيضًا لرفع صلاة صادقة من أجل نعمة السلام الإلهية”.
وتضمّن اللقاء كلمات لثمانية من رؤساء الأديان، رحّبوا خلالها بقداسة البابا وأكدوا أهمية صون الوحدة وتعزيز السلام في لبنان. وفي ختام اللقاء، غرس البابا لاوُن شجرة زيتون في ساحة الشهداء، رمزًا للسلام والمحبة بين اللبنانيين.
(أبونا)
ملف ززيارة البابا لاون إلى لبنان.. كل ما تريد معرفته.. البابا يزور دير مار شربل في عنايا ويصلي أمام ضريح قديس لبنان
في اليوم الثاني من زيارته الرسوليّة إلى لبنان، قام البابا لاوُن، صباح الاثنين 1 ديسمبر الجاري، بزيارة ضريح مار شربل في دير مار مارون ببلدة عنّايا، حيث صلّى كأول حبر أعظم أمام ذخائر “قديس لبنان”.
وفي كلمته، قال البابا؛ أحمدُ اللهَ الَّذي مكنَّني مِن القدُّومِ حاجًّا إلى قبرِ القدِّيسِ شربل. أسلافي، وأفكِّرُ بصورةٍ خاصَّة في القدِّيسِ البابا بولس السَّادس الَّذي أعَلَنَ شربل طوباويًّا وقدِّيسًا، كانوا يتمنُّونَ هم أيضًا أنْ يقُوموا بمثلِ هذا الحَجّ.
ماذا يعلِّمُنا القدِّيس شربل اليوم؟ ما هو إرثُ هذا الإنسانِ الَّذي لم يَكتُبْ شيئًا، وعاشَ مختفيًا عن الأنظارِ وصامتًا، لكن سُمعَتَه انتشرَت في كلِّ العالم؟ أُلَخِّصُ إرثَه وأقولُ ما يلي: الرُّوحُ القدس صاغَه وكوَّنَه، لكي يُعَلِّمَ الصَّلاةَ لمن كانت حياتُه بدونِ الله، ويُعَلِّمَ الصَّمتَ لمن يعيشُ في الضَّوضاء، ويُعَلِّمَ التَّواضعَ لِمن يسعَى للظُّهور، ويُعَلِّمَ الفقرَ لمن يبحثُ عن الغِنَى. كلُّها مواقفُ تسيرُ عكسَ التَّيَّار، ولهذا نَنجَذِبُ إليه، كما يَنجَذِبُ السَّائرُ في الصَّحراءِ إلى الماءِ العذبِ النّقي.
القدِّيسُ شربل يُذَكِّرُنا، بصورةٍ خاصَّة، نحن الأساقفةَ والخدّامَ المرسومين، بمتطلّباتِ دعوتِنا الإنجيليّة. أمَّا التَّطابقُ بين إيمانِه وحياتِه، والَّذي يتَّصِفُ بالجذريَّةِ والتَّواضعِ معًا، فهو رسالةٌ لكلِّ المسيحيِّين.
بعد وفاتِه صار نهرًا من الرَّحمة
ثمَّ هناك جانبٌ آخرَ حاسِم: لم يتوقَّفْ القدّيس شربل قطّ عن التَّشفُّعِ لنا أمامَ الآبِ السَّماوي، ينبوعِ كلِّ خيرٍ وكلِّ نعمة. ففي حياتِه على الأرض، كان الكثيرون يأتون إليه لينالوا مِن اللهِ العزاءَ والمغفرةَ والنَّصيحة. وبعد وفاتِه، تضاعَفَ ذلك وصار نهرًا من الرَّحمة. ولهذا، يأتي آلافُ الحجَّاجِ في 22 من كلِّ شهر، من بلدانٍ مختلفةٍ لقضاءِ يومِ صلاةٍ وتجديدٍ للرُّوحِ والجسد.
نريدُ اليومَ أنْ نُوكِلَ إلى شفاعةِ القدِّيسِ شربل كلَّ ما تحتاجُ إليه الكنيسةُ ولبنانُ والعالَم. مِن أجلِ العالَمِ فَلنَطلُبِ السَّلام. نطلبُ السَّلام، بصورةٍ خاصَّة، من أجلِ لبنانَ وكلِّ المشرق. ونعلَم جيّدًا، والقدّيسون يُذَكِّرُوننا بذلك، أنَّه لا سلامَ بدونِ توبةِ القلب. لذا، فليُساعدْنا القدّيسُ شربل كي نتوجَّهَ إلى اللهِ ونسأَلَه نعمةَ التَّوبةِ لنا جميعًا.
أحضرتُ معي هديَّةً، قنديلًا. رمزًا للنُّورِ الَّذي أضاءَه اللهُ هنا بواسطةِ القدّيسِ شربل، وأُقَدِّمُ هذا القنديل، وأُوكِلُ لبنانَ وشعبَه إلى حمايَةِ القدِّيس شربل، حتَّى يسيرَ دائمًا في نورِ المسيح.
(راديو الفاتيكان)
البابا لاون لإكليروس لبنان: الإيمان يجب أن يكون خدمة ومسؤولية
بعد محطّته الروحية في مزار مار شربل، توجّه البابا لاوُن إلى مزار سيّدة لبنان في حريصا، حيث التقى مع الأساقفة والكهنة والمكرّسين والمكرّسات والعاملين الرعويّين، حيث شجّع الكنيسة في لبنان على مواصلة تعزيز السلام عبر الإيمان الثابت، والحياة الجماعية المنفتحة، والتضامن العملي، مشدّدًا على أن هذه الأسس تبقى ضرورية لإعادة بناء الثقة والرجاء في مستقبل البلاد.
وقبل تقديمه وردة ذهبية للمزار، أوضح البابا لاون أن هذه اللفتة ترمز إلى الدعوة لأن نكون “عطر المسيح” من خلال الخيارات اليومية المتجذّرة في المحبة والوحدة. وأكد أن هذا “العطر” هو عطية مشتركة ومتاحة للجميع، وليس مخصّصًا لفئة معيّنة.
وفيما يلي النص الكامل لكلمة البابا:
بفرحٍ كبيرٍ ألتقي بكم في هذِه الزِّيارةِ الَّتي شعارُها: ”طوبى لفاعلي السَّلام“ (راجع متّى 5، 9). الكنيسةُ في لبنان، الموحَّدَةُ في وجوهِها المتعدِّدَة، هي أيقونةٌ لهذِه الكلمات، كما قالَ القدِّيسُ البابا يوحنَّا بولس الثَّاني، الَّذي أحَبَّ شعبَكُم محبَّةً كبيرة: “في لبنانَ اليوم، أنتم مسؤولونَ عَن الرَّجاء” (رسالة إلى مواطني لبنان، 1 مايو 1984)، وأضاف: “هنا حيثُ تعيشونَ وتعملونَ، أوجِدوا جوًّا أخويًّا. وبدونِ سذاجة، اعرفوا كيف تمنحون الثِّقةَ لغيرِكم، وكونوا مبدعينَ لكي تنتصرَ قوَّةُ المغفرةِ والرَّحمةِ الَّتي تجدِّدُ الإنسان” (المرجع نفسه).
شكرًا للشّهاداتِ الَّتي أصغينا إليها، شكرًا لكلِّ واحدٍ منكم! شهاداتُكم قالَت لنا إنَّ هذِه الكلماتِ لم تذهبْ سُدًى، بل وجدتْ آذانًا مصغيةً واستجابة، لأنَّ الشَّركةَ تُبنَى هنا باستمرارٍ في المحبَّة.
في كلماتِ غبطة البطريرك، الَّذي أشكُرُه مِن كلِّ قلبي، يمكنُنا أن نُدركَ جذورَ هذه العزيمة، المتجسِّدةِ في المغارةِ الصَّامتةِ الَّتي كان يصلِّي فيها القدِّيسُ شربل أمامَ أيقونةِ والدةِ الإله، وفي مزارِ حريصا هذا، الَّذي هو علامةُ الوَحدةِ لكلِّ الشَّعبِ اللبنانيّ. في وقوفِنا مع مريمَ عندَ صليبِ يسوع (راجع يوحنّا 19، 25) تمنحُنا الصَّلاة، وهي الجسرُ الخفي الَّذي يوحِّدُ القلوب، القوَّةَ للاستمرارِ في الرّجاءِ والعمل، حتَّى عندما يدوِّي ضجيجُ الأسلحةِ من حولِنا وتصيرُ مُتَطَلَّباتُ الحياةِ اليوميّةِ نفسِها تحدِّيًا.
المِرساةُ هي مِن الرّموزِ الموجودَةِ في ”شعارِ“ هذه الزّيارة. أشارَ إليها البابا فرنسيس كثيرًا في كلماتِه، على أنَّها علامةٌ على الإيمان، الَّذي يسمحُ لنا بأن نذهبَ دائمًا إلى ما هو أبعد، نحو السَّماء، حتَّى في أحلكِ اللحظات. وقد قال: “إيمانُنا مِرساةٌ في السَّماءِ وحياتُنا مَرسِيَّةٌ في السَّماء. ماذا يجبُ أن نعمل؟ أن نتمسَّكَ بالحبلِ ونسيرَ قُدُمًا واثقين أنَّ لحياتِنا مِرساةً في السَّماء أي على الشَّاطِئ الَّذي سنصلُ إليه” (المقابلة العامّة، 26 أبريل 2017). إن أرَدنا أن نبنِيَ السَّلام، لِنَتَمَسَّكَ بالسَّماء، ونَتَوَجَّهَ إليها بثبات، ولنُحِبَّ ولا نخَفْ من أن نفقدَ ما هو زائل، ولنُعطِ بلا حِساب.
من هذه الجذور، القويَّةِ والعميقةِ مِثلَ جذورِ الأَرْز، ينمو الحبّ، وبعَونِ الله، تتحقَّقُ أعمالُ تضامنٍ عمليَّةٍ ومستدامة.
كلَّمَنا الأب يوحنَّا على الدَّبابيَّة، القريةِ الصَّغيرةِ التي يخدُم فيها. هناك، بالرّغمِ مِن الحاجَةِ القُصوى وتحتَ تهديدِ القصف، يعيشُ المسيحيّونَ والمسلمون، اللبنانيّونَ واللاجئون القادمون من وراء الحدود، بسلام، ويساعدُ بعضُهم بعضًا. لنتوقَّفْ عندَ الأمثولةِ التي أشارَ إليها هو نفسُه: العِملةُ السّوريّة التي وُجدت في كِيس التبرّعاتِ إلى جانب العِملةِ اللبنانيّة. إنّها تفصيلةٌ مهمَّة: تُذَكِّرُنا بأنَّ لكلِّ واحدٍ منّا، في عيشِ المحبّة، شيءً يُعطيه وشيءً يأخذُه، وأنَّ عطاءَنا المتبادَل يُغنينا جميعًا ويقرّبُنا من الله. البابا بندكتس السّادس عشر، خلال زيارتِه لهذا البلد، وكان قد تكلَّمَ على القوّةِ الموحِّدةِ للمحبّةِ حتّى في أوقاتِ الشِّدّة، قال: “الآن بالتّحديدِ يجبُ علينا أن نحتفل بانتصارِ المحبّةِ على الكراهية، والمغفرةِ على الانتقام، والخدمةِ على السّيطرة، والتّواضعِ على الكبرياء، والوَحدةِ على الانقسام وأن نعرفَ كيف نحوِّلُ آلامَنا إلى صرخةِ حبٍّ إلى الله وإلى رحمةٍ للقريب” (كلمة في الزّيارة إلى بازيليكا القدّيس بولس في حريصا، 14 سبتمبر 2012).
بهذِه الطّريقةِ فقط، لا نبقَى مسحوقين تحتَ وطأةِ الظّلمِ والاستغلال، حتّى عندما يخونُنا أشخاص، كما سمعنا، ومؤسّساتٌ لا ضميرَ لها تستغلُّ يأسَ من لا خَيَارَ آخرَ لهم. وبهذه الطّريقةِ فقط، يمكنُنا أن نعودَ ونملأَ قلبَنا رجاءً بغدٍ أفضل، بالرّغمِ مِن قسوةِ الحاضرِ الذي يجبُ أن نواجهَه. في هذا الصّدد، أفكّرُ في المسؤوليّةِ التي تقعُ علينا جميعًا تِجاهَ الشّباب. من الضّروريّ أن نعزِّزَ حضورَهم، حتّى في المجالاتِ الكنسيّة، ونقدّرَ مساهمتَهم الجديدة، ونعطيَهُم مساحة. ومن الضّروري، حتّى وسطَ أنقاضِ عالمٍ يعاني من فشلٍ مؤلِم، أن نقدِّمَ لهم آفاقًا حقيقيّة وعمليّة للنّهوضِ والنُّمُوّ في المستقبل.
كلَّمتنا لورين على التزامِها في مساعدةِ المهاجرين. هي نفسُها مهاجرة، وقد التزمت منذُ فترةٍ طويلة بأن تسندَ الذين اضطرّوا، لا باختيارِهم بل رغمًا عنهُم، أن يترُكُوا كلَّ شيءٍ ويبحَثُوا عن مستقبلٍ ممكنٍ بعيدًا عن بيوتِهم. قصّةُ جيمس وليلى، التي روَتها لورين، تمَسُّنا في العمق، وتُظهرُ هولَ ما تُخَلِّفُه الحربُ في حياةِ أبرياءَ كثيرين. ذكَّرَنا البابا فرنسيس مرارًا، في كلماتِه وكتاباتِه، بأنَّه أمامَ مآسٍ كهذه لا يمكنُنا أن نبقَى غيرَ مبالين، وأنّ ألَمَهُم يَعنينا ويوجِّه إلينا سؤالًا (راجع عظة في اليوم العالمي للمهاجرين واللاجئين، 29 سبتمبر 2019). من جهة، شجاعتهُما تكلِّمُنا على نورِ اللهِ الذي يسطع، كما قالت لورين، حتّى في أحلكِ اللحظات، ومن جهةٍ أخرى، ما عاشوه يَفرِضُ علينا الالتزام، حتّى لا يضطرَّ أحدٌ بعدَ اليومِ إلى الهروبِ من بلدِه بسببِ صراعاتٍ عبثيّةٍ وقاسية، وحتّى لا يشعرَ مَن يدقُّ بابَ جماعاتِنا أنّه مرفوض، بل مرحَّبٌ به من خلالِ كلماتٍ شبيهةٍ بالّتي قالَتها لورين نفسُها: ”أهلًا وسهلًا بِكَ في بَيتِكَ!“.
وعن ذلك تُكلِّمُنا أيضًا شهادَةُ الرّاهبةِ ديما، التي اختارت، أمام اندلاعِ العنف، ألّا تتركَ المخيّم، بل أن تُبقَيَ المدرسةَ مفتوحة، وتجعلَ منها مكانًا لاستقبالِ النّازحين ومركزًا تربويًّا ذا فاعليّة استثنائيّة. في الواقع، في هذه الغُرَف، بالإضافةِ إلى تقديمِ الدّعمِ والمساعدةِ الماديّة، يتعلَّمون ويعلِّمون كيف يتقاسمون ”الخبزَ والخوفَ والرّجاء“، ويحبّونَ وسطَ الكراهية، ويخدمونَ رغمَ التّعب، ويؤمنون بمستقبلٍ مختلفٍ يتجاوزُ كلَّ توقّع. اهتمَّت الكنيسةُ في لبنان اهتمامًا كبيرًا بالتّعليم. أشَجِّعَكُم جميعًا على مواصلةِ هذا العملِ النّبيل، وأن تتوجَّهوا خصّوصًا إلى المحتاجين، والذين لا مالَ لهم، والذين هُم في أوضاعٍ شديدة، عبرَ خياراتٍ مهمّةٍ تقومُ على المحبّةِ السّخيّة، لكي ترتبطَ دائمًا تنشئةُ الفكرِ بتربيةِ القلب. لِنَتَذَكَّرْ أنَّ مدرستَنا الأولى هي الصّليب، وأنّ معلِّمَنا الوحيدَ هو المسيح (راجع متّى 23، 10).
في هذا السّياق، كلَّمنا الأب شربل على خبرتِه في الرّسالةِ داخلَ السّجون، وقالَ إنّه هناكَ بالتّحديد، حيث لا يرَى العالَمُ سوى الجُدرانَ والجرائم، نحن نرَى في عيونِ السّجناء، التّائهةِ تارةً، والمتألِّقَةِ برجاءٍ جديدٍ تارةً أخرى، وداعةَ اللهِ الآب الذي لا يتعبُ أبدًا من أن يغفر. وهذا صحيح: نحن نرَى وجهَ يسوعَ منعكسًا في وجهِ المتألِّم وفي وجهِ من يعتَنِي بالجِراحِ التي سبَّبَتها الحياة. بعد قليلٍ سنقومُ بعملٍ رمزيّ وهو تسليمُ الوردَةِ الذّهبيّةِ لهذا المزار. إنّه عملٌ قديم، يحمل بين معانيهِ الدّعوةَ إلى أن ننشُر، بحياتِنا، رائحةَ المسيحِ الطّيّبةَ (راجع 2 قورنتس 2، 14). أمامَ هذه الصّورة، أفكّرُ في الرّائحةِ التي تتصاعدُ من الموائدِ اللبنانيّة، المميّزَةِ بتنوِّع الأطباقِ التي تقدِّمُها وبالبُعدِ الجماعيّ القويّ في مشاركتِها. إنَّها رائحةٌ مكوَّنةٌ من ألفِ رائحة، تؤثّرُ بتنوُّعِها وأحيانًا بمجموعِها معًا. هكذا هي رائحةُ المسيحِ الطّيّبة. ليست مُنتجًا باهظَ الثّمنِ ومحصورًا في قلّةٍ قليلةٍ قادرةٍ على أن تقتنيه، بل هو النّكهةُ التي تنبعثُ من مائدةٍ سخيّة تتّسعُ لأطباقٍ كثيرة مختلفة، ويستطيعُ الجميعُ أن يشاركَ فيها معًا. ليكن هذا روحُ الرّتبةِ التي نريدُ أن نقومَ بها، وقبلَ كلِّ شيءٍ الرّوحُ التي نجتهدُ أن نعيشَها كلَّ يومٍ متَّحدينَ في المحبّة. (راديو الفاتيكان)



