
تغطية خاصة لرحلة البابا لاون إلى الجزائر
البابا: قلب الله ممزق بالحروب والعنف والظلم والأكاذيب
خلال زيارته للجزائر؛ زار البابا لاوُن دار رعاية المسنين التابع لراهبات الفقراء الصغيرات في مدينة عنّابة. وخلال الزيارة، وجّه البابا كلمة إلى الحاضرين قال فيها: «إنّ الرب، وهو ينظر من السماء إلى بيتٍ مثل هذا، حيث يسعى الناس إلى العيش معًا في أخوّة، سيقول: ’هناك رجاء!‘. نعم، لأن قلب الله ممزّق بالحروب والعنف والظلم والأكاذيب».
وفي الوقت نفسه، أكّد قداسته أنّ «قلب الآب ليس مع الأشرار أو المتغطرسين أو المتكبرين، بل مع الصغار والمتواضعين، وبهم يبني ملكوت محبّته وسلامه يومًا بعد يوم، تمامًا كما تسعون أنتم إلى ذلك هنا في خدمتكم اليومية، وفي صداقتكم وحياتكم المشتركة».
(راديو الفاتيكان)
بابا الفاتيكان يسير على خطى القديس أغسطينوس في هيبّون بالجزائر

قام البابا لاوُن، صباح 14 أبريل، بزيارة موقع الحفريات الأثرية لمدينة هيبّون القديمة في مدينة عنّابة بالجزائر، متتبعًا خطى القديس أغسطينوس، أسقف المدينة ومعلّم الكنيسة.
وكانت هيبّون ريجيوس، أو هيبّون القديمة، التي تُعرف اليوم بعنّابة، مدينة ساحلية مهمة ومركزًا اقتصاديًا بارزًا في الإمبراطورية الرومانية. وقد خدم فيها القديس أغسطينوس أسقفًا منذ عام 396 حتى وفاته عام 430 عن عمر 75 عامًا، في وقت كانت فيه المدينة تحت حصار الفندال.
وتحتفظ المدينة اليوم بعدد من آثارها الرومانية، مثل الساحة العامة المرصوفة، والمسرح، والسوق، والحمّامات، وخزانات مياه، وفسيفساء تصويرية. كما ما تزال بعض المعالم المسيحية قائمة من تلك الحقبة، من بينها ما يُعرف بـ«بازيليك السلام» حيث مارس فيها القديس أغسطينوس خدمته الأسقفية، إضافة إلى جرن معمودية قديم.
وفي أجواء ماطرة، استُقبل البابا في الموقع من قبل أحد الممثلين المحليين. ومن بعيد، كان يمكن رؤية بازيليك القديس أغسطينوس، حيث سيترأس البابا لاحقًا القداس الإلهي، وهي تقع على تلة مرتفعة. ثم وضع الأب الأقدس إكليلًا من الزهور وتوقف للصلاة لبرهة بين الأحجار القديمة في الأرض التي سار فيها مرشده الروحي. بعد ذلك، غرس شجرة زيتون، واستمع إلى جوقة معهد الموسيقى في عنّابة وهي تؤدي أغانٍ مستوحاة من نصوص للقديس أغسطينوس حول السلام والأخوة.
أول بابا يزور الجزائر
ورغم أن البابا لاوُن هو أول بابا يزور الجزائر، فإنه أشار في كلمة ألقاها في 13 أبريل في لقائه مع السلطات وممثلي المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي في البلاد إلى أنه سبق أن زار عنابة مرتين، في عامي 2004 و2013، «بوصفه ابنًا روحيًا للقديس أغسطينوس». وقال: «أشكر العناية الإلهيّة، لأنها رتّبت، بحسب تدبيرها الخفيّ، أن أعود إليكم من جديد كخليفة للقديس بطرس».
وخلال رحلته الجوية من روما إلى الجزائر، شدد البابا أيضًا على أن القديس أغسطينوس «يمثل جسرًا مهمًا جدًا في الحوار بين الأديان»، وأنه «محبوب بعمق في أرضه الأم». وأضاف: «إن إتاحة الفرصة لزيارة الأماكن المرتبطة بحياة القديس أغسطينوس، حيث كان أسقفًا في مدينة هيبّون، المعروفة اليوم بعنّابة، هي حقًا نعمة شخصية بالنسبة لي». وختم قائلًا: «وأعتقد أنها أيضًا نعمة للكنيسة والعالم، لأنه يجب علينا دائمًا البحث عن جسور لبناء السلام والمصالحة».
(راديو الفاتيكان)
البابا لاوُن يستذكر شهداء الجزائر في زيارة خاصة إلى باب الواد
كانت ذكرى شهداء «العشرية السوداء» حاضرة منذ اليوم الأول من زيارة البابا لاوُن إلى الجزائر: ففي حي باب الواد، قام البابا بتوقّف رمزي، بعيدًا عن عدسات الكاميرات، لتكريمهم. وفي كلمته الرابعة والأخيرة في ختام يوم أول حافل ضمن زيارته الإفريقية التي تشمل أربع دول، تطرّق البابا لاوُن إلى شهداء الجزائر، وقال إن «دمهم هو بذرة حيّة لم تتوقّف قطّ عن الإثمار».
لم تتمحور زيارة البابا لاوُن التي تستمر 48 ساعة إلى الجزائر حول ذكرى شهداء «العشرية السوداء»، وهم 19 كاثوليكيًا سقطوا ضحايا الحرب الأهلية الجزائرية وتم تطويبهم في وهران عام 2018. إلا أنّ البابا، في يومه الأول في الجزائر، أراد تكريمهم من خلال زيارة خاصة إلى المركز الاجتماعي الذي تديره الراهبات الأغسطينيات المرسلات في حي باب الواد الشعبي.
هناك عاشت راهبتان إسبانيتان من الرهبنة الأوغسطينية، الأخت إستير بانياغوا ألونسو والأخت كاريداد ألفاريز مارتين، وقد قُتلتا في 23 أكتوبر 1994 أثناء توجههما إلى القداس في دير راهبات يسوع الصغيرات، على بُعد مسافة قصيرة. وكانت هاتان الراهبتان قد اختارتا البقاء رغم الدعوات إلى المغادرة في ظل العنف والفوضى التي شهدتها الحرب الأهلية.
وقد كتبت الأخت إستير كلمات بدت وكأنها نبوية: «لا أحد يستطيع أن ينتزع حياتنا لأننا قد بذلناها بالفعل».
البابا، الذي كان بدوره مرسلًا في البيرو ورفض مغادرة البلاد خلال فترة الاضطرابات السياسية والاجتماعية في ثمانينيات القرن الماضي، توقّف ليتذكرهما في زيارة خاصة بعيدة عن عدسات الكاميرات والميكروفونات. وبعد لحظة صلاة مع الراهبات في الدير، استحضر البابا ذكرى أخواتهن الشهيدات وسائر الشهداء الذين طُوّبوا إلى جانبهن، ومن بينهم رهبان تيبحيرين، معتبرًا أنهم «حضور ثمين على هذه الأرض»، وهو ما عاد وأكّده لاحقًا خلال لقائه مع الكاثوليك في بازيليك مريم العذراء سيّدة أفريقيا.
وشدّد الأب الأقدس على الدعوة الأوغسطينية إلى «الشهادة حتى الاستشهاد».
احترام كرامة كل إنسان
داخل جدران ما يُعرف اليوم بـ«مركز الاستقبال والصداقة»، التقى البابا مجددًا بعائلته الروحية –الأغسطينيين- كما التقى بصديقة قديمة: الأخت لورديس ميغيلز، وهي راهبة أوغسطينية إسبانية تبلغ من العمر 77 عامًا، يعرفها منذ نحو 15 عامًا.
وهذه الراهبة هي إحدى الناجيات من الهجوم، إذ كانت تسير خلف الأختين إستير وكاريداد عندما أطلق الإرهابيون النار عليهما. وكانت هي نفسها قد استقبلت سابقًا الأب روبرت بريفوست عندما زار الجزائر بصفته الرئيس العام لرهبنة القديس أوغسطينوس، قبل انتخابه حبرًا أعظم.
وخلال هذه الزيارة القصيرة، شجّع البابا الراهبات –ثلاث منهن في المركز وثلاث أخريات يعشن في أماكن مختلفة من الجزائر العاصمة– على «تعزيز احترام كرامة كل إنسان» وعلى «التأكيد أنّه من الممكن العيش بسلام مع تقدير الاختلافات».
واليوم، يقدّم المركز دعمًا دراسيًا، ودروسًا في اللغتين الفرنسية والإسبانية، إضافة إلى ورشات حرفية للنساء (كالخياطة، والكروشيه، والرسم، وغيرها).
وفي ختام زيارته، قدّم البابا إلى الجماعة صليبًا مرصّعًا بالزجاج، مزيّنًا بأحجار حمراء ترمز إلى دم الشهداء، وزرقاء ترمز إلى السماء، وخضراء ترمز إلى الرجاء. وسيبقى هذا الصليب، المنقوش عليه رموز الإنجيليين الأربعة، شاهدًا على الرابطة التي تجمع شهداء الجزائر والبابا المُنتخب في 8 مايو 2025، وهو اليوم نفسه الذي يُحتفل فيه بذكراهم في الرزنامة الليتورجية اللاتينية.
(أبونا)
البابا في الجامع الكبير بالجزائر: لنحترم بعضنا ولنبنِ السلام
بينما كانت عاصفة من الرياح والأمطار تضرب مدينة الجزائر، دخل البابا عند نحو الساعة الثالثة والخمس وخمسين دقيقة عصرًا إلى الجامع الكبير بعد أن جلس وخلع حذاءه. ولم يمكث داخله سوى أقل من عشر دقائق، أمضى جزءًا منها أمام المحراب في لحظة صمت وتأمل، برفقة عميد الجامع الشيخ محمد مأمون القاسمي، حيث دار بينهما لقاء خاص تخلله تبادل للهدايا وحوار أعاد فيه البابا التأكيد على أهمية “الاحترام” المتبادل، وصون “كرامة كل إنسان”، والدعوة إلى أن نكون “صانعي سلام ومغفرة”.
وقبل ذلك، تجوّل الرجلان، وكلاهما يرتدي الأبيض، جنبًا إلى جنب بين الأعمدة البيضاء الناصعة التي تُبرز سجاد القاعة الأزرق المزخرف بالرسوم النباتية، وتحت ثريا بلورية ضخمة. ويجمع هذا المكان بين الفن الإسلامي التقليدي والتصميم المعاصر، ممتدًا على مساحة تقارب ٢٧ هكتارًا قبالة خليج الجزائر. ويُعد ثالث أكبر مسجد في العالم بعد مكة والمدينة، والأول في إفريقيا من حيث المساحة، إذ يتسع لنحو ١٢٠ ألف مصلٍ، ويتميّز بمئذنته التي يبلغ ارتفاعها ٢٦٧ مترًا، وهي الأعلى في العالم، إضافة إلى قبته الكبرى المغطاة بهيكل مزخرف بألواح من الألمنيوم المذهب، والتي تُرى من مسافات بعيدة وتكسر رتابة الأفق الرمادي.
داخل المسجد، لم تُلقَ كلمات، بل ساد الصمت، فيما كانت الأنظار متجهة نحو القباب البيضاء. وقد رافقت البابا شابة محجبة قدّمت له شرحًا مقتضبًا عن الجوانب التاريخية والفنية للمكان. كما حضر الزيارة الكاردينال جورج جايكوب كواكاد، عميد دائرة الحوار بين الأديان، والكاردينال جان بول فيسكو. وهذه هي الزيارة الثانية للبابا إلى مكان عبادة إسلامي بعد زيارته السابقة إلى الجامع الأزرق في إسطنبول. وقد رفع البابا رأسه مرارًا متأملًا أرجاء المكان، قبل أن يتجه نحو المحراب الذي يشير إلى اتجاه مكة حيث الكعبة. لبث هناك لحظات قليلة في صمت، ثم التقط صورة تذكارية مع عميد الجامع قبل أن ينتقلا إلى قاعة خاصة.
وفي هذا اللقاء، عبّر البابا عن امتنانه لوجوده في “مكان يمثّل فضاءً لله”، ضمن زيارته إلى الجزائر، “أرض أبيه الروحي القديس أوغسطينوس”، الذي علّم العالم الكثير، ولا سيما من خلال البحث عن الحقيقة والبحث عن الله، مع الاعتراف بكرامة كل إنسان وأهمية بناء السلام”. وأضاف: “إن البحث عن الله يعني أيضًا التعرف على صورته في كل مخلوق، في كل رجل وامرأة خُلقوا على صورته ومثاله”، مؤكدًا ضرورة “تعلّم العيش معًا باحترام لكرامة كل إنسان”.
كما أشاد البابا بوجود مركز للدراسات داخل المسجد، معتبرًا أن “من المهم أن ينمّي الإنسان قدراته الفكرية التي وهبها الله له، لكي يكتشف عظمة الخلق”. وشجّع على “البحث عن الحقيقة” من خلال الدراسة، وعلى تنمية القدرة على إدراك كرامة كل إنسان، “لنتعلّم أن نحترم بعضنا، ونعيش في انسجام، ونبني عالمًا يسوده السلام”.
وفي ختام كلمته، أكد البابا صلاته “من أجل شعب الجزائر” و”من أجل جميع شعوب الأرض”، لكي “يحضر سلام الله وعدله في ما بيننا”، وأن نزداد اقتناعًا بضرورة أن نكون “صانعي سلام ومصالحة وغفران، وأن نسعى لفهم إرادة الله تجاه خليقته”.
وقبل مغادرته متوجهًا إلى حي باب الوادي لزيارة مركز الاستقبال والصداقة التابع للراهبات الأوغسطينيات، ثم إلى بازيليك سيدة إفريقيا، وقّع البابا في سجل الشرف. وجاءت رسالته بالفرنسية: “لتَحفظ رحمة العليّ الشعب الجزائري النبيل والعائلة البشرية جمعاء في السلام والحرية”.
(أبونا)


