
الكاردينال بيتسابالا: نحن مدعوّون لنكون شهودًا لمحبة لا تستسلم أبدًا!
“السلام الذي يقدّمه يسوع ليس اتّفاقًا هشًّا بين أعداء، بل سلام يولد من الصليب، من إله يهب ذاته بالكامل، ولا يحتاج إلى قوّة أو إلى أسلحة” هذا ما قاله بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، في عظته مترئسًا قداس أحد الشعانين في كنيسة “جميع الأمم”
ترأس بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، قداس أحد الشعانين في كنيسة “جميع الأمم” بالجسمانية، وذلك بعد أن اضطر لتغيير وجهته إثر منع الشرطة الإسرائيلية له ولحارس الأراضي المقدسة، الأب يلبو، من دخول كنيسة القيامة. ويأتي هذا الانتقال القسري لمكان الاحتفال بعد سابقة تاريخية لم تشهدها المدينة منذ قرون، حيث تم اعتراض طريقهما رغم وصولهما بشكل فردي ودون أي مظاهر احتفالية، في خطوة غير مسبوقة طالت أعلى المرجعيات الكنسية في قلب القدس. وقد تخللت الذبيحة الإلهية عظة للكاردينال بيتسابالا قال فيها نحن هنا في الجثمانية، المكان الذي توقّف فيه يسوع، بعدما بلغ ذروة مسيرته نحو أورشليم، وبكى. لم تكن نظرته تتوقّف عند الأسوار المهيبة أو بهاء الهيكل، بل نفذت إلى قلب المدينة التي أحبّها، وهناك رأى صعوبتها في التعرّف إلى زمن النعمة.
تابع بطريرك القدس للاتين يقول في عصر هذا اليوم من أحد الشعانين، نجتمع من دون موكب، ومن دون سعف يلوّح في الشوارع. هذا الغياب ليس مجرّد مسألة شكليّة، بل إنّها الحرب التي أوقفت مسيرتنا الاحتفاليّة، وجعلت حتى فرح اتّباع ملكنا البسيط أمرًا صعبًا. لا يستطيع إخوتنا وأخواتنا في الأرض المقدسة أن يملأوا الشوارع في هذا الأحد، ولا أن يضمّوا أصواتهم إلى الموكب الاحتفالي. لكن غيابهم ليس فراغًا أمام الرب. فهو لا يبحث عن سُبُل الظفر البشري، بل يدخل حيث يُترك الباب مفتوحًا ولو قليلًا، حيث الإخلاص يُصبح خبز الحياة اليومي. نحن على يقين بأنّ المصلوب القائم من بين الأموات لا يتوقّف عن التواجد بيننا: فحتى عندما يُسد الطريق، فهو يسكن في قلب الذين لم يتوقّفوا عن اتّباعه. ومع ذلك، ففي هذا الصمت الذي فُرض علينا، تصبح الليتورجيا أكثر حقيقية. فصرخة “هوشعنا” لا تحتاج إلى أغصان لترتفع إلى السماء، والإيمان لا يتزعزع عندما تُجرّد الطقوس من مظاهرها الخارجيّة.
أضاف الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا يقول اليوم يبكي يسوع مرّة أخرى على أورشليم. يبكي على هذه المدينة التي تبقى علامة رجاء وألم، نعمة ومعاناة. يبكي على هذه الأرض المقدسة التي لا تزال غير قادرة على التعرّف إلى عطية السلام. يبكي على جميع ضحايا حرب تبدو بلا نهاية: على العائلات المنقسمة، وعلى الآمال المحطّمة. لكن دموع يسوع ليست عقيمة أبدًا، بل تفتح أعيننا، وتطرح علينا الأسئلة، وتكشف الحقيقة.
تابع بطريرك القدس للاتين يقول إنّ إنجيل الآلام الذي سمعناه للتوّ يروي لنا كيف استجابت أورشليم لتلك المحبّة. سمعنا عن خيانة يهوذا، وإنكار بطرس، وصمت بيلاطس، وصراخ الجموع المطالِبة بالصليب. رأينا الربّ مجرّدًا، مكلّلًا بالأشواك، مصلوبًا بين لصّين، يسخر منه العابرون. يبدو أنّ الظلام قد قال كلمته الأخيرة. ومع ذلك، يمتدّ عبر تلك الصفحات خيطٌ مضيء لا ينقطع: يسوع يبقى أمينًا حتى النهاية. يسلّم روحه بين يدي الآب؛ ترتجف الأرض، وتنشقّ الصخور، وفي تلك اللحظة الدراميّة يعترف قائد المئة: “حقًا كان هذا ابن الله!”
تابع بطريرك القدس للاتين يقول هذا التفصيل لا يزال يتحدّانا اليوم. فقائد المئة جنديّ، رجل تشكّل بمنطق القوّة، بسلطة تفرض نفسها. وبحكم مهنته، يقيس النجاح بالسيطرة والانتصار والتحكّم. ومع ذلك، إذ يقف أمام هذا الرجل المصلوب على الصليب، أمام محبّة لا تدافع عن نفسها، وأمام أمانة لا تتراجع حتى في الموت، تنهار معاييره. يكتشف أنّ القوّة الحقيقيّة لا تكمن في العنف أو في السيف الذي يقتل، بل في حياة تُبذل بحرّية. وهكذا ينطق بأسمى اعتراف: هذا هو ابن الله. في اللحظة التي يبدو فيها الموت منتصرًا، تنكشف الحقيقة، ويتجلّى الحبّ، ويتمّ الخلاص.
أضاف الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا يقول اليوم، فيما تبدو الحرب وكأنّها تخنق كل كلمة سلام، هنا، حيث بكى يسوع، يمكننا أن نسمع صدى هذا الاعتراف عينه. إنّ كلمة الله الأخيرة هي القبر الفارغ. إنّه الربّ الذي يسبق التلاميذ إلى الجليل، ويسبقنا نحن أيضًا، ليقودنا نحو سلام ليس وهمًا، بل ثمرة الصليب. “لو عرفتِ أنتِ أيضًا، في هذا اليوم، ما هو لسلامك!”. السلام الذي يقدّمه يسوع ليس اتّفاقًا هشًّا بين أعداء، بل سلام يولد من الصليب، من إله يهب ذاته بالكامل، ولا يحتاج إلى قوّة أو إلى أسلحة. هذه هي المفارقة التي نحن مدعوّون اليوم إلى قبولها.
تابع بطريرك القدس للاتين يقول إنّ أورشليم، الأرض المقدسة، ليست مجرّد مكان جغرافي، بل هي القلب النابض لإيماننا. كلّ حجر هنا يتكلّم عن الخلاص، وكلّ تلّ يحمل ذكرى الإله الذي اختار أن يقترب منّا. أن نعيش الإيمان في هذه الأرض يعني أن نقبل التناقض الذي تحمله: فمكان القيامة هو أيضًا مكان الجلجلة، ومكان عناق الله لا يزال يحمل آثار كراهية عميقة. لكن من هذا المكان المقدّس نتعلّم أن ننظر إلى المدينة بعيون المسيح. نتعلّم أن نبكي معه، ولكن أيضًا أن نرجو معه. لأنّ أورشليم نفسها التي رفضت أمير السلام، قد شهدت أيضًا القبر الفارغ. الحرب لن تمحو القيامة، والحزن لن يطفئ الرجاء. اليوم لا نحمل سعف النخيل في موكب، بل نحمل الصليب؛ صليبًا ليس عبئًا عقيمًا، بل ينبوع السلام الحقيقي. لا نلوّح بأغصان الزيتون، بل نختار أن نصير نحن بناة مصالحة، في كلّ لفتة، وفي كلّ كلمة، وفي كلّ علاقة.
وختم الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا عظته بالقول أيّها الإخوة والأخوات، في هذه الأرض التي لا تزال تنتظر السلام، نحن مدعوّون لنكون شهودًا لمحبة لا تستسلم أبدًا. ليكن مسار إيماننا، اليوم أيضًا، مسار رجاء. ولتكن حياتنا، رغم قسوة الحاضر، حاملةً محبّة المسيح ونوره إلى حيث يبدو الظلام غالبًا.
(راديو الفاتيكان)



