
أساسيات الحياة الأسرية : ” الصخرة والأعمدة ” – الأب بطرس سمعان، راعى كنيسة مار جرجس بالعزية، إيبارشية القوصية
جيد جداً أن تكون البدايات راسخة على أساس قويم، وهو ما يعطى مرحلة التأسيس قيمتها العظمى في حياة الأفراد والمؤسسات والمشروعات. ففي السنوات الأولى من عمر الإنسان يتشكل الوجدان ويصاغ العقل ويتغذى الجسد، وفي ضوء ذلك ترتسم حياة الإنسان، بل وتاريخه كله. وإذا كان ما سبق وصفه من أمور يكتسبها الفرد في محيط عائلته الصغيرة خلال عملية التربية، فعند ذلك يضحى تأسيس الأسرة، ونموها، أولى المهام الحيوية في بناء المجتمع السليم. ولما كان ميلاد الأسرة المسيحية، وخروجها إلى نور العالم، يأتي من أمام المذبح المقدس، في طقس الإكليل. لذا يحمل تعليم الكنيسة وخبرتها الراعوية في شأن العائلة، العديد من الوصايا، والكثير من الأدوار التي تتطلع إلى تكوين عائلة مسيحية متسلحة بكلمة الرب، ومتجذرة في الواقع اليومي، كملح للأرض، وخميرة في العجين.
وفي سبيل البحث عن الأسس القويمة في تأسيس العائلة المسيحية، نتناول بالتحليل، عدداً من هذه الأسس الإنسانية والروحية اللازمة في بناء الكنيسة البيتية.
أولا: الصخرة
إن صخرة البيت وأساسه الأول، هو رب المجد، يسوع المسيح، الذى قال: “كل من يأتي إلىً ويسمع كلامي فيعمل به، سأبين لكم من يشبه، يشبه رجلاً بنى بيتاً فحفر وعمق الحفر، ثم وضع الأساس على الصخر. فلما فاضت المياه اندفع النهر على ذلك البيت، فلم يقو على زعزعته لأنه بُنى بناء محكماً” (لو 6: 47-48). أي أن يكون الله هو المؤسس الحقيقي للأسرة، ربها وعائلها، الحاضر في أعضائها، والضابط لأحداثها، والمدبر لاحتياجاتها. وهو ما يدعو الزوجين ومن ورائهما الأبناء إلى البحث الدائم عن حضور الله في حياتهم كأفراد وجماعة، ومن ثم النمو في معرفة الله ومحبته وتتميم إرادته المقدسة.
لقد كانت الأسرة منذ البدء هي مشروع الله، فقد عهد إليها برسالة النماء وتعمير الأرض بالبشر والحجر، ومن ثم التسلط على الكون بأسره، وإدارته وتطويره، طاعة للخالق وتمجيداً لاسمه تعالى. من هذا الأساس الراسخ تتولد مسئولية الوالدين في التربية الروحية للأبناء، ومن ثم الاهتمام ببنائهم الروحي، وتربية إيمانهم كأبناء لله القدير، والمحب للبشر، أنها المسئولية الكبرى التي يتوجب معها الجهد الصادق، والسهر الدائم على أحوال الأبناء، ومرافقتهم المسيرة الروحية، بالتعليم والقدوة معاً، حتى يشبوا على درب الحق وقاعدة الإيمان. ممتلئين بالرجاء، فرحين، متحررين من كل خوف، مغامرين، وحاملين للصليب. متيقنين معنى الحياة، بل ملء الحياة التي يهبهم إياها ابن الإنسان.
ثانياً: الأعمدة
إذا كان صخرة البيت المسيحي هي حضور الرب يسوع المسيح في حياة أفراد الأسرة، فمن الواجب أن نذكر بأن هناك أربعة أعمدة – في تقديري – لأبد وان يقوم عليها البناء العائلي كله. وهذه الأعمدة أو المبادئ هي:
الحب
الحب هو الطاقة الإنسانية الإلهية التي من الضروري أن يمتلئ بها قلبا الزوجين في تأسيس رباطهما المقدس. فالحب قوة هالة تنعش الوجدان، وتنير الضمير، وتلهب الإرادة نحو اتخاذ القرار الصائب. ويتجلى الحب في قبول الزوجين لاتحادهما بل ووحدتهما في فرح ومغامرة، للسير معاً على دروب الحياة الوعرة. وتتجسد أروع صور الحب بين الزوجين في انجاب البنين ومن ثم الاطلاع بمسئولية تربية إنسان في العالم، فما اعظمها مسئولية وأجلّها رسالة.
العطاء
انه الابن البكر للحب، فلا حب دون عطاء ولا عطاء دون محبة. أن يهب الوالدان حياتهما لخير الأبناء، وان يقدما بفرح الوقت، الجهد، والمال، مع المشاعر النبيلة لخير العائلة واستقرارها ونموها، فهو سر الخلود. كذلك أن يتعلم الأبناء معنى العطاء على ضوء قدوة الوالدين وشهادتهم، فان هذا يجعل من العطاء لغة متبادلة بين أعضاء العائلة تُترجم في أعمال حسنة ومشاعر نبيلة وكلمات رقيقة.
الألم
كما انه لا قيامة دون صليب، كذلك لا عائلة دون ألم. في داخل الأسرة الواحدة تتنوع الأعمار وتتباين الأفكار وقد تختلف القرارات. لا سيما مع اشتباك العائلات مع واقع اجتماعي مريض، لابد وان تتولد المشاكل وتتعدد التحديات، وربما يقع الجميع في تجارب متنوعة. أمام التجارب والمحن تُختبر متانة العلاقات وأصالة القيم، فتنمو الحكمة من تراكم الخبرات في استخلاص الدروس في مسيرة نمو العائلة وتطورها، شريطة أن يتأمل أعضائها الأمور في قلوبهم ويحفظونها في ضمائرهم.
الأمانة
إن مبدأ الأمانة هو مبدأ أساس في بناء العائلة الراسخ، والمقصود بمعنى الأمانة هو أمانة أبناء العائلة للعهد معاً حتى التمام. فمع أمانة الزوجين في الرباط المقدس لشركة الجسد الواحد، لا يوجد موقع البتة لكلمات مثل الطلاق، الانفصال، الخصام. أنها الأمانة للعهد، قبول دوام العلاقة برضا، بل بفرح إلى المنتهى مهما كانت ظروف الحياة. وفي الحفاظ على هذا العهد تتحقق المعايشة اليومية للآية الإنجيلية “ما جمعه الله لا يفرقه إنسان” (مت 19: 6). كذلك الأبناء أيضا يترسخ في وجدانهم معنى الأمانة لعلاقة الأخوّة. وما تحمل هذه العلاقة السامية التي دبرها الله بسلطانه من معانى سامية وخصوصية فريدة في مسيرة حياة العائلة وقداستها.



