
لحظة مفصليّة.. 25 عامًا على صلاة يوحنّا بولس الثاني في الجامع الأمويّ
“إنَّ ابنَ زكريّا شخصيّةٌ بالغة الأهمّية في تاريخ المسيحيّة، فقد كان “السابق” الذي مهَّد طريق المسيح… ليُنير بشهادته جميع الذين يُجلّون ذكراه في هذا المكان، لكي يُدركوا – ونحن أيضًا – أنّ المهمّة الكبرى في الحياة هي السعي وراء حقّ الله وعدله”.
بهذه الكلمات، خاطب البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني السوريّين قبل 25 عامًا (6 مايو 2001) من قلب الجامع الأمويّ في دمشق، في لحظة ستدخل التاريخ بوصفها أوّل دخول رسميّ وموثّق لحَبر رومانيّ إلى مسجد. كسرت هذه الزيارة صورًا نمطيّة كثيرة، وفتحت الباب أمام تقليد سار عليه البابوات اللاحقون، وصولًا إلى لاوون الرابع عشر.
يستذكر رئيس اللجنة التحضيريّة للزيارة، المطران إيسيدور بطيخة، تلك اللحظة بتفاصيلها الدقيقة، مشيرًا إلى أنّ أكثر ما طبع زيارة الجامع الأمويّ هو صلاة البابا بضع دقائق أمام ضريح يوحنّا المعمدان داخل المسجد، في مشهد نادر لا يُمكن أن يتكرّر إلّا في هذا المكان الذي تلتقي فيه رمزيّة الأديان الإبراهيمية الثلاثة.
ويروي بطيخة أنّ الطريق إلى تلك اللحظة لم يَخلُ من التحدّيات. أوّلها كان بروتوكوليًّا: فحين طُرِحت فكرة مرافقة مفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو للبابا في سيّارته (باباموبيل) في أثناء توجّهه إلى الجامع، تردَّدت الجهات الفاتيكانيّة بدايةً، لكنّ البابا نفسه – بعد التواصل معه شخصيًّا – حسَمَ الأمر سريعًا بالموافقة، مرحِّبًا بالفكرة، قبل أن يعتذر المفتي لاحقًا لأسباب صحّية تتعلّق بصعوبة صعوده إلى السيّارة المرتفعة.
أمّا التحدّي الثاني فكان أكثر حساسيّة، إذ أصرَّ وزير الخارجيّة آنذاك، فاروق الشرع، على إدراج زيارة ضريح صلاح الدين الأيوبيّ ضمن البرنامج. يوضح بطيخة أنّه لم يكُن متحمّسًا للفكرة، خشية أن تنحرف الزيارة نحو سرديّة “الحروب الصليبيّة” والمطالبة باعتذارات تاريخيّة-سياسيّة تُخرجها عن صبغتها الروحيّة. لذا، بادر بطيخة إلى الاتّصال مباشرةً برئيس الدولة الذي أيَّد وجهة نظره، تجنّبًا لأيّ أزمة قد تعصف بالزيارة برمّتها. ويؤكّد بطيخة أنّ البابا عبَّر له في نهاية اليوم عن رضاه الكامل، واصفًا زيارة الجامع بأنّها كانت أكثر من جيّدة. ويكشف عن انطباع خاصّ تكوَّن لدى البابا الراحل حول “الإسلام السوريّ”، بما يحمله من روح صوفيّة وانفتاح وأخوّة.
ويضيف بطيخة أنّ الزيارة أثارت حالة فرح عامّة بين السوريّين، موضحًا: “كان التقارب بين السوريّين كما عرفته ولمسته، غير مصطنع بل عفويًّا. لم يُرِد أحدٌ الشرَّ لغيره المختلف عنه، وهذا ما ظهر في الزيارة، سواء على المستوى الشعبيّ أو الحكوميّ. وصلتني مئات الطلبات من مختلف الأطياف للقاء البابا، أو مجرّد مصافحته وأخذ البركة منه، من بينها طلبُ ممثّل الطائفة اليهوديّة في البلاد، ليكون حاضرًا إلى مائدة ترحيب أقيمت على شرف مجيء الحَبر الرومانيّ”.
ويرى بطيخة أنّ استعادة تلك اللحظات اليوم تبدو صعبة، في ظلّ الظروف الراهنة، لكنّه يتمسّك بدرس “تَحوُّلِ بولس” على أرض دمشق، من القسوة إلى الرسالة، بوصفه بوصلةً للسوريّين لا يُمكن التخلّي عنها. ويشدّد على أنّ الزيارة لم تكن حدثًا مسيحيًّا فحسب، بل محطّة حقيقيّة في الحوار الإسلاميّ–المسيحيّ، تجلّت في لقاء البابا والمفتي في ساحة الجامع، بحضور رجال دين من الجانبَين.
ومن أبرز ما قاله البابا في ذلك اللقاء: “من الضروريّ أن يُعلَّمَ الشبابُ سبُل الاحترام والتفاهم، حتى لا يُساقوا إلى إساءة استخدام الدِّين نفسه للترويج للكراهية أو تبرير العنف. فالعنف يدمّر صورة الخالق في مخلوقاته، ولا ينبغي أبدًا اعتباره ثمرةً للاعتقاد الدينيّ… ويغدو الحوار بين الأديان أكثر فاعليّة، يومًا بعد يوم، عندما ينبع من خبرة “العيش معًا””.
وأضاف: “لا شكّ في أنّ الفهم المتبادل سيؤدّي، على المستوى العمليّ، إلى أسلوب جديد في تقديم دِينَيْنا، لا في تَضادٍّ – كما حدَثَ أحيانًا في الماضي – بل في شراكة لأجل خير الأسرة البشريّة… وبوصفنا أبناء أسرة بشريّة واحدة ومؤمنين، تقع علينا مسؤوليّاتٌ تجاه الخير العام والعدالة والتضامن. وسيقود الحوار بين الأديان إلى أشكال متعدّدة من التعاون، ولا سيّما في الاستجابة لواجب العناية بالفقراء والضعفاء، فهذه هي العلامات الصادقة لعبادتنا الله”.
(آسي مينا)


