أهم الاخبارروحانيات مسيحـية

البابا: على أوستيا ألا تستسلم للظلم فرجاؤها في شبابها

في الأحد الذي يسبق بدء زمن الصوم الأربعيني، استقبل حي أوستيا في روما البابا لاوُن، في أول زيارة رعوية له ضمن خمس محطات أحدية تسبق عيد الفصح. وامتلأت الساحة المحيطة بالكنيسة بالمؤمنين الذين احتشدوا للترحيب به في مكان يحمل إرثًا روحيًا مرتبطًا بالقديس أغسطينوس ووالدته القديسة مونيكا.

وقال البابا: “هذه هي زيارتي الأولى إلى رعية في أبرشيتي الجديدة. أنا سعيد جدًا أن أبدأ من هنا، من أوستيا، ولا سيما في رعية مكرّسة لمريم، ملكة السلام، وهو لقب بالغ الدلالة في الأزمنة التي نعيشها”.

عنف “موجود ويجرح”

المنطقة التي شكّلت خلفية للزيارة البابوية غالبًا ما تتصدّر العناوين بسبب الجريمة والعنف، وهو عنف “موجود ويجرح”، كما قال البابا في عظته خلال القداس. وأشار إلى أن هذا العنف ينتشر أحيانًا بين الشباب، “ربما بتأثير تعاطي المواد المخدّرة”، أو بدفع من منظمات إجرامية تستغل الأشخاص وتزجّ بهم في مسارات إجرامية سعيًا إلى “مصالح ظالمة بوسائل غير قانونية وغير أخلاقية”.

من هنا، شجّع البابا لاوُن الجميع على التطلّع إلى الأعلى برجاء، ولكن أيضًا إلى النزول إلى عمق نسيج المجتمع لتعزيز عمل رعوي وتربوي ينمّي الاحترام والانسجام والمثابرة، ويُفعّل “قوة الوداعة المجرّدة من السلاح” في مواجهة “ثقافة الإساءة والظلم”.

عناقٌ للشعب

كلمات البابا، الواقعية والصادقة، وُجّهت إلى حشد متنوّع ضمّ أطفالًا وشبابًا، عائلات ومهاجرين، فقراء ومرضى، كهنة وراهبات ومتطوّعين وعاملين رعويين وممثلين عن مؤسسات مدنية، في الملعب الرياضي، والصالة الرياضية، وقاعات الرعية، والكنيسة. وتوقّف البابا بينهم، بارك الأطفال، وانحنى لتحية الجالسين على الكراسي المتحرّكة، وتبادل المزاح مع الأزواج والشباب. ودعا مختلف المجموعات إلى تلاوة صلاة السلام الملائكي والأبانا.

أنتم هذا الرجاء

تكوّنت المجموعة الأولى في باحة الرعية من أطفال التعليم المسيحي وشباب المركز الرعوي، إضافة إلى جماعات “التجديد في الروح”، و”طريق الموعوظين الجدد”، وكشافة أوروبا، الذين قدّموا له الوشاح التقليدي. ومن على منصّة صغيرة، قال البابا لهم: “يقول لي كاهن الرعية إن عليّ أن أقدّم كلمة رجاء: أنتم هو الرجاء! عليكم أن تدركوا أن في قلوبكم، في حياتكم، وفي شبابكم، رجاءً لليوم وللغد”.

وأكّد فرحه بالحضور بينهم وبفرصة ترؤس القداس، “حيث نُجدّد إيماننا بالمسيح”. وأضاف: “يسوع حيّ معنا ويمنحنا رجاء العيش في سلام ومحبة وصداقة”، متمنيًا السلام للجميع: “ليكن السلام في عائلاتنا… ليبارك الرب جميع عائلاتنا… وليملك السلام حقًا في ما بيننا”.

بين الرياضيين والمسنّين والمرضى

وتواصلت الزيارة في الصالة الرياضية القريبة، حيث استقبله فريق كرة السلة المحلي. حيّاهم البابا، ووقّع كرة وقمصانًا رياضية، وتوقّف للقاء المرضى الجالسين في الصفوف الأمامية. وأشارت إحدى السيدات بفخر إلى أنها استقبلت أربعة بابوات حتى اليوم.

وأعرب البابا عن شعوره بالترحيب الصادق داخل هذه الجماعة، قائلًا: “هذا هو وجه الجماعة المسيحية الحقيقية… حيث نتعلّم جميعًا أن نقول: أهلًا وسهلًا. ليس ككلمة فحسب، بل كروح – أن نفتح الباب للجميع”. وفي حديثه عن الرياضة، قال: “تعلّمنا الرياضة أن نكون إخوة وأخوات، وأن نضع اختلافاتنا جانبًا، وأن نقول: نريد جميعًا أن نعمل كفريق واحد”.

دعوة إلى ارتداد القلب

خلال القداس الإلهي في الرعية التي تستعد قريبًا للاحتفال بمرور مئة عام على تأسيسها، تحدّث البابا لاون عن الأمانة لله المتجذّرة في احترام الآخر والاهتمام بكرامتهم المصونة، والتي تُزرع أولًا في القلب. وقال: “عندما ندين الآخرين أو نحتقرهم، فلنتذكّر أن الشر الذي نراه في العالم له جذوره هناك – حيث يبرد القلب، ويتحجّر، ويفتقر إلى الرحمة”.

وأقرّ قداسته بأن أوستيا تختبر هذه الحقيقة، إذ ينتشر العنف بين الشباب، مدفوعًا أحيانًا بتجارة المخدرات أو بشبكات إجرامية. ودعا الجماعة إلى التحرّك “بسخاء وشجاعة”، زارعين بذار الإنجيل في الشوارع والبيوت. وحثّهم على عدم الاستسلام لـ”ثقافة الإساءة والظلم”، بل إلى “نشر الاحترام والوئام، بدءًا من نزع العنف عن لغتكم، واستثمار الطاقات والموارد في التربية، ولا سيما تربية الشباب”.

وأضاف: أن الرعية يمكن أن تكون مدرسة في النزاهة والضيافة والمحبة – “محبة تتجاوز الحدود”. وحتى أولئك المستعبدين للشر، بإمكانهم أن يلتقوا، من خلال شهادة المؤمنين، “إله المحبة، الوحيد القادر أن يحرّر القلب ويجعلنا سعداء حقًا”.

دعوة إلى السلام

وتابع البابا عظته مستذكرًا أن هذه الرعية أسّسها البابا بندكتس الخامس عشر خلال الحرب العالمية الأولى، لتكون “شعاع نور في سماء ملبّدة بغيوم الحرب”. لكنه أشار إلى أنّ عالم اليوم أيضًا تعصف به غيوم كثيرة، فيما تروّج أيديولوجيات مناقضة للإنجيل لهيمنة الأقوياء والسعي إلى الانتصار بأي ثمن. وقال: “لنقاوم هذا التيّار بقوة الوداعة المجردة من السلاح، ولنواصل طلب السلام، ولنستقبل نعمته وننميها بالمثابرة والتواضع”.

لقاء مع المجلس الرعوي

وقبيل القداس، التقى البابا بالمجلس الرعوي، وهو تقليد اعتاده خلال زياراته الرعوية السابقة في البيرو. وأكّد أهمية الصلاة والإيمان المعاش، محذّرًا من أن الأنشطة، إن لم تنبع من جماعة تلاميذ حقيقيين، قد تتحوّل إلى أعمال فارغة.

وشدّد قائلًا: “يجب أن تكون الرعية مكانًا يستطيع الناس أن يأتوا إليه ويُصغى إليهم… لا تبقوا في الداخل وتقولوا: الذين يأتون يكفون. هذا لا يكفي أبدًا. ادعوا، رحبّوا، ورافقوا”. بهذه الدعوة إلى الخروج والسير معًا، اختتم البابا لاون زيارته التي اتّسمت بالدفء والواقعية والنداء الصريح: على أوستيا ألا تستسلم للظلم، لأن رجاءها حيّ – ولا سيما في شبابها.

(راديو الفاتيكان)

البابا لاون الرابع عشر: اكتمال الشريعة هو المحبة

تلا البابا لاون الرابع عشر ظهر اليوم الأحد 15 شباط صلاة التبشير الملائكي، وتوجّه قبلها بكلمة إلى المؤمنين والحجاج المحتشدين في ساحة القديس بطرس، تأمّل فيها بإنجيل اليوم المأخوذ من عظة يسوع على الجبل (متى 5، 17-37).

وأشار الأب الأقدس إلى أنّ يسوع، بعد إعلانه التطويبات، يدعونا إلى الدخول في جديد ملكوت الله، ويكشف لنا المعنى الحقيقي لوصايا شريعة موسى. فهذه الوصايا –كما أوضح– لا تهدف إلى إرضاء حاجة دينية خارجية نشعر من خلالها بأننا أبرار أمام الله، بل تقودنا إلى علاقة محبة مع الله ومع الإخوة. ومن هنا قول الرب: “ما جئتُ لأنقض الشريعة بل لأكمّل” (متى 5، 17).

وأكد البابا لاون أنّ اكتمال الشريعة هو المحبة، فهي التي تحقق معناها الأعمق وغايتها النهائية. وذكّر بكلام يسوع عن ضرورة التحلي ببِرٍّ يفوق برّ الكتبة والفريسيين، برّ لا يقتصر على حفظ الوصايا، بل يجعل الإنسان منفتحًا على المحبة وملتزمًا بها.

وتوقف قداسته عند الأسلوب الذي اعتمده يسوع في عظة الجبل، حيث يستخدم صيغة التضاد: “سمعتم أنه قيل للأولين… أما أنا فأقول لكم”، ليُظهر الفرق بين برٍّ شكليّ وبرّ ملكوت الله. فالشريعة –كما قال– أُعطيت لموسى والأنبياء كطريق يقود إلى معرفة الله ومشروعه في التاريخ، أو كما يعبّر القديس بولس: “كحارس يقودنا إلى المسيح” (غلاطية 3، 23-25). أما الآن فقد جاء الله نفسه بيننا في شخص يسوع، فأكمل الشريعة وجعلنا أبناء للآب، مانحًا إيانا نعمة العيش كإخوة.

وأوضح البابا أنّ يسوع يعلّمنا أنّ البرّ الحقيقي هو المحبة. فلا يكفي ألا نقتل جسديًا، إن كنّا نجرح بالكلمات أو لا نحترم كرامة الآخر (متى 5، 21-22). ولا يكفي أن يكون الإنسان أمينًا في زواجه من دون حنان متبادل وإصغاء واحترام ومسيرة مشتركة (متى 5، 27-28 و31-32). فالإنجيل –كما شدّد– لا يدعونا إلى حدٍّ أدنى من البرّ، بل إلى محبة كبيرة ممكنة بقوة الله.

وفي ختام كلمته، دعا البابا لاون الرابع عشر إلى التضرّع إلى العذراء مريم، التي وهبت العالم المسيح متمّم الشريعة ومشروع الخلاص، كي تشفع لنا وتساعدنا على الدخول في منطق ملكوت الله وعيش برّه في حياتنا اليومية.

(راديو الفاتيكان)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى