
جرس الميلاد يملأ الصمت.. وجود مسيحي يتآكل في العراق
في بلد وُلدت فيه الحضارات وتجاورت فيه الأديان قبل أن ترسم خرائط باقي الدول، بقي الوجود المسيحي في العراق أشبه بجرس قديم ما يزال صوته يتردّد رغم ما تعرض له من أزمات. في العراق، حيث تعلّمت الأرض معنى الصلاة بلغات شتى، لم يكن الميلاد يوماً طقساً عابراً، بل ذاكرةً حيّة تختزن الفرح والألم معاً، والحديث هنا عن المسيحيين الذين يعتبرون كجزء لا يتجزأ من تاريخ العراق القديم والحديث.
وفي 25 ديسمبر من كل عام، يحيي المسيحيون في مختلف أنحاء العالم ذكرى ميلاد السيد المسيح، في مناسبة دينية وإنسانية تمتد جذورها إلى القرن الرابع الميلادي، حين جرى اعتماد هذا اليوم رسمياً للاحتفال بالميلاد.
وبالتزامن مع هذه المناسبة، يستعرض الأكاديمي والخبير في شؤون التنوع الديني في العراق، سعد سلوم، قصة الوجود المسيحي في البلاد. ويتوزّع المسيحيون تاريخياً في معظم أنحاء العراق، غير أنّ موجات العنف والإرهاب التي شهدها البلد منذ 2003 أسهمت في إعادة ترسيم خريطة انتشارهم السكاني، فقد نزح عدد كبير من المسيحيين العراقيين إلى مدن إقليم كوردستان، ولا سيما أربيل ودهوك، فيما لجأ آخرون إلى الأردن ولبنان وتركيا، في حين اختار قسم واسع الهجرة إلى أوروبا وأميركا.
أدّت هذه الهجرة الواسعة إلى تراجع حاد في أعداد المسيحيين في مناطقهم التاريخية، الأمر الذي أضعف التنوع الثقافي والديني في تلك المناطق، وألحق ضرراً بالروابط الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، كما خلّف فراغاً واضحاً في المشهد المحلي وفي مؤسسات المجتمع المدني.
أرقام وإحصائيات
بحسب آخر التقديرات المتداولة، يُقدَّر عدد المسيحيين المتبقين في العراق اليوم بما بين 200 و250 ألف نسمة، مقارنةً بأكثر من 1.5 مليون قبل 2003، ما يعكس حجم الانكماش الديمغرافي الذي تعرّض له هذا المكوّن خلال العقدين الماضيين، غير أنّ هذه الأرقام. كما أنّ تضارب الأرقام المتداولة يعود إلى عوامل سياسية ونفسية واجتماعية متداخلة، إذ قد يجري أحياناً تضخيم الأعداد المعلنة لتفادي بث مشاعر الخوف واليأس بين المسيحيين الذين ما زالوا في الداخل، أو للحفاظ على قدر من الطمأنينة المعنوية والاستقرار المجتمعي، وفي حالات أخرى، تُستَخدم هذه التقديرات في سياق تعزيز مطالب سياسية أو قانونية محددة، لا سيما المرتبطة بالتمثيل النيابي، أو الكوتا، أو حقوق المكوّنات.
ومن التفصيلات الأخرى، يُعدّ المسيحيون في العراق من أقدم الجماعات الدينية في بلاد الرافدين، إذ دخلت المسيحية إلى المنطقة منذ القرن الأول الميلادي، وانتشرت بين جماعات سريانية وآشورية وكلدانية وأرمنية، واستقر وجودها التاريخي في مدن مثل الموصل وسهل نينوى، إلى جانب بغداد والبصرة، وقد لعب المسيحيون عبر القرون دوراً بارزاً في الحياة الثقافية والتعليمية والاقتصادية، وأسهموا في بناء الدولة والمجتمع العراقي الحديث.
500 ألف مسيحي يواجهون اضطهاد وتهميش
في العراق، ارتبط هذا العيد خلال السنوات الأخيرة بذاكرة مثقلة بالألم والمعاناة، بعد أن تعرّض المسيحيون لسلسلة من الانتهاكات الدامية منذ 2003، بلغت ذروتها في أكتوبر 2010، عندما اقتحم تنظيم “القاعدة” كنيسة سيدة النجاة وسط بغداد، واحتجزوا عشرات المصلين قبل أن يطلقوا النار عليهم، ما أسفر عن استشهاد 60 شخصاً وإصابة العشرات، في واحدة من أبشع الهجمات التي استهدفت المسيحيين.
ويقول رئيس أساقفة الكنيسة الكلدانية في كركوك والسليمانية، المطران يوسف توما: إن “المسيحيين يُعدّون جزءاً لا يتجزأ من مكونات الشعب العراقي الأصيل، ويتمتعون بتاريخ عريق وحضور وطني فاعل”.
ويشير إلى أن “العدد التقديري للمسيحيين في العراق يبلغ نحو 500 ألف شخص، في ظل غياب إحصاءات دقيقة”، لافتاً إلى أن “هذه الشريحة تواجه تحديات مماثلة لتلك التي تعانيها الأقليات عموماً، وفي مقدمتها الاضطهاد الديني والتهميش الاجتماعي والسياسي”.
وبحسب توما، فإن أخطر ما يواجه المسيحيين هو التهديد الوجودي المتمثل بانعدام الأمن وعمليات التهجير القسري بسبب الانتماء الديني، ولا سيما من قبل الجماعات المتطرفة، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على استقرارهم ومستقبلهم في البلاد، داعياً إلى تعزيز قيم التعايش والسلم المجتمعي، وضمان حقوق جميع المكونات العراقية دون تمييز، بما يسهم في حماية التنوع الديني والثقافي الذي يتميز به العراق.
ويشير تقرير صادر عن مفوضية حقوق الإنسان في العراق إلى مقتل 1315 مسيحياً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2003 و2014، فضلاً عن نزوح نحو 130 ألفاً واختطاف 161 آخرين إبّان سيطرة تنظيم “داعش” على مدينة الموصل بين عامي 2014 و2017.
أعياد ناقصة
ويضم العراق 14 طائفة مسيحية معترفاً بها رسمياً في بغداد ومحافظة نينوى ومناطق شمال البلاد وإقليم كوردستان، وتُعد طوائف الكلدان والسريان والآشوريين والأرمن الأكثر انتشاراً.
كما تشير التقديرات إلى وجود 3 كنائس يونانية أرثوذكسية و4 كنائس قبطية أرثوذكسية في بغداد، إلى جانب 57 كنيسة للروم الكاثوليك في مختلف المحافظات، وحضور محدود للبروتستانت.
ويعبّر مواطنون مسيحيون عراقيون، عن مشاعرهم المختلطة بين الرجاء والحزن، في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي أثّرت على واقعهم ووجودهم في البلاد، مؤكدين تمسّكهم بوطنهم رغم الصعوبات التي يواجهونها.
ويرى المواطن المسيحي توني زياد: إن أعياد الميلاد لم تعد كما كانت في السابق، موضحاً أن الفرحة باتت منقوصة بسبب الهجرة الواسعة التي طالت الكثير من العائلات المسيحية، ما أدى إلى تشتت الأقارب وغياب الأحبة عن أجواء العيد.
ويضيف أن المسيحيين يعيشون قلقاً مستمراً حيال مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، في ظل قلة فرص العمل، وتراجع الخدمات، والشعور بعدم الاستقرار، الأمر الذي ينعكس سلباً على حياتهم اليومية، مؤكداً أن المسيحيين متمسكون بأرضهم وهويتهم العراقية، ويتطلعون إلى دولة عادلة تضمن الأمن والمساواة والحقوق الكاملة لجميع المواطنين دون تمييز.
من جهتها، تشير المواطنة المسيحية، هيا زكريا، إلى أن عيد الميلاد هذا العام يأتي محمّلاً بذكريات صعبة من الخوف والتهجير وفقدان الأمان، لافتة إلى أن المسيحيين ما زالوا يواجهون تحديات كبيرة تتعلق بالحماية الأمنية، والتمثيل العادل، والحفاظ على وجودهم التاريخي في مناطقهم الأصلية.
وتتحدث زكريا قائلة إن الشعور بالتهميش وغياب الاهتمام الجاد بمعاناتهم اليومية لا يزال حاضرًا، في وقت يحتاج فيه أبناء هذه الشريحة إلى دعم حقيقي يضمن لهم العيش بكرامة واستقرار، مبينة أن المسيحيين، ورغم كل الظروف، يحيون أعيادهم بروح الصلاة والمحبة والسلام، معبّرين عن أملهم بأن يعمّ الأمن والاستقرار في العراق، وأن يأتي يوم يتمكن فيه الجميع من الاحتفال بأعيادهم بحرية وأمان، في وطن يحترم تنوّعه الديني والثقافي ويحفظ حقوق جميع أبنائه.
وفي 5 مارس 2021، شهد العراق حدثاً تاريخياً تمثل في الزيارة الأولى للبابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، حيث أطلق نداءً إنسانياً دعا فيه إلى إسكات صوت السلاح والإنصات إلى دعاة السلام، في رسالة عكست دعماً واضحاً للتعايش السلمي وحماية الأقليات الدينية.
وعلى الصعيد الدستوري، تنص المادة 125 من الدستور العراقي على ضمان الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية لمختلف القوميات، فيما أكدت المادة 41 حرية العراقيين في الالتزام بأحوالهم الشخصية وفق دياناتهم ومعتقداتهم، ونصت المادة 43 على حرية أتباع الأديان والمذاهب في ممارسة شعائرهم الدينية وإدارة أوقافهم ومؤسساتهم، وفق ما ينظمه القانون.
أخطر الأزمات
منذ العام 2003، واجه المسيحيون في العراق واحدة من أخطر وأعمق أزماتهم الوجودية، لم تقتصر على التهديدات الأمنية وأعمال العنف فحسب، بل امتدت بشكل ممنهج إلى سرقة والاستحواذ على ممتلكاتهم وعقاراتهم.
تحولت أملاك المسيحيين إلى هدف سهل لجهات متنفذة وجماعات مسلحة استغلت ضعف الحماية وغياب العدالة، لتفرض الأمر الواقع عبر التزوير أو التهديد أو النفوذ السياسي، وفقاً للمراقبين، وهذه الانتهاكات لم تقتصر على خسائر مادية، بل أسهمت في تفريغ مناطق تاريخية من سكانها الأصليين، ودفع آلاف العائلات المسيحية إلى النزوح والهجرة.
في غضون ذلك، يقول المتحدث باسم وزارة العدل، أحمد لعيبي: إن “دوائر العدل تولي اهتماماً خاصاً بعقارات الأقليات، ولا سيما عقارات المواطنين المسيحيين”، مبيناً أن “جميع المعاملات المتعلقة بها تخضع لإجراءات دقيقة ومشددة لضمان عدم التلاعب أو التزوير وحماية حقوق أصحابها”.
ويضيف: أن “أي معاملة تخص عقارات المسيحيين تُمنح خصوصية في إجراءات الترويج والمتابعة، حيث يتم عند تقديم أي طلب مفاتحة ديوان الوقف المسيحي بشكل رسمي، باعتباره الجهة المختصة بالتواصل المباشر مع مالك العقار”، موضحاً أن “الوقف المسيحي يتولى التأكد من صحة عملية البيع، سواء كانت بالأصالة أو بالوكالة، والتحقق من تفاصيل المبلغ والمستمسكات الرسمية كافة”.
ووفقاً للمتحدث الحكومي، فإن الموافقة على بيع العقار لا تتم إلا بعد ورود كتاب “سري” رسمي من ديوان الوقف المسيحي، يتضمن المصادقة على صحة الإجراءات، ليتم بعدها إحالة المعاملة إلى الدائرة الفرعية المختصة، كما يتم، بعدها مفاتحة دائرة الأحوال المدنية للتحقق من صحة المستمسكات الرسمية والوكالات، بما في ذلك تدقيق الباركود والبيانات القانونية.
ويختم لعيبي، حديثه بالقول إن “الوكالات المعتمدة في مثل هذه المعاملات يجب أن تكون صادرة لأقارب من الدرجة القريبة لصاحب العقار المسيحي أو لمحامٍ رسمي، وذلك كإجراء احترازي إضافي يهدف إلى منع أي حالات تلاعب أو تزوير”، مؤكداً أن “اضبارة عقارات المسيحيين تحظى باهتمام خاص ومتابعة دقيقة في جميع مراحلها، في إطار حرص وزارة العدل على صون حقوق الأقليات وحماية ممتلكاتهم وفق القانون”.
ويقدّر مراقبون، قيمة الممتلكات العامة والخاصة التي جرى الاستيلاء عليها بعد العام 2003 بأكثر من 20 مليار دولار، تشمل مباني ومواقع مختلفة.
وعلى الرغم من إعلان الحكومات المتعاقبة تشكيل لجان تحقيقية لمعالجة هذا الملف، فإن تلك الجهود لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، في ظل النفوذ الواسع والخطير للجماعات المسلحة التي ما تزال تهيمن على عدد كبير من عقارات المسيحيين، بحسب تصريحات سابقة صدرت عن رجال دين مسيحيين.
(عنكاوا)


