Uncategorized

هوشعنا… مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ

“أحد الشعانين” هو بوابة أسبوع الآلام الذي هو قمة حياة يسوع، ها هو يصعد نحو أورشليم لتتميم الكتب ونحن معه لكي يُصلب على العرش الذي منه سيجذب إليه الجميع (يو 14) ويحكي لنا القديس مرقس (10: 46) أن منذ خروج يسوع من أريحا كان مع التلاميذ وجمعٌ كثير. وأخذتهم الحماسة عندما اقتربوا من أورشليم فبسط كثير من الناس أرديتهم على الطريق ويرتلون هذه الترتيلة القديمة من المزمور المسياني 118 “هوشعنا، مبارك الآتي باسم الرب” “هوشعنا لابن داوود مبارك الآتي باسم الرب” هذه الترتيلة الفرحة التي نجدها في أناجيل الـعهد الجديد هي صراخ يبارك فيها الإنسان الرب تُعبر عن إيمان بأن يسوع هو الله الذي افتقد شعبه وإن المسيا أخيراً جاء.

ركوب الحمار وإلقاء الملابس أمام يسوع لها تقليدها في إسرائيل (2 ملوك 9: 13) فما فعلوه التلاميذ والجموع والمتحمسون له هي “تجليس” للملك في التقليد الملوكي الداؤدي ورجاء مسيحاني ويرتلون كلمات من مزمور 118 ـصلاة الحجاج” هوشعنا، مبارك الذي يأتي باسم الرب “مبارك المملكة الآتية ـ مملكة داود” هوشعنا في الأعالي” (مر 11: 9)،( مز 118: 25).

ماذا يوحي لنا هذا النشيد؟

(فكرتين) الأولى: أن ننظر إلى الإنسانية كلها على الثقافات والحضارات والأديان المختلفة نظرة بركة وحكمة ومحبة، نظرة ترى الجمال نظرة الله على الإنسان والإنسانية على الخليقة التي هي “عمل يديه” (تك1: 27).  

“لكنك يا رب ترحم الجميع لأنك قادرٌ على كل شيء تتغاضى عن خطايا الناس لتمهلهم حتى يتوبوا. وأنت يا رب تحب الوجود كله ولا تبغض شيئاً منه وإلا لما كنت أوجدته” (حكمة 11: 23 )

الفكرة الثانية: من هو الملك المنتظر؟ من هو يسوع الناصري؟ بالنسبة لنا ما هي الفكرة التي كوناها عن الله؟ هذا سؤال مركزي بالنسبة لإيماننا نحن مدعوون أن نتبع ملِكنا الذي اختار الصليب كعرش، نحن نتبع مسيح لا يعدنا بسعادة أرضية سهلة، ولكن فرح السماء، علينا أن نتخذ قراراً وهو أن نستقبل ملك الكل وأن نتبعه إلى المنتهى.. إلى الصليب، لا إلى الجاه والمال والنفوذ وأن نجعل من موته وقيامته معنى لحياتنا وإيماننا المسيحي، هذا هو القرار الذي يقود إلى الحياة الحقة لنكون في فرح الرب (فيلبي 4: 4) فعلينا أن نكون في حالة دائمة من التسبيح كما فعل الذين استقبلوا يسوع “هوشعنا”.. والشكر فهذا هو أسبوع الشكر بامتياز سيعطينا جسده ودمه حباً لنا، وعلينا أن نتجاوب معه وان نبذل ذاتنا، ونبذل وقتنا صلواتنا في شركة دائمة معه ومع الآخرين مثل الجموع الذين تبعوا يسوع يقول القديس”آندراوس الكريتي”.. لنصلي ونسجد أمام ملكنا الحقيقي.

الأب رفيق جريش

تحتفل الكنيسة بعيده في 23 إبريل.. من هو القديس جاورجيوس؟

بقلم المطران كريكور اوغسطينوس كوسا

أسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك

من أبرز قدّيسي كنيسة المسيح وأكثرهم شيوعاً في إكرام العامة من المؤمنين، ويبدو أن مركز إكرامه، منذ القديم، كان اللد، فهناك عدد من الرحّالة، من الذين حجّوا إلى الأرض المقدّسة، بين القرنين السادس والثامن للميلاد، يذكر اللد باعتبارها مقام القدّيس وموضع استراحة رفاته. وإلى اللد كانت للقدّيس جاورجيوس مكانة مرموقة في حوران حيث أكثر الكنائس يحمل اسمه إلى اليوم، أبرز الموجود وأقدمه، هناك كنيسة القدّيس جاورجيوس في إذرع العائدة إلى العام ٥١٢ ميلادي، والتي لا تزال قائمة، ويفيد تقليداً كان متداولاً، أقلّه في القرن العاشر، بأن القدّيس جاورجيوس استشهد في حوران.

حياته

وُلِد القديس جاورجيوس (ومعنى اسمه الحارث) في كبادوكيا في تركيا في أواسط النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي (بعض المصادر حدّدت إنه وُلِدَ سنة ٢٨٠ – ٣٠٣ ميلادي ) من أبوين مسيحيين شريفين كانا من أصحاب الغِنى والشهرة الاجتماعية. فوالده الأمير أنسطاسيوس حاكم ملاطية ووالدته ثيوبستي من اللد في فلسطين ابنة ديونيسيوس حاكم اللد، فلما رُزقا بجاورجيوس اهتمّ والده بتربيته والتزامه بالآداب والأخلاق المسيحية المستقيمة ولقّنه العلوم الكنسية واللاّهوتية والقوانين والآداب وتعلّم اللغة اليونانية التي كانت في ذلك العصر لغة الثقافة كما أجاد الفروسية التي كانت مفخرة ذلك العصر.

وكان جاورجيوس وسيم الطلعة. فيّاض الحيوية، عالي القامة، كان والده انسطاسيوس رفيقاً للملك في أسفاره وفيها اطّلع على حقيقة ديانته المسيحية فأمر بقطع رأسه وعيّن مكانه أميراً آخر، وكان جاورجيوس عمره لا يتجاوز الرابعة عشر.

بعد استشهاد والده أخذت الوالدة ابنها وذهبت إلى مدينة اللد (ديوسبوليس) موطنها الأصلي ولها أملاك وافرة فيها، عَلِمَ الحاكم الجديد بهذا الشاب بشجاعة جاورجيوس وفروسيته وهو في السابعة عشرة من عمره، فأرسل بطلبه وبعث به إلى الإمبراطور الروماني ديوكلتيانس الذي حكَمَ في الفترة  الواقعة بين ( ٢٨٤ – ٣٠٥ ميلادي ) فترة اضطهاد المسيحيين ـ وزوّده برسالة يوصي الإمبراطور بترقيته، فأُعْجبَ به الإمبراطور ومنحه لقب أمير، وخصّص له راتباً شهرياً ضخماً، وأعطاه ألف جندي ليكونوا تحت إمرته، فصار بحسب الوظيفة ”تريبونس” أي ”قائد الألف”، وعيّنه حاكماً لعدّة بلاد وسجّل اسمه في ديوان الإمبراطورية مع العظماء وأهداه حصاناً ممتازاً.

وبعودته إلى فلسطين استقبله حاكمها بالحفاوة والتكريم، ولما بلغ من العمر عشرين عاماً، توفّيت والدته وتركت فيه ذكرى طيبة جعلته يُكمل مسيرته مُثابراً على الإيمان المسيحي، وبالوقت نفسه اشتهر جاورجيوس بانتصاراته في الحروب حتى لُقِّبَ بـ ”اللابس الظفر” أو ”الظافر” أو ”المُظَفَّرْ“، ولما بدأ الإمبراطور ديوكلتيانس يضطهد المسيحيين ويُعذّبهم، وأصدر أوامره بإجبارهم على عبادة الأوثان، ومن يرفض منهم يُقْتَل على الفور، دخل جاورجيوس على الإمبراطور غاضباً، وجاهر بمسيحيّته، ودافع بحماسة عنهم وعن معتقداتهم، فحاول الإمبراطور أن يُثنيه عن عقيدته المسيحية بالوعود الخلاّبة والترقية إلى أعلى المراتب وبإغداق الأموال عليه، لكنه رفض كل هذا في إلحاح وحزم.

غضب منه الإمبراطور وأمر بتعذيبه فاقتادوه إلى سجن مُظْلِم، فأوثقوا رجليه بالحبال ووضعوا على صدره حجراً ضخماً وضربوه بالسياط والحِراب حتى فقد الوعي وتركوه مطروحاً بالأرض، أما هو فكان يصلي، وفي اليوم التالي أخذوه إلى الإمبراطور آملين أن يكون التعذيب يجعله يغيّر رأيه، فظهر أمام الإمبراطور أكثر جُرأة وشدة وصلابة، فأمر بإعادة تعذبيه فوُضِعَ على دولاب كله مسامير ثم أُدير الدولاب بعنف فتمزّق جسده وتشوّه وجهه وسالت الدماء من جسمه، لكنه احتمل ذلك بصبر عجيب وسمع صوتاً سماوياً يقول: “يا جاورجيوس لا تخف إني معك”. فتشدّدت عزيمته وخرج من تلك الآلة وكأن لم يحدُث له شيء، وشُفيت جراحه، فأخذوه إلى الإمبراطور فما أن رآه حتى تولاّه الذهول إذ وجده سليم الجسم كامل القوة، وزاد غضبه وأمر جنوده بإعادته إلى السجن وتعذيبه، فأعادوه وضربوه بالسياط وصبّوا على جسمه جيراً حيّاً (كلساً حياً) ومزيجاً من القطران ومحلول الكبريت على جراحه، فتحمّل الألم فوق طاقة البشر، فظهر له المسيح وشفاه وطمأنه أنه سيكون دوماً معه، وفي صباح اليوم التالي دخل عليه الجنود فرأوه يصلّي ووجهه يُضيء كالشمس دون أي أثر للتعذيب، فأخذوه إلى الإمبراطور فلمّا رآه اتهمه بالسحر وأحضر ساحراً ماهراً اشتهر بقدرته على أعمال السحر، فوضع له في كأس ماء عقاقير تقتُل مَن يشربها على الفور، وقرأ عليها بعض التعاويذ الشيطانية وطلب من القديس أن يشربها، فأخذ منه الكأس ورسم عليه إشارة الصليب وشرب ما فيه، فلم ينله أي مكروه وظلّ منتصباً باسماً، ثم أخذ الساحر كأساً ثانياً وملأها بسموم شديدة المفعول وقرأ عليها التعاويذ وطلب تقييد القديس لكي لا يرسم إشارة الصليب على الكأس كما فعل سابقاً، لكن القديس بسبب إيمانه بقوة الصليب، راح يُحَرِّك رأسه فوق الكأس ورسم إشارة الصليب بحركة رأسه ثم شرب الكأس فلم ينله أي ضرر على الإطلاق، فصدق قول السيد المسيح له المجد”، وهذه الآيات تتبع المؤمنين: ”والذين يؤمنون تصحبهم هذه الآيات، فبإسمي يطردون، الشياطين  ويتكلّمون بلُغاتٍ لا يعرفونها ، ويمسكون الحيات بأيدهم، وإن شربوا شراباً قاتلاً لا يؤذيهم، يضعون أيديـهم على المرضى فييتعافون” (مرقس ١٦ : ١٧ – ١٨).

فطلب الساحر من الإمبراطور بأن يأمر بأخذ القديس إلى القبور ويُجَرِّب إذا كان باستطاعته أن يُقيم الأموات، فإن استطاع ذلك كان إلإله الذي يعبده، يسوع المسيح، هو الإله الحقيقي، وهذا ما تمّ، فارتدّ الساحر إلى الإيمان واستُشْهِدَ قبل استشهاد القديس جاورجيوس، فزاد بعد ذلك الإمبراطور قسوة وهمجية، فأمر بصنع عجلة كبيرة فيها منجل وأطواق وسيوف حادّة، وأمر جنوده بوضع القديس بداخلها. فلما رأى القديس هذه العجلة الرهيبة صلّى إلى الرب أن يُنْقِذه من هذه التجربة القاسية، فوضعوه فيها فانسحقت عظامه وتناثر لحمه وانفصلت أعضاء جسمه عن بعضها، فصاح الإمبراطور مخاطباً رجال مجلسه قائلاً: أين الآن إله جاورجيوس؟ لماذا لم يأتِ ويخلّصه من يدي؟ بعد ذلك، أمر جنوده بإلقاء أشلاء القديس العظيم، في بئر عميق بحيث لا يُمكِن أن يصل إليه أنصاره، ظهر عليه السيد المسيح مع ملائكته وأقام القديس من الموت وأعاده إلى الحياة سليم الجسم . في الصباح أدخل إلى مجلس الإمبراطور فذهلوا جميعاً فقال الإمبراطور: هل هذا هو جاورجيوس أم شخص آخر يُشبهه؟ أخيراً خطر على بال الإمبراطور فكرة إقناع جاورجيوس بتغيير إيمانه، فطلب منه أن يحضر أمام الأصنام ويُقَدِّم لها العبادة اللاّئقة، فقَبِلَ جاورجيوس، فجمع الإمبراطور الأقطاب والشعب في الساحة العامة لرؤية جاورجيوس وهو يُقَدِّم للآلهة العبادة الوثنية. فوقف جاورجيوس أمام الصنم الكبير وقال له: ”أفصح إن كنت الإله الحقيقي” فأجابه صوتٌ مُزَمْجِر: ”الإله الحقيقي هو الذي تعبده أنتَ ونحن سوى ملائكة عُصاة تحوَّلنا إلى شياطين“، وفي الحال سقط الصنم الكبير على الأرض، وسقطت معه سائر الأصنام وتحطّمت جميعها. فأمر الإمبراطور بقطع رأسه، فصار صيت استشهاده وجُرْأته النادرة في كل أرجاء الإمبراطورية ولذلك دُعِيَ: ”العظيم في الشهداء “. كان ذلك في ٢٣ ابريل سنة  ٣٠٣ ميلادي، بعض المصادر حدّدت تاريخ استشهاده سنة  ٣٩٢ ميلادية .  قام خادم القديس جاورجيوس، والذي يُدعى سقراطيس بنقل جثمانه من مكان استشهاده إلى مدينة اللد، وعمل على إخفاه جثمانه إلى حين تمّ نقل جسده الطاهر من مكان استشهاده إلى مدينة اللد في فلسطين سنة  ٣٢٣ ميلادية ، ووضع في الكنيسة التي شيدها على اسمه هناك الإمبراطور قسطنطين الكبير ( ٢٧٤ – ٣٣٧ ). وقد وصف القديس يوحنا الكريتي الكنيسة بأنها: ”مستطيلة الشكل وبإمكان المرء أن يرى فوهة ضريح القديس فيها، تحت المائدة المقدّسة مغطّاة بالمرمر الأبيض“، وبيّنت الدراسات أن رُفاته قد توزّعت فيما بعد على أديرة وكنائس في أماكن شتى في الشرق والغرب كاليونان وفلسطين وسوريا وقبرص ومصر والعراق، يُعتبر القديس جاورجيوس من أبرز قديسي الكنيسة وأقربهم إلى عواطف المؤمنين، وأكثرهم شهرة وشيوعاً في الإكرام الذي يُقَدِّمه له عامة الناس، يتسمّى المؤمنون باسمه أكثر من أي اسم لقديس آخر كما أن العديد من الكنائس والأديرة والمدن سُمِّيَت باسمه واتّخذته شفيعاً لها.

فن تصوير أيقونات القديس جاورجيوس

 يُصَوَّر القدّيس جاورجيوس في الأيقونات في وضعيات مختلفة، ولكن أشهرها تصوّره في لباسه العسكري على جواد ابيض وهو يقتل التنّين، وقد تُضاف إليه في هذه الوضعية مجموعة من الأيقونات التفصيلية من حول الأيقونة الأساسية تُصوِّر عذاباته، وأحياناً واقفاً يُصلّي بكامل قامته أو مع قدّيسين أو قدّيسات آخرين كالقدّيس ديمتريوس أو مركوريوس أو بروكوبيوس أو براسكيفي وسواهم. وقد يجعلونه واقفاً يدوس التنّين وهو يقتله.

القديس جاورجيوس والتنين

أما التنّين في أيقوناته فهو رمز لرواية تعود على القرن السادس وردت في صيغ مختلفة، وخلاصتها أن ابنة أحد الملوك تَهَدّدها تنّين، فظهر له القديس جاورجيوس وقتله وخلّصها والأميرة واقفة مرتعدة من التنّين، وأبواها يُشْرفان عليها من فوق الأسوار، فهذه الصورة رمزية، ومعناها أن القدّيس جاورجيوس الفارس البطل والشهيد العظيم قد انتصر على الشيطان الممثّل بالتنين، وهدّأ روع الكنيسة الممثّلة بابنة الملك ، الفتاة الجميلة التي ترمز إلى الكنيسة المنتصرة، كما يقول لنا القديس بولس في رسالته إلى أهل أفسس : ”إن المسيحُ هو رأس الكنيسة التي هي جسده، وهو مُخلصها”.

وكما أنّٓ المسيحُ  أحبَّ الكنيسة وجاد بنفسِهِ من أجلها، ليُقدِّسها مطهراً إياها بغُسل الماء وكلمةٍ تَصحَبُهُ، فيَزُفها إلى نفسه كيسةً سَنيّةً لا دنس فيها ولا تغضُّن ولا أشبه من ذلك، بل مقدسة بل عيب” ( أفسس ٥ : ٢٦ – ٢٧ )، على مثال ملكها يسوع المسيح. (زينيت)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى