Uncategorized

البابا فرنسيس: على أفكار ودراسات القديس توما الأكويني أن تلهم العلوم الاجتماعية المعاصرة

بدأت من 7 لـ8 مارس ورشة عمل برعاية الأكاديمية الحبرية للعلوم الاجتماعية وذلك لمناسبة مرور ٧٥٠ سنة على وفاة القديس توما الأكويني. وإلى المشاركين في هذا المبادرة وجه قداسة البابا فرنسيس رسالة أعرب في بدايتها عن سعادته لاختيار الأكاديمية الحبرية الاحتفال بذكرى وفاة القديس توما الأكويني بتنظيم ورشة العمل هذه والتي تتمحور حول الانطولوجيا الاجتماعية لهذا القديس.

توقف الأب الأقدس بعد ذلك عند اختلاف مفهوم العلوم الاجتماعية في زمننا مقارنة بزمن القديس توما الأكويني، إلا أن دراسة القديس للمعاني الفلسفية واللاهوتية لحقيقة الإنجيل حول خلق الله للإنسان على صورته، وهو ما نجده في كتابات القديس توما الأكويني، تعكس إسهامه في تمهيد الطريق للعلوم الاجتماعية الحديثة. فأعمال هذا القديس، واصل البابا فرنسيس، تُثبت من جهة التزامه من أجل فهم كلمة الله بكل أبعادها، وتعكس من جهة أخرى انفتاح القديس على أية حقيقة مفهومة للمنطق البشري. فقد كان توما الأكويني على قناعة قوية بأنه ما من تناقض بين الحقيقة المتجلية وتلك التي يتم التوصل إليها بالفكر، وذلك لأن الله هو الحق والنور الذي ينير كل فهم. وأشار الأب الأقدس بالتالي إلى مركزية فهم القديس للعلاقة بين الإيمان والعقل، وذلك انطلاقا من قناعته بقوة عطية النعمة الإلهية التي تُصلح طبيعة الإنسان التي أضعفتها الخطيئة، وتسمو بالفكر من خلال المشاركة في معرفة الله ومحبته، ما يمَكننا من فهم حياتنا كأفراد وكمجتمع وتنظيمها بشكل صحيح.

ثم انتقل البابا فرنسيس إلى الحديث عن العلوم الاجتماعية المعاصرة مشيرا إلى تعاملها مع المواضيع المتعلقة بالإنسان والتنمية البشرية من خلال مقاربات ومناهج يُفترض أن تكون مترسخة في واقع وكرامة الشخص البشري. وتابع الأب الأقدس أن القديس توما الأكويني قد نجح في الاستفادة من إرث فلسفي غني حَلَّله من وجهة نظر الإنجيل وذلك من أجل تأكيد، وحسبما كتب القديس، أن الإنسان هو ركيزة النظام الاجتماعي وأن كل إنسان مصيره العيش والنمو والتنمية في جماعة وذلك من خلال العلاقات الإنسانية، ومن الطبيعي بالتالي أن يعيش البشر في مجتمع مع آخرين كثيرين وذلك من أجل الحصول، من خلال العمل اليدوي والجسدي ينيرهم الذكاء وقوة الإرادة، على الخيور المادية والروحية من أجل خيرهم وحياة جيدة ومن أجل سعادتهم.

وواصل البابا فرنسيس أن توما الأكويني، وانطلاقا من مبادئ وضعها أرسطو، كان يرى أن الخيور الروحية تسبق تلك المادية وأن الخير المشترك للمجتمع يسبق خير الأفراد. كما وأشار الأب الأقدس إلى قناعة القديس بالرباط بين كرامة ووحدة الشخص البشري والذي ينتمي إلى العالم الجسدي بحكم الجسد، ولكن أيضا إلى العالم الروحي لكونه يفكر ولقدرته على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف، وأيضا بين الخير والشر. وأضاف البابا أن هذه القدرة على التمييز وعلى استخدام الأفعال في هدفها النهائي من خلال المحبة هي ما توصف بالشريعة الطبيعية في تعليم الكنيسة الكاثوليكية، والذي يضيف مستعيرا كلمات القديس توما الأكويني أن هذه الشريعة الطبيعية ليست سوى نور الذهن الذي وضعه الله فينا، بها نعلم ما يجب عمله وما يجب تجنبه. والله هو الذي أعطى الخليقة هذا النور أو تلك الشريعة.

شدد البابا فرنسيس بعد ذلك على أن اليوم هناك حاجة إلى استعادة ما يصفه القديس توما الأكويني بالميل الطبيعي إلى معرفة الحقيقة حول الله وإلى العيش في مجتمع، وذلك من اجل تشكيل الفكر الاجتماعي والسياسة بشكل يعزز، بدلا من أن يعيق، التنمية البشرية الحقيقية للأفراد وللشعوب. وأراد الأب الأقدس التذكير هنا بكلمات سلفه البابا بندكتس السادس عشر في الرسالة العامة “المحبة في الحقيقة” حين كتب أن هذه الشريعة الأخلاقي العالمية تشكل أساسا راسخا لكل حوار ثقافي وديني وسياسي، وتسمح لتعددية الثقافات المختلفة بألا تنفصل عن البحث المشترك عن الحق، والخير والله.

وفي ختام رسالته أكد البابا فرنسيس أن بإمكان ثقة القديس توما الأكويني في شريعة طبيعية مكتوبة في قلب الإنسان أن تقدم أفكارا نضرة وجيدة لعالمنا المعولَم. كما وأراد الأب الأقدس التذكير بتأكيد القديس في كتاباته على أن تجسُّد ابن الله يكشف الكرامة العليا للطبيعة البشرية، وأضاف البابا أن هذه القناعة قد تم تأكيدها خلال المجمع الفاتيكاني الثاني. 

(راديو الفاتيكان)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى