نظم سيادة رئيس الأساقفة نيقولاس هنري، السفير البابوي بمصر، بمناسبة الذكرى الأولى على بدء حبرية قداسة البابا لاوُن، بمقر سفارة الفاتيكان، بالزمالك. شارك في الاحتفال عدد من مطارنة الإيبارشيات الكاثوليكية بمصر، يمثلون عضوية مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر، ورؤساء مختلف الرهبانيات الرجالية والنسائية بمصر، والآباء الكهنة، كما شارك أيضًا سفراء دول عدة، والشخصيات الكاثوليكية المختلفة، بالإضافة إلى ممثلي الطوائف المسيحية.
وفي كلمته قال رئيس الأساقفة: قبل عامٍ كامل من اليوم، وفي 18 مايو 2025، أُقيمت مراسم تنصيب البابا لاوُن في كاتدرائية القديس بطرس بروما، كما اختُتم يوبيل العام المقدس 2025 في 6 يناير الماضي تحت شعار: “الأمل لا يخيب”، وهو شعار يُذكّرنا بالحاجة الإنسانية والروحية العميقة إلى التمسك بالرجاء وسط عالم تتزايد فيه مظاهر القلق والانقسام والتراجع.
وعلى امتداد الاثني عشر شهرًا الماضية، ولا سيما خلال الشهرين الأخيرين، دفعت فظاعة الأحداث والصراعات المتفاقمة في العالم قداسة البابا لاوُن إلى أن يرفع صوته مرارًا بإصرار وحكمة، داعيًا قادة العالم إلى التحلي بالعقل والمسؤولية والضمير الإنساني.
إن البابا لاوُن رجل يُصغي أكثر مما يتكلم، غير أن كلماته تحمل وزنًا أخلاقيًا وروحيًا بالغ التأثير. فهو لم يكن يومًا سياسيًا، ولا يسعى إلى خدمة مصالح اقتصادية أو مالية أو أيديولوجية، بل هو رجل إيمان، أوكلت إليه رسالة تثبيت إخوته وأخواته في الرجاء والإيمان، وهي رسالة تتجاوز حدود الكنيسة الكاثوليكية لتطال البشرية جمعاء. وإن تأثيره لا ينبع فقط من موقعه الكنسي، بل من القوة الأخلاقية التي يمثلها في عالم باتت تسوده الانقسامات والكراهية ورفض الآخر.
قلق العميق تجاه تزايد أعداد الضحايا في ليبيا والسودان وغزة
وقد عبّر البابا مرارًا عن قلقه العميق تجاه تزايد أعداد الضحايا الأبرياء نتيجة الصراعات المستمرة في منطقتنا، في ليبيا والسودان وغزة والضفة الغربية ولبنان، ومؤخرًا في الخليج العربي وسائر الشرق الأوسط. كما ظل ثابتًا في دعواته المتكررة إلى الحوار والتفاوض ونبذ السلاح والعنف.
وهو بذلك يسير على خطى أسلافه العظام:
البابا بندكتس الخامس عشر، الذي ندد عام 1917 بـ “مذبحة لا معنى لها”، والبابا بيوس الثاني عشر، الذي أعلن عشية الحرب العالمية الثانية عام 1939 أن: “السلام لا يضيع شيئًا، أما الحرب فتضيع كل شيء”، مؤكدًا أن المفاوضات العادلة والصادقة وحدها تضمن سلامًا مشرّفًا ودائمًا.
ويمكن تلخيص المبادئ الأساسية لحبرية البابا لاوُن الرابع عشر في ثلاث كلمات: الوحدة، والحق، والمحبة.
فالوحدة لا تقتصر على الكنيسة الكاثوليكية وحدها، والتي تتجلى في مصر بصورة فريدة من خلال غنى طقوسها السبع وتنوعها الروحي تحت راية الشركة الكنسية، بل تمتد إلى وحدة الأسرة البشرية كلها، القائمة على الإيمان بأننا جميعًا أبناء لخالق واحد ومحب.
أما الحق، فهو أساس كل حوار صادق وكل تفاهم حقيقي بين الشعوب والثقافات.
والمحبة هي الطريق الضروري للتواصل مع الآخر، والسعي إلى فهمه قبل الحكم عليه، ورؤية ما يجمعنا قبل التركيز على ما يفرقنا.
وفي هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها منطقتنا، تمثل مصر —أكثر من أي وقت مضى— منارة للاستقرار والاعتدال والتعايش، ونموذجًا للسلام في شرق أوسط تمزقه الصراعات.
ومع استمرار المآسي في السودان وغزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، تواصل مصر، وفاءً لتاريخها وقيمها الإنسانية العريقة، دورها في استقبال اللاجئين وتقديم الدعم للجرحى والمتضررين، إلى جانب دورها المحوري في البحث عن حلول عاجلة لوقف النزاعات، والعمل من أجل حلول عادلة ودائمة تقوم على الحق والعدالة والسعي المخلص إلى السلام.
إن الحوار ضرورة لا غنى عنه، وليس المقصود به تجاهل نقاط الخلاف، بل السعي إلى فهم الآخر واحترام احتياجاته المشروعة، بما يعزز التنمية المتوازنة والمتناغمة بين مختلف مكونات المجتمع الدولي.
كما أن بناء الأوطان يتطلب مسؤولية جماعية، ورفض كل أشكال الاستغلال المالي أو التجاري، ورفض أي نزعات هيمنة أو تمييز قائم على العرق أو الدين، والعمل الدائم من أجل خير الإنسان والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، تحتل مصر مكانة متميزة تؤهلها لمواصلة رسالتها في نشر السلام والاعتدال والبناء.
وأود هنا أن أُشيد بالدور المتواصل الذي تقوم به مؤسسات الكنيسة الكاثوليكية في مصر، ولا سيما الرهبانيات العاملة في مجالات التعليم والرعاية الصحية وخدمة المسنين والمرضى والتنمية البشرية، إذ تسهم هذه الرسالة الإنسانية في مواجهة الجهل وسوء الفهم، اللذين يشكلان بيئة خصبة للتطرف والتعصب والعنف.
وكشف سفير الفاتيكان بالقاهرة عن لقاء خاص مع قداسة البابا، بعد أيام، كما سينقل إليه صورة الأوضاع في مصر، والتحديات الإقليمية والدولية الخطيرة التي يواجهها عالمنا اليوم.
كما سُعبر لقداسته عن رجاءه العميق بأن تقوده رحلاته الرسولية المقبلة إلى أرض مصر المباركة، إلى ضفاف النيل التي تشرفت بزيارة العائلة المقدسة.
مختتمًا: عاشت مصر، عاش البابا لاوُن، حفظه الله ورعاه،
بارك الله فيكم جميعًا. عيد بابوي سعيد 2026.
