البابا لاوُن من قصر الإليزيه: لا تستسلموا لواقع الحرب وكأنها حتمية
دعا البابا لاوُن الرابع عشر، الجمعة، إلى عدم الاستسلام للحرب والتعامل معها باعتبارها “حتمية”، مؤكدًا أن السلام لا يقوم على توازن القوى، بل يُبنى يومًا بعد يوم بالحوار والعدل. وجاء ذلك في كلمته خلال لقائه السلطات وممثلي المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي في قصر الإليزيه بباريس، في مستهل زيارته الرسولية إلى فرنسا.
وقال البابا: “أدعوكم إلى ألّا تستسلموا أبدًا لواقع الحرب باعتبارها “حتمية”، بل أن تعزّزوا بلا كلل الحوار والدبلوماسية”، داعيًا فرنسا، في ظل “قرع طبول الحرب” والأزمات التي يشهدها العالم، إلى أن تظل “صانعة سلام لا تكلّ، ومدافعة عن التعددية”، ولا سيما في أوروبا”.
السلام ليس توازنًا بين القوى
وتوقف لاون الرابع عشر عند الحروب التي تعصف بالعالم، وبشكل خاص معاناة سكان الشرق الأوسط، قائلًا إنه لا يمكن البقاء غير مبالين أمام آلام الشعوب التي تجرح الكرامة الإنسانية، داعيًا إلى “توبة قلب حقيقية” وتغيير في المواقف والعمل على بناء “حضارة المحبة”.
وحذّر البابا من عودة سباق التسلح، ومن القناعة التي ترى في امتلاك الأسلحة النووية ضمانة للأمن، مستعيدًا دعوة القديس البابا يوحنا الثالث والعشرين إلى وقف سباق التسلح وخفض الأسلحة وحظر السلاح الذري. وشدد على أن “السلام ليس توازنًا بين القوى، بل يُبنى كل يوم بالحوار والعدل”.
الذكاء الاصطناعي و”جنة الآلات”
وفي محور آخر من كلمته، تطرق البابا لاوُن إلى التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، موضحًا أنه اختار تناول هذا الموضوع في رسالته العامة الأولى “الإنسانية الرائعة” بهدف إعادة الإنسان إلى صميم التفكير فيه.
وقال إن مواجهة ما وصفه بـ”جنة الآلات” التي تدخل بصورة متزايدة في الحياة اليومية تتطلب تكوين العقول على التمييز الأخلاقي، بما يحفظ حرية الإنسان الداخلية وكرامته. وأكد أن “المجتمع الحر لا يلغي الاختلافات، بل يحمي تنوع الضمائر ويشجع الحوار الأخلاقي”.
كما حذّر من تحويل العلم والتكنولوجيا إلى مشاريع ربحية على حساب الإنسان، مشيرًا بصورة خاصة إلى التلاعب الجيني وتأجير الأرحام وشراء الأعضاء و”تقديم موت مبرمج”، ومؤكدًا أن احترام حياة كل إنسان وحمايتها مسؤولية مشتركة”.
العلمانية لا تعني إقصاء الدين
وتناول البابا مسألة العلمانية في فرنسا، مؤكدًا أن “العلمانية الصحيحة” لا تعني إقصاء الدين من المجال العام أو التربية، بل تتيح للدولة والمؤسسات الدينية الحوار والتعاون في خدمة الخير العام. وفي هذا السياق، شدد على مكانة المدارس الكاثوليكية في المشهد التربوي الفرنسي، وعلى أهمية أن يسهم المؤمنون في الحياة العامة انطلاقًا من ضمائرهم وقيمهم، من دون أن يُنظر إلى حضورهم باعتباره “تهديدًا لوحدة المجتمع”.
إشادة بدعم مسيحيي الشرق
وأشاد لاوُن الرابع عشر بالتعاون التاريخي بين فرنسا والكنيسة الكاثوليكية في خدمة مسيحيي الشرق، وبالعمل التربوي والاجتماعي والثقافي والإنساني الذي يجري في بلدان الشرق الأوسط.
وأشار بصورة خاصة إلى “صندوق مدارس الشرق”، الذي قدّم منذ تأسيسه عام 2021 الدعم لأكثر من 260 مؤسسة تعليمية في الشرق الأوسط، بينها سبع جامعات في لبنان وجامعة بيت لحم، معتبرًا أن التربية تمثل أحد المجالات الرئيسية للتعاون والحوار بين الشعوب والأديان.
نوتردام.. رمز لرجاء مستعاد
وفي مستهل كلمته، أشاد البابا بعملية ترميم كاتدرائية نوتردام بعد الحريق الذي تعرضت له، معتبرًا أن إعادة افتتاحها ليست مجرد إنجاز تقني، وإنما “رمز لرجاء مستعاد”، ودليل على أن ما يُعتقد أنه دُمّر إلى الأبد يمكن أن يولد من جديد بفضل تعاون الجميع”.
واختتم البابا كلمته متمنيًا لفرنسا السلام والوحدة والازدهار، وموكلًا البلاد إلى شفاعة السيدة العذراء، شفيعة فرنسا الرئيسية، قبل أن يقول: “ليبارك الله فرنسا وجميع الفرنسيين!”.
(أبونا)
البابا يؤكد من اليونسكو على أهمية حماية كرامة الإنسان واحترام سيادة القانون
أكد البابا لاوُن أن بناء السلام لا يتحقق بالمعاهدات والتسويات بين القوى المتعارضة وحدها، بل يتطلب ثقافة راسخة تقوم على العدل والحقيقة واحترام كرامة الإنسان، محذرًا في الوقت نفسه من أن تتحول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى أدوات للهيمنة والظلم بدل أن تبقى في خدمة الإنسان.
جاء ذلك في كلمة ألقاها البابا، في مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” في باريس وكان في استقباله الدكتور خالد العناني مدير عام المنظمة، ضمن زيارته الرسولية إلى فرنسا، حيث شدد على أهمية التعاون الدولي في بناء عالم أكثر عدلًا، وعلى دور التربية والعلم والثقافة في تعزيز السلام وصون الكرامة الإنسانية.
وأشار البابا إلى أن حضور الكرسي الرسولي في اليونسكو، الذي يستعد للاحتفال عام 2027 بمرور 75 عامًا عليه، ينبع من القناعة بأن مستقبل البشرية يعتمد قبل كل شيء على احترام الكرامة غير القابلة للتصرف لكل إنسان. وأكد أن الكنيسة تنظر إلى المنظمة بوصفها “شريكًا مميزًا في خدمة الخير العام” والحوار بين الأمم، وفي دعم تنمية بشرية شاملة
وتوقف البابا عند رسالة التربية، مؤكدًا أنها لا تكتمل إذا تجاهلت سؤال المعنى، وأن مهمتها لا تقتصر على مساعدة الإنسان لكي “يملك” أكثر، بل لكي “يكون” أكثر، وينمو في إنسانيته وإدراكه لكرامته ودعوته.
الحرب أفظع الأعمال الإنسانية
وفي حديثه عن مسؤولية الإنسان أمام التاريخ، قال البابا إن الحرية تصبح جميلة عندما تتجه نحو الخير والحق، لكنها تتشوّه عندما تنحدر إلى التعسف والعنف والتعطش إلى السلطة، مضيفًا أن “أفظع الأعمال الإنسانية هي الحرب”، لأنها تضع العلم نفسه في خدمة إرادة التدمير والقتل.
واستعاد البابا العبارة الواردة في الميثاق التأسيسي لليونسكو، ومفادها أن الحروب تتولد في عقول البشر، ولذلك يجب أن تُبنى في عقولهم حصون السلام، مشددًا على أن التقدم العلمي إذا انفصل عن الحكمة قد يتحول إلى أداة للدمار، وأن الثقافة حين تخضع للأيديولوجيا قد تصبح وسيلة للدعاية، فيما يمكن للتعليم، إذا تخلى عن الحقيقة، أن يتحول إلى أداة للتلاعب بالضمائر.
وأكد البابا أن “السلام لا يمكن بناءه فقط بالمعاهدات، ولا بالتسويات بين القوى المتعارضة”، وإنما يكون حقيقيًا عندما ينبع من العدل ومن إرادة قادرة على رؤية الآخر أخًا أو أختًا.
الذكاء الاصطناعي وكرامة الإنسان
وتناول البابا لاوُن تحديات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى ضمان بقاء التقنيات الجديدة في خدمة الإنسان، وألا تتحول إلى أداة أخرى للهيمنة والظلم.
وأشار إلى مفارقة تتمثل في إسناد صفة “الذكاء” إلى أنظمة حاسوبية، في وقت تواجه فيه المجتمعات صعوبة متزايدة في الاعتراف بكرامة البشر غير القابلة للتصرف، ولا سيما عندما تُقاس قيمة حياة الإنسان وفق معيار الكفاءة والإنتاجية. وشدد على أن كرامة الإنسان لا تنتقص بسبب المرض أو الألم أو الضعف، ولا تعتمد على قدراته، بل تتطلب العناية والمحبة في جميع مراحل الحياة.
كما حذر من أن وفرة المعلومات وسرعة الاتصال لا تعنيان بالضرورة مزيدًا من الحكمة أو الصدق، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من قدرته على الربط بين البيانات، لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الحياة البشرية، لأن هذا المعنى متجذر في الخبرة الإنسانية المعاشة.
وقال إن “المعنى هو أكسجين العقل”، معتبرًا أن البحث عن الحقيقة بات قضية عدالة اجتماعية وإنصاف تاريخي، ومشددًا على أهمية التربية الإعلامية والاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام والأدوات الرقمية.
حماية الأطفال والشباب
ودعا البابا المجتمع الدولي إلى إيلاء عناية خاصة بحماية الأطفال والشباب في العصر الرقمي، مؤكدًا ضرورة ألا تتحول هشاشتهم إلى فرصة للاستغلال، وأن تسهم التكنولوجيا في نموهم وتربيتهم وعلاقاتهم، وتحافظ على حريتهم في التفكير والتمييز.
وشدد كذلك على أن المعيار الحقيقي لمدى احترام المجتمعات لكرامة الإنسان يظهر في العناية التي توليها للصغار والفقراء، والأطفال في أحشاء أمهاتهم وفي ساحات الحرب، والأشخاص ذوي الإعاقات، والمسنين، والمهاجرين واللاجئين، وجميع الذين يُستبعدون بسبب النظر إليهم باعتبارهم غير منتجين.
من بابل إلى العنصرة
واستعان البابا بصورتَي برج بابل والعنصرة لتوضيح رؤيته لوحدة العائلة البشرية، معتبرًا أن برج بابل يمثل الوحدة المفروضة بالهيمنة، فيما تقدم العنصرة نموذجًا لوحدة تحترم الاختلاف والتنوع.
وقال إن العالم يشهد اليوم عودة “إغراء بابل” في أشكال العولمة الخالية من الأخوة، والاستعمار الجديد، وفرض الأيديولوجيات، والاتصالات التي لا تبني روابط إنسانية حقيقية. وفي المقابل، رأى أن “سلام العنصرة” يسمح للشعوب والثقافات المختلفة بأن تزدهر في انسجام، من دون أن تلغي الوحدة خصوصية كل شعب أو تاريخه وثقافته.
وفي ختام كلمته، دعا البابا إلى استعادة الثقة بالحوار والمؤسسات الدولية، وعدم النظر إلى الاختلافات باعتبارها تهديدًا، مؤكدًا أن التربية قادرة على تجاوز المخاوف المتبادلة، وأن العلم يستطيع أن يكون في خدمة حياة كل إنسان.
وأضاف أن التقاليد الدينية تؤدي دورًا لا غنى عنه في البحث عن معنى الحياة وفي زرع السلام، داعيًا إلى تنمية الوعي بالانتماء إلى “عائلة بشرية واحدة”، وإلى جعل التربية والعلم والثقافة أدوات لبناء السلام وخدمة خير الإنسان.
(راديو الفاتيكان)
البابا في نوتردام: الكنيسة ليست ملجأً للإنغلاق بل بيتًا مفتوحًا للجميع
دعا البابا لاوُن الكنيسة في فرنسا إلى أن تكون “كنيسة حيّة ومتعددة وقريبة:، منفتحة على الجميع وقادرة على مداواة جراح المجتمع، مؤكدًا أن الجماعة المسيحية لا تشكل ملجأً ينغلق فيه المؤمنون هربًا من تعقيدات عصرهم، بل فضاءً للاستقبال والاحترام والمعنى. جاء ذلك خلال عظة ألقاها البابا، الجمعة 25 سبتمبر، في كاتدرائية نوتردام في باريس، خلال صلاة الغروب مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمكرسين والإكليريكيين، ضمن زيارته الرسولية إلى فرنسا.
واستهل البابا عظته بالإشارة إلى الحريق الذي التهم الكاتدرائية قبل سبع سنوات، وقال إن العالم تابع حينها المشهد “حاسر الأنفاس”، مشيرًا إلى أن ذلك الحدث كشف أن نوتردام هي أكثر من مجرد معلم معماري، وأن مشارَكة المجتمع في إعادة إعمارها أظهرت أن “قلب شعب ينبض في هذا المكان”، حيث يلتقي الماضي بالمستقبل، والأرض بالسماء.
وأشار إلى أن أعمال ترميم الكاتدرائية لم تستعد حجارتها وجمالها فقط، بل أعادت أيضًا فتح مسارات ثقافية وروحية وإنسانية أمام الجميع، معتبرًا أن الكنيسة لم تتعامل مع مهمتها على أنها مجرد حفظ للتراث، بل باعتبارها دعوة إلى الإبداع وإحياء التقليد بروح تنظر برجاء إلى المستقبل.
الكنيسة ليست مكانًا للانغلاق
وشدد البابا على أن هوية الكنيسة تنبع من التجسد ومن دعوتها الدائمة إلى “الخروج”، موضحًا أن المسيحيين لا يهربون من تعقيدات العالم، لأن الله نفسه أرسل ابنه إلى عالم حقيقي يحمل الخير والألم معًا. وقال إن الجماعة المسيحية “لا تشكل ملجأً ننغلق فيه لحماية أنفسنا من عصرنا”، بل هي مدعوة إلى أن تكون، مثل الكاتدرائيات القديمة، مكانًا للاستقبال والاحترام والوحي والمعنى لكل إنسان.
وأضاف أن قوة الكنيسة الحية تظهر في قدرتها على استقبال من هم في الأطراف، ومن يُنظر إليهم على أنهم بعيدون، والغريب الذي “يقرع المسيح من خلاله الباب”، داعيًا الكنيسة في مختلف المدن والمناطق الفرنسية، بما فيها المناطق الريفية والهامشية، إلى حضور رسولي بسيط وقريب يساهم في التوفيق بين الاختلافات الثقافية وشفاء جراح المجتمع.
كما دعا إلى تقدير الدور الرسولي للعلمانيين، معتبرًا أنهم “الطليعة الحية للكنيسة عند تقاطعات الحياة اليومية”، ومؤكدًا أن فقر الإمكانات لا يمنع الرسالة، لأن قوتها الحقيقية تنبع من نعمة الله وبساطة الحياة الإنجيلية.
نوتردام ليست غلافًا من حجر
وتوقف البابا عند المعنى الحقيقي للكاتدرائية، مؤكدًا أن الغاية الأساسية التي شُيّدت من أجلها نوتردام، مثل سائر الكنائس، هي الصلاة وتسبيح الله.
وقال: “الكاتدرائية ليست غلافًا من حجر يُعجب به”، مشددًا على أنها تحيا من السر المقدس الذي يُحتفل به داخلها، وأنها إذا فُصلت عن الحياة الليتورجية “تفقد روحها”. وأوضح أن وضع المذبح في قلب الكاتدرائية يُظهر حقيقة الكنيسة باعتبارها جسدًا حيًا وجماعة مؤمنة تجمع في صلاتها ما تنقله الثقافة والتقليد، وتكشف من خلال احتفالها سبب وجودها ورسالتها.
الرجاء لا الاستسلام
وفي حديثه عن واقع الإنسان المعاصر، قال البابا إن العالم يعيش زمنًا يبدو أحيانًا خاليًا من العمق والامتلاء والوعود، معتبرًا أن بساطة الصلاة والكلمة والليتورجيا يمكن أن تصبح “ومضة رجاء وواحة سلام” وسط مجتمع شديد الضجيج والاتصال.
وأكد أن الصلاة والإصغاء الجماعي إلى الكتاب المقدس يساعدان المؤمنين على قراءة أحداث التاريخ بنور الله، ويدفعانهم إلى إدراك مسؤولياتهم وكشف علاقات القوة غير العادلة وحماية بذور العدل والسلام. وأضاف: “إن الرجاء هو الذي يحركنا، لا الاستسلام”، مشيرًا إلى أن هذا الرجاء يفتح الطريق أمام مزيد من الأخوة والتضامن والشركة بين الناس.
دعوة إلى الوحدة والصلاة
ودعا البابا الأساقفة والكهنة والشمامسة والمكرسين إلى أن تُعاش الاحتفالات الليتورجية بكرامة ووقار حتى في الجماعات الصغيرة، وأن يحافظوا على محبة حقيقية لليتورجيا وعلى إرث الكنيسة الروحي. كما شدد على ضرورة وضع الشركة مع خليفة بطرس والكنيسة قبل الحساسيات الشخصية، قائلاً إن الكنيسة، بوحدتها، تستطيع أن تقدم للعالم شهادة بأن “عالمًا متصالحًا ممكن”.
ووجّه الأب الأقدس كلمة خاصة إلى الأساقفة والكهنة والإكليريكيين والمكرسين، داعيًا إياهم إلى الحفاظ على علاقتهم الشخصية بالمسيح من خلال الصلاة، ومعتبرًا أن الرسالة تنبع أولًا من هذه العلاقة الحميمة مع الرب.
وفي ختام عظته، وصف البابا الكاتدرائية المفتوحة في قلب المدينة بأنها علامة على جماعة تجعل من الضيافة أسلوبًا لحياتها، حتى يشعر الجميع بأنهم في بيتهم، من دون تهميش أو إقصاء. ودعا رعاة الكنيسة والمكرسين في فرنسا إلى أن يكونوا “حراس هذا البيت المفتوح” وحجارة حية في كنيسة ترجو ولا تخاف المستقبل، قائلاً إن نوتردام “وُلدت من جديد لكي تولدوا معها من جديد، في اندفاع نحو القداسة والرسالة اليومية”.
واختتم البابا عظته بالصلاة إلى العذراء مريم، سيدة باريس وأم الكنيسة، طالبًا منها أن ترافق الكنيسة في فرنسا، وتساند رعاتها، وتقود رسالتها في المجتمع.
(أبونا)
البابا لاوُن يقود أمسية صلاة مع الشباب في “ستاد دوفرانس” بباريس
في ختام أنشطة اليوم الأول –الجمعة- من زيارته إلى فرنسا، ألقى بابا الفاتيكان خطابا أمام عشرات الآلاف من الشباب في “ستاد دو فرانس”. حيث احتشد نحو 80 ألف شاب تتراوح أعمارهم بين 17 و30 عاما في “ستاد دو فرانس” في ضاحية سان دوني الباريسية لحضور خطاب البابا لاوُن في أولى أيام زيارته إلى فرنسا.
وبدأ الشباب بالتوافد على الملعب قبل ساعات من بدء الخطاب الذي سبقته فقرات موسيقية بمشاركة المغنية الفرنسية من أصول مدغشقرية أنيشا جو، ومغني الراب تاجرا، إضافة إلى المغنية الفرنسية ناتاشا سان بيير.
في محيط الملعب انتشر، عناصر الأمن بأعداد كبيرة لتأمين الحدث انطلاقا من محطة المترو وصولا إلى الملعب. كما انتشر عدد كبير من المتطوعين لتأمين التوجيه والإرشادات للحاضرين.
وركزت كلمات البابا على قيم السلام، والتضامن الإنساني، والأمل في مواجهة التحديات العالمية الراهنة.
وبهذه المناسبة تم نقل وبصورة استثنائية “رداء أرجنتوي المقدس” وهو الثوب الذي ارتداه السيد المسيح أثناء درب الآلام، من كاتدرائية سان دوني القريبة إلى الملعب.
وخلال اللقاء الذي جمع بين الحوار والصلاة والتشجيع على عيش الإيمان والشهادة للإنجيل، تناول البابا في كلمته قضيتين أساسيتين تشغلان الشباب: كيفية إعلان المسيح مع احترام من لا يشاركونهم الإيمان، وكيفية اكتشاف الدعوة الشخصية وسط القلق وعدم اليقين.
وفي رده على سؤال حول التوفيق بين الحماس الرسولي والأخوّة مع غير المؤمنين وأتباع الديانات الأخرى، انطلق البابا من قول القديس بولس: “الحياة عندي هي المسيح”. وأوضح أن الإيمان بالمسيح لا يعني الانغلاق عن العالم، بل الانفتاح عليه بمحبة واحترام. فالمسيح، لا يرسل أتباعه إلى الصراع، بل يدعوهم إلى الغفران والحوار والعناية بالإنسان، مؤكدًا أن إعلان الإنجيل واحترام الآخرين ليسا متعارضين.
وشدد على أن الشهادة للمسيح لا يمكن أن تنفصل عن محبة الإنسان، خصوصًا الفقراء والمرضى والمهمشين. فالرسالة المسيحية تصبح أكثر صدقًا عندما تتحول إلى خدمة ملموسة للآخرين، وإلى بناء للأخوّة والسلام. كما أكد أن الحوار مع من ينتمون إلى تقاليد دينية مختلفة يمكن أن يكون تعبيرًا عن الإيمان والمحبة، مشيرًا إلى أن الكنيسة تحترم ما هو حق ومقدس في الديانات الأخرى.
أما في حديثه حول اكتشاف الدعوة الشخصية، فتناول البابا مشاعر القلق وعدم اليقين التي يعيشها كثير من الشباب بسبب هشاشة المستقبل والعلاقات، والضغوط الاقتصادية والمناخية والدولية، إضافة إلى إرهاق الحياة الرقمية. ودعاهم إلى عدم النظر إلى الهشاشة باعتبارها ضعفًا فقط، بل فرصة لاكتشاف التضامن والشهادة والرجاء.
وأكد أن التمييز الروحي هو مسيرة مستمرة تقوم على الصلاة والإصغاء إلى كلمة الله والخدمة والصمت والتأمل في حياة القديسين. وشجع الشباب على الثقة بأن الله يخاطب كل إنسان باسمه ويدعوه إلى مسيرة فريدة من العطاء والمحبة. ودعا خصوصًا من يشعرون بالدعوة إلى الكهنوت والحياة المكرسة إلى عدم الخوف، مؤكدًا حاجة الكنيسة في فرنسا إلى عطائهم.
وفي كلمته الختامية، ركز البابا على الحرية الحقيقية، مؤكدًا أنها تنبع من علاقة حية بالمسيح، الذي يحرر الإنسان من كل ما يفرغ حياته من معناها. واستند إلى ثلاث دعوات مستوحاة من القديس بولس: “تجنّب، واسْعَ، وجاهد”. أي الابتعاد عن الكبرياء والجشع والعنف، والسعي إلى البر والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة، ثم الجهاد في سبيل عيش الإنجيل.
وشدد البابا على أن هذا الجهاد ليس صراعًا ضد الآخرين، ولا يقوم على العنف أو الاحتقار، بل هو جهاد المحبة التي تبذل ذاتها من أجل الخير والسلام. ودعا الشباب إلى الاقتداء بالقديسين وطلب شفاعتهم، وأن يكونوا صانعي سلام وشهودًا للإنجيل في مجتمعهم.
واختتم رسالته بالتأمل في الصليب والثوب، باعتبارهما علامتين على محبة المسيح وبذله ذاته من أجل خلاص البشر، داعيًا الشباب إلى أن يكونوا “شهودًا منيرين” للمسيح، وأن يحملوا الإيمان والرجاء والمحبة إلى العالم.
(راديو الفاتيكان + فرانس 24)
الرداء المحفوظ في أرجنتوي منذ أكثر من 1200 عام سيُنقل استثنائيًا إلى استاد فرنسا حيث يلتقي البابا لاون 80 ألف شاب.. لاون الرابع عشر أول بابا يكرّم رداء المسيح المقدس في فرنسا
يستعد البابا لاون الرابع عشر لتسجيل محطة غير مسبوقة خلال زيارته الرسولية إلى فرنسا، من 25 إلى 28 سبتمبر، إذ سيكون أول بابا يكرّم “رداء أرجنتوي المقدس”، الذي يُكرَّم بحسب التقليد على أنه الثوب غير المخيط الذي ارتداه السيد المسيح خلال آلامه.
وسيُنقل الرداء، مساء الجمعة 25 سبتمبر، بصورة استثنائية من بازيليك أرجنتوي إلى استاد فرنسا في سان دوني، شمال باريس، حيث يشارك البابا في أمسية صلاة بحضور نحو 80 ألف شاب وشابة، تتراوح أعمارهم بين 17 و35 عامًا.
وتأتي هذه المحطة مباشرة بعد زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى كاتدرائية نوتردام في باريس، حيث من المقرر أن يصلي أمام إكليل الشوك. وبذلك يشهد اليوم الأول من زيارته محطتين مرتبطتين بذخائر آلام السيد المسيح.
ووصفت الجهات المحلية نقل الرداء إلى استاد فرنسا بأنه حدث “استثنائي” و”غير مسبوق” و”تاريخي”، مشيرة إلى أنه لم يُنقل رسميًا خارج البازيليك في العصر الحديث، فيما سيكون لاون الرابع عشر أول بابا يشاهده ويكرّمه.
أكثر من 1200 عام من التكريم
ويعود تكريم “رداء أرجنتوي المقدس” في فرنسا إلى أكثر من 1200 عام. وبحسب التقليد المتوارث، تلقّى الإمبراطور شارلمان الرداء نحو عام 800 من الإمبراطورة إيريني في القسطنطينية، قبل أن يعهد به إلى ابنته تيودرادا، التي كانت رئيسة دير أرجنتوي.
ومع مرور القرون، تحولت أرجنتوي إلى موقع بارز للحج في فرنسا، وقصدها ملوك وملكات لتكريم الرداء، ومن بينهم القديس لويس في القرن الثالث عشر.
وخلال الثورة الفرنسية، عمد كاهن رعية أرجنتوي إلى تقطيع الرداء إلى أجزاء وإخفائها لحمايته من النهب، قبل أن يُعاد جمع معظم أجزائه وخياطتها في القرن التاسع عشر، ويوضع في وعاء خاص لحفظ الذخائر داخل البازيليك.
وفي أبريل ومايو 2025، نظمت أبرشية بونتواز عرضًا استثنائيًا للرداء لمناسبة يوبيل الرجاء، استقطب أكثر من 200 ألف حاج من مختلف الأعمار والخلفيات.
حافظة خاصة لنقل الرداء
واستعدادًا للحدث المرتقب بحضور البابا، يعمل النجار الباريسي جابرييل هوستاشي، البالغ من العمر 39 عامًا، منذ يوليو الماضي، على إعداد حافظة خاصة للرداء المقدس، تتيح عرضه وحمايته خلال نقله إلى استاد فرنسا.
وصُنعت الحافظة من خشب البلوط والزيزفون، وزُوّدت بواجهة زجاجية تتيح رؤية الرداء، فيما يتجاوز ارتفاعها 3.6 أمتار، وصُممت بما يوفر الحماية اللازمة للذخيرة خلال نقلها وعرضها أمام عشرات الآلاف من المشاركين.
أما الرداء نفسه، فهو مصنوع من الصوف البني، ويبلغ طوله نحو 1.2 متر وعرضه قرابة 90 سنتيمترًا. وأظهرت الأبحاث العلمية التي أُجريت عليه نتائج متفاوتة، إلا أنها أشارت إلى أن نسيجه يتوافق مع منسوجات شرقية تعود إلى القرون الأولى من العصر المسيحي، فيما تحمل بقع الدم الموجودة عليه فصيلة الدم نفسها التي أظهرتها الفحوص التي أُجريت على كفن تورينو.
رمز لوحدة المسيحيين
ويحمل الرداء غير المخيط دلالة خاصة مرتبطة بوحدة المسيحيين، استنادًا إلى رواية إنجيل يوحنا عن الجنود الذين لم يمزقوا ثوب المسيح عند الصلب، بل اقترعوا عليه.
ويولي أسقف بونتواز المطران بونوا برتران، الذي يحمل رسميًا صفة “حارس الرداء المقدس”، أهمية خاصة لهذه الدلالة. وستكون الوحدة أحد المحاور الأساسية لأمسية الصلاة في استاد فرنسا، التي تجمع شبابًا من خلفيات اجتماعية وكنسية متنوعة.
ومن المنتظر أن يشارك في أمسية استاد فرنسا عدد كبير من شباب أبرشية سان دوني، المعروفة بأحيائها العمالية وبحضور واسع لسكان من أصول مهاجرة، إلى جانب بعض أصدقائهم من غير المسيحيين، فضلًا عن شباب قادمين من باريس وأبرشيات فرنسية أخرى.
وكان الإقبال على المشاركة كبيرًا، إذ نُفدت بطاقات الأمسية خلال دقائق من فتح باب التسجيل في آب الماضي، فيما تستعد رعايا ومدارس كاثوليكية لتنظيم لقاءات تتيح لمن لم يحصلوا على بطاقات متابعة أمسية البابا عبر الشاشات.
(أبونا)
