زيارة قداسة البابا لاون إلى فرنسا – اليوم الرابع

البابا من ميتز: استدعاء اسم الله لتبرير العنف أو القمع هو تدنيس لاسمه

أكد البابا لاوُن أن استدعاء اسم الله لتبرير العنف أو القمع يشكّل “تدنيسًا لهذا الاسم”، مشددًا على أن الخطاب الديني يجب أن يكون عاملًا لنزع السلاح من القلوب والكلام، وأن يسهم أتباع الديانات في بناء الصداقة والسلام وحماية كرامة الإنسان والحياة، ولا سيما حياة الأشخاص الأكثر ضعفًا وهشاشة.

جاء ذلك في كلمة ألقاها البابا، الاثنين 28 سبتمبر، خلال اللقاء بين الأديان في مركز المؤتمرات “روبيرت شومان” بمدينة ميتز، في اليوم الأخير من زيارته الرسولية إلى فرنسا، بحضور ممثلين عن عدد من التقاليد الدينية.

واستهل البابا كلمته بالإشارة إلى رمزية ميتز، بوصفها “مدينة الحدود والمعابر”، وإلى شخصية روبيرت شومان، أحد الآباء المؤسسين للمشروع الأوروبي، معتبرًا أنه استطاع، بإيمانه وقناعاته الراسخة، أن يحوّل “خطوط الانقسام القديمة إلى جسور رجاء لكل أوروبا”، وأن يصبح شاهدًا للوحدة في التنوع.

وقال إن مسؤولية المؤمنين وأتباع التقاليد الدينية المختلفة تتمثل في الشهادة بأن اللقاء والصداقة وبناء السلام تبقى ممكنة دائمًا مهما كانت الحدود الفاصلة بينهم، مؤكدًا أن الحوار لا ينتقص من الهوية الدينية، بل يعبّر عنها “ببساطة وصدق، بالانفتاح على تنوع الآخر”.

الآخر “وعد لا تهديد”

واستعاد البابا كلمات سلفه البابا فرنسيس في الرسالة العامة “كلنا إخوة”، التي تؤكد أن الحوار بين أتباع الديانات لا يقتصر على الدبلوماسية أو المجاملة أو التسامح، وإنما يهدف إلى “إقامة الصداقة والسلام”، كما أشار إلى تعليم القديس يوحنا بولس الثاني حول الحوار بوصفه مطلبًا متأصلًا في طبيعة الإنسان.

واستشهد كذلك بالفيلسوف الفرنسي بول ريكور، مشيرًا إلى أن الحوار هو الطريق الذي يُنظر من خلاله إلى الآخر بوصفه “وعدًا لا تهديدًا”، ووصفه بأنه “فن للقاء” يحتاج إليه عالم اليوم بصورة ملحّة، ويقف على النقيض من العدوان والعنف.

وفي هذا السياق، قال البابا: “إن استدعاء اسم الله لتبرير العنف أو القمع هو تدنيس لهذا الاسم. فلا شيء مما يشوّه كرامة الإنسان يمكنه أن يدّعي إلهامًا إلهيًا أصيلًا”. وأضاف: “يجب أن يدعو الخطاب الديني باستمرار إلى نزع السلاح من القلوب والكلام”، مؤكدًا أن هذه المسؤولية تقع بصورة مباشرة على عاتق المؤمنين والمسؤولين الدينيين بوصفهم حرّاسًا لتقاليدهم.

الأديان حارسة للحياة

وتوقف البابا عند مسؤولية الأديان تجاه الحياة والإنسان، مؤكدًا أن ثمار التقاليد الدينية لا تظهر فقط في خدمة السلام والأخوّة، وإنما أيضًا في قدرتها على “حماية الحياة ومرافقتها وخدمتها”. وقال: “إن سموّ الحضارة لا يُقاس بإنجازاتها المادية، بل بالطريقة التي تحيط بها بالإنسان، وتحميه، وترفع من شأنه”، مضيفًا أن “الأديان حارسة للحياة” لأنها تؤكد قيمتها المقدسة، وتظهر خصوبتها من خلال حضورها المحب إلى جانب الأشخاص الأكثر ضعفًا وهشاشة.

وتابع: “أن نخدم الحياة يعني أن نحيطها بالرعاية والحضور والحنان، ولا سيما في أوقات المحنة، وحتى النهاية”. ودعا البابا لاوُن أتباع الديانات، انطلاقًا من انفتاحهم على ما يسمو فوق الواقع الأرضي، إلى تقديم “مرجعيات راسخة” للشباب، تساعدهم على بناء الوحدة والشركة مع احترام كرامة كل إنسان وتقديرها.

صانعو سلام وشهود رجاء

وفي ختام كلمته، استشهد البابا برسالته العامة “الإنسانية الرائعة”، مؤكدًا أن الكنيسة تعتبر “جميع الذين يبحثون بصدق عن الحقيقة والخير والجمال رفقاء في الطريق”. ودعا المشاركين إلى أن يكونوا، في المجتمعات التي يعيشون فيها، “صانعي سلام وشهودًا لرجاء لا يكفّ عن النمو في عالمنا”، سائلًا الله أن يعلّم الجميع أن يعيشوا أبناءً له وإخوة وأخوات بعضهم لبعض.

وجاء اللقاء بين الأديان في ميتز في سياق يحمل رمزية خاصة، إذ استضافه المركز الذي يحمل اسم روبيرت شومان، فيما استحضر اللقاء، بعد أربعين عامًا، روح اللقاء التاريخي من أجل السلام الذي عُقد في أسيزي عام 1986 بمبادرة من القديس يوحنا بولس الثاني.

(أبونا)

البابا لاوُن يشدد على ضرورة أحياء جذور أوروبا المسيحية والإنسانية

في أعقاب اللقاء مع ممثلي الديانات شارك البابا في لقاء آخر بعنوان “من جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة”، وألقى مداخلة سلط فيها الضوء على أهمية إحياء جذور أوروبا المسيحية والإنسانية من أجل بناء قارة قائمة على السلام والوحدة والحوار واحترام القانون وكرامة الإنسان. كما شدد على أن مواجهة الحروب والانقسامات والهجرة والتحديات المعاصرة تكون بالتضامن والتعاون والانفتاح على الآخر.

قال البابا: نريد اليوم أن نقوم، بالفكر، برحلة تبدأ من جذور أوروبا، لتصل إلى حاضرها وتتطلع نحو مستقبلها. ونسأل أنفسنا كيف صاغ تاريخ هذه الأرض، التي كان ابنًا لها، شخصية روبرت شومان، وكيف أسهم هو إسهامًا أساسيًا في صياغة أوروبا الحديثة، إلى أن اعتُبر أحد “الآباء المؤسسين” لها. فقد بدأت أوروبا تدريجيًا تكتسب وعيًا بذاتها عبر المراحل التاريخية للحضارة الهلنستية، والإمبراطورية الرومانية، ثم انتشار المسيحية، فاستوعبت، مع مرور الزمن، ثقافات جديدة، من بينها الثقافات الجرمانية والسلافية، حتى شملت مناطق أخذت تتسع أكثر فأكثر.

لذلك، ينبغي فهم أوروبا بوصفها واقعًا ثقافيًا وتاريخيًا قبل أن تكون واقعًا جغرافيًا. فالحضارة الأوروبية هي أيضًا ثمرة لقاءات امتدت لقرون، وإن لم تكن دائمًا سهلة، غير أنه لفهم هذا التاريخ الطويل، لا يمكننا أن نصمت عن أب آخر من آباء أوروبا: القديس بندكتس، الذي أعلنه البابا القديس بولس السادس شفيعًا لأوروبا عام ١٩٦٤، واصفًا إياه بأنه “رسول السلام، وصانع الوحدة، ومعلّم الحضارة”. إن مساعدة الفقراء والمرضى والمسنين؛ وتربية الأطفال والجامعات؛ والمستشفيات والطب؛ والهندسة المعمارية والهندسة؛ وتطور العلوم؛ والقانون وتنظيم المدن والدول نفسها: هي مجالات كثيرة في أوروبا تأثرت بعمق بالقديس بندكتس ورهبانه. لذلك لا يمكن الحديث عن أوروبا من دون ذكر المسيحية.

حوار مفتوح وشفاف ومنتظم مع الكنائس

تابع الحبر الأعظم قائلًا: إن الإشارة إلى ما تدين به الثقافة الأوروبية للمسيحية، بدلًا من أن تكون معيارًا طائفيًا حصريًا، تتيح لنا أن نفهم بصورة أفضل أن الانفتاح على المتعالي هو دائمًا بُعد أساسي في تكوين الإنسان ومصدر حي للحضارة. وفي هذا الصدد، تكتسب المادة 17 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي أهمية كبيرة. فهي تشجع على “حوار مفتوح وشفاف ومنتظم” مع الكنائس، مع احترام “الوضع الذي تتمتع به” في الدول الأعضاء وعدم المساس به. فالعلمانية التي تنظّم حياة الدول لا تعني فقط الطابع غير الطائفي للمؤسسات المدنية، بل تفترض تعاونًا حقيقيًا بين الأطراف، وكذلك احترام السلطات الحكومية والأوروبية لاستقلال الكنائس، وتعزيز حريتها في التنظيم والتعبير والعبادة. ويتعلق الأمر بالعودة إلى مصدر القيم التي تشكل أساس التعايش المدني، أي “القيم العالمية للحقوق غير القابلة للانتهاك وغير القابلة للتصرف للشخص، والحرية، والديمقراطية، والمساواة، ودولة القانون”.

وفي سياق اليوم المتعدد الثقافات، قال البابا، يمرُّ أيضًا تأكيد عالمية هذه القيم، وهو أمر أساسي لبقائها، عبر إعادة اكتشاف جذورنا الخاصة، وعبر الانفتاح على الحوار مع الآخر. إنها حاجة اجتماعية وسياسية إلى إعادة اكتشاف الدور المركزي للإنسان، وإعطاء مضمون فعلي لكلمات مثل الحرية والديمقراطية والسلام والوحدة. ولهذا الغرض، تكتسب دعوة البابا فرنسيس إلى تقدير تعقيد الواقع الأوروبي بكل غنى تقاليده وحساسياته قيمة ثمينة، إذ شدد على “تحدي الانسجام البنّاء، المتحرر من الهيمنة”.

تابع البابا يقول: إن أوروبا المعاصرة تواجه مرحلة جديدة من تاريخها الطويل في مجال اللقاءات، مع وصول أعداد كبيرة من الرجال والنساء إلى القارة، هاربين من ساحات الحروب والاضطهاد، أو باحثين عن حياة أفضل بعيدًا عن الفقر والبؤس. فاستقبال شخص ما يعني دمجه كما لو كان فردًا من الأسرة، ومنحه إمكانية تنمية مواهبه وقدراته وحساسياته، وكذلك الدخول في روح البيت الذي يستقبله.

ثم قال البابا: من المؤكد أن السعي إلى السلام في أوروبا، كما في سائر أنحاء العالم، لا ينبغي أن يُخلط بسلميَّة ساذجة. إن تعزيز السلام هو عمل فاعل. واليوم علينا أن نسأل أنفسنا: هل نبذل حقًا “جهودًا إبداعية” لتعزيز السلام العالمي، أم أننا نحاول ببساطة “احتواء نزيف الحرب” والاستعداد بصورة أفضل للحروب التي نفترض أنها لا تزال آتية؟

واستكمل قداسته: إن القانون الدولي والتعددية يؤكدان المساواة الفعلية بين الدول في علاقاتها المتبادلة، ويشكلان أفضل ترياق لإرادة الهيمنة التي تقف وراء كل نزاع. واليوم، تصبح العلاقات الإنسانية والعلاقات بين الدول أكثر همجية على نحو متزايد. وتُحتقر قيمة الكلمة المعطاة؛ بل يتمُّ التباهي بالكذب والخداع. وبإمكان أوروبا أن تضع حدًا لهذه الدوامة بفضل احترامها للآخر، وهو الاحترام الذي استطاعت أن تنميه وتحافظ عليه، إذ أثبتت بصورة واسعة خلال السنوات الثمانين الأخيرة أنه من الممكن الدفاع عن الآراء والمطالب والمصالح المتباينة، من خلال اللقاء بدلًا من الصدام.

في الختام قال البابا: أفكر في الشباب المدعوين إلى بناء أوروبا اليوم والغد. وأقول لهم: تحلّوا بالشجاعة لكي تعيشوا بمسؤولية رسالة بناء السلام. لا تخضعوا لمنطق العنف والاضطهاد. لا تخافوا من تكوين أسرة، ومن إنجاب الأطفال، ومن الدفاع عن كرامة كل إنسان منذ اللحظة الأولى في رحم أمه وحتى النفس الأخير. كونوا بناة للجماعات ومعكم ستواصل أوروبا، الراسخة في جذورها، ازدهارها وإلهام العالم بأسره.

من جهته، دعا ماكرون أوروبا إلى استعادة “شجاعة آبائها المؤسسين” وعدم الاستسلام لـ”الانكفاء” و”عودة النزعات القومية”، خلال لقاء بحضور البابا لاوُن بشأن البناء الأوروبي والسلام في ميتز.

وأكد في اليوم الأخير من زيارة البابا لفرنسا “هنا ينبض قلب أوروبا منذ ألف عام، أوروبا التي تحمي وتوحّد وتتحرك. أوروبا ذات سيادة وديموقراطية، يحملها مشروع السلام والازدهار هذا.. أوروبا التي يجب أن تستعيد شجاعة مؤسسيها.. الشجاعة لعدم الاستسلام للانكفاء وكراهية الآخر وعودة النزعات القومية التي تفرّق”.

(راديو الفاتيكان + فرانس 24)

البابا يزور دير الكرمل بلورد ويشارك الراهبات مسيرة الصلاة والصمت

توجّه الأحد، قداسة البابا لاوُن، إلى دير الكرمل، بمدينة لورد، والذي يطل مباشرةً على مغارة العذراء مريم، وذلك في إطار زيارته الرسولية إلى فرنسا.

ويعود تاريخ الدير إلى عام 1876، وقد حظي برعاية قداسة البابا بيوس التاسع، ليواصل على مدى عقود رسالته الروحية، محافظًا على حضوره كمنارة للصلاة، والحياة المكرّسة، بمدينة لورد.

وتواصل راهبات الكرمل الحافيات في الدير مسيرتهن الروحية مستلهمات إرث القديسة تريزا الأفيلية، والقديسة تريزا الطفل يسوع، من خلال حياة تقوم على الصلاة، والصمت، والمحبة الأخوية.

تأتي الحبر الأعظم إلى الدير، في إطار محطات زيارته إلى لورد، التي حملت طابعًا روحيًا مميزًا، مؤكدًا أهمية الحياة التأملية، ودورها في إسناد رسالة الكنيسة بالصلاة، والشهادة الصامتة.

(وكالات)

البابا من ميتز: احذروا وهم إعادة التسلّح والعلاقات بين الدول تزداد وحشية

حذّر البابا لاوُن من “وهم إعادة التسلّح” ومن تصاعد منطق المواجهة في العالم، مؤكدًا أن العلاقات الإنسانية والعلاقات بين الدول “صارت أكثر وحشية بشكل متزايد”، وداعيًا إلى حوار صبور و”الشجاعة في التفاوض” والاستعداد للتخلي عن بعض المواقف من أجل خير السلام الأسمى.

جاء ذلك في كلمة ألقاها البابا، الاثنين 28 سبتمبر، خلال لقاء “إلى جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة”، في مركز المؤتمرات “روبيرت شومان” بمدينة ميتز، المحطة الأخيرة في زيارته الرسولية إلى فرنسا، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأساقفة فرنسا ورؤساء عدد من مجالس الأساقفة، وأمير موناكو ألبير الثاني وزوجته الأميرة شارلين، وممثلين عن المؤسسات.

واستُقبل البابا لدى وصوله بتصفيق استمر أكثر من دقيقة، فيما قدّمت جوقة وأوركسترا أوبرا ميتز مقطوعات موسيقية. وجلس إلى جانبه على المنصة الرئيس ماكرون والكاردينال جان مارك أفيلين، رئيس مجلس أساقفة فرنسا.

مجزرة جديدة لا فائدة منها

ومن ميتز، المدينة الواقعة عند ملتقى الطرق الأوروبية والتي تحمل في تاريخها ذاكرة النزاعات والمصالحات بين فرنسا وألمانيا، استعاد البابا إرث المكرّم روبيرت شومان، أحد الآباء المؤسسين لأوروبا، ليطرح سؤالًا حول قدرة القارة على العودة إلى جذورها واستعادة رسالتها في بناء السلام والوحدة.

وقال قداسته إن الحرب عادت إلى الظهور “حتى في أوروبا”، واصفًا إياها بأنها “مجزرة جديدة لا فائدة منها” تحصد يوميًا عددًا لا يحصى من الضحايا المدنيين. وأضاف: “من الضروري أن ننخرط في حوار صبور، ونُظهر الشجاعة في التفاوض، ونكون مستعدين للتخلي عن بعض المواقف من أجل خير السلام الأسمى”.

وشدّد البابا على أن السعي إلى السلام لا يعني “المثالية الساذجة”، بل يحتاج إلى عمل فعلي وجهود تتناسب مع الأخطار التي تهدده، محذرًا في الوقت نفسه من سباق التسلّح. وقال: “يجب أن نحذر من وهم إعادة التسلّح”، مشيرًا إلى أن الدعوات المتكررة إلى زيادة الإنفاق العسكري والخيارات المترتبة عليها تُقدَّم من جانب كثير من الحكام على أنها مبررة بالخطر الذي يمثله الآخرون. وطرح سؤالًا مباشرًا: “هل نبذل حقًا “جهودًا خلاقة” من أجل تعزيز السلام العالمي، أم أننا نسعى فقط إلى “وقف نزيف الحرب” والاستعداد بصورة أفضل لحروب نفترض أنها ستعود؟”.

العلاقات بين الدول “أكثر وحشية”

وفي واحدة من أشد فقرات كلمته، شدّد البابا على ضرورة استعادة احترام القانون الدولي والالتزامات بين الدول، معتبرًا أن القانون الدولي وتعدد الأطراف “يؤكدان المساواة الفعلية بين الدول في علاقاتها المتبادلة، ويكوّنان أفضل ترياق لإرادة الهيمنة التي تقف وراء كل نزاع”.

وقال: “اليوم، صارت العلاقات الإنسانية، والعلاقات بين الدول، أكثر وحشية بشكل متزايد. وصارت قيمة الكلمة المعطاة موضع ازدراء. بل يتباهى الإنسان بالكذب والخداع”. وأشار إلى أن أوروبا تستطيع وضع حد لهذه الدوامة من خلال احترام الآخر، بعدما أثبتت خلال العقود الثمانية الماضية إمكانية الدفاع عن الآراء والمطالب والمصالح المختلفة “باللقاء بدلًا من المواجهة”.

لا يمكن الحديث عن أوروبا من دون المسيحية

وتوقف البابا مطولًا عند الجذور التاريخية والثقافية للقارة، مؤكدًا أنه “لا يمكن الحديث عن أوروبا من دون التطرق إلى المسيحية”، ومستعيدًا دور القديس بندكتس والإرث الرهباني في تشكيل الحضارة الأوروبية، من رعاية الفقراء والمرضى والمسنين إلى التعليم والجامعات والمستشفيات والعلوم والقانون وتنظيم المدن والدول.

وأكد أن الاعتراف بما تدين به الثقافة الأوروبية للمسيحية لا يمثل معيارًا طائفيًا حصريًا، بل يساعد على فهم دور الانفتاح على ما يسمو فوق الواقع الأرضي بوصفه “مصدرًا حيًا للحضارة”. كما دعا إلى إعادة اكتشاف مركزية الإنسان وإعطاء مضمون حقيقي لمفاهيم الحرية والديمقراطية والسلام والوحدة، مع تحقيق توازن بين الحقوق والواجبات والخير العام للمجتمع.

المهاجرون: طرق قانونية وآمنة

وتناول البابا قضية الهجرة، مشيرًا إلى وصول أعداد كبيرة من الرجال والنساء إلى أوروبا هربًا من الحروب والاضطهاد أو بحثًا عن حياة أفضل بعيدًا عن الفقر والبؤس.

وأكد أن “كرامة الإنسان تقتضي توفير مسارات قانونية وآمنة، وتقديم العون والمساعدة، والتعاون الحقيقي لمكافحة المتاجرين بالبشر، وحماية الضحايا الفعلية، واعتماد عمليات جادة للاستقبال والاندماج، ووضع سياسات تسمح لكل إنسان بأن يعيش بكرامة في أرضه”.

وشدد في الوقت نفسه على أن الاستقبال لا يتوقف عند فتح الأبواب، قائلًا إن استقبال الشخص يعني إدماجه “كما لو كان فردًا في العائلة نفسها”، وإتاحة الفرصة له لتنمية مواهبه وقدراته، وكذلك “الدخول في روح البيت” الذي يستقبله.

للشباب: لا تخافوا من المستقبل وتأسيس عائلة

وفي ختام كلمته، وجّه البابا لاون نداءً مباشرًا إلى الشباب، داعيًا إياهم إلى تحمّل مسؤوليتهم في بناء أوروبا والسلام، بدءًا من قلوبهم وعلاقاتهم وعائلاتهم، وصولًا إلى المدارس والجامعات والمدن والبلدان.

وقال: “لا تخضعوا لمنطق العنف والاضطهاد. أحبوا الحياة في كل لحظة، ولا تخافوا من المستقبل”. وأضاف: “لا تخافوا من تأسيس عائلة، ومن إنجاب الأطفال، ومن الدفاع عن كرامة كل إنسان منذ اللحظة الأولى في أحشاء أمه وحتى نَفَسه الأخير”.

كما دعا الشباب إلى العمل من أجل خير جماعاتهم المسيحية، “بما في ذلك بالانخراط في العمل السياسي”، قبل أن يختتم نداءه بالقول: “كونوا بناة الجماعات المسيحية! ومعكم، أوروبا، الراسخة الجذور، ستواصل ازدهارها وإلهام كل العالم”.

(أبونا)

البابا لاوُن يحتفل بالقداس الإلهي مختتمًا زيارته الرسوليّة إلى فرنسا

ترأس قداسة البابا لاوُن، عصر الاثنين، القداس الإلهي في كاتدرائية القديس إسطفانوس في مِتز مختتمًا زيارته الرسوليّة إلى فرنسا وللمناسبة ألقى الأب الأقدس عظة قال فيها يسرّني جدًا أن أترأس هذه الذبيحة الإلهية، التي نكل فيها إلى الرب مسيرة جماعة أبرشية متز، ومسيرة أوروبا بأسرها. في هذه الأرض التاريخية على نهر موزيل، التي لم تتوقف يومًا عن كونها ملتقى للشعوب، والتي كانت حدودًا مؤلمة في أوروبا، يتردد اليوم وعد الله بقوة مميّزة.

تابع الأب في القراءة الأولى، يتحدث النبي أشعيا عن مجيء ملكوت الله بمصطلحات الحق والعدل والسلام. ويستعين بثلاث صور: الصحراء، والحديقة، والبيت. في الصحراء، مكان التقشف والصمت، يُقام الحق، أي الشريعة التي تساعد الإنسان على السير في طريق الخير. وهذه الصورة الصارمة تذكّرنا بأهمية الجوهر والبساطة، اللذين يتيحان لنا أن نعطي الأشياء قيمتها الصحيحة، وأن نتربّى في الوقت عينه على التخلّي والتضحية.

أضاف: أما الصورة الثانية فهي الحديقة، حيث يسود العدل. فإذا كانت الصحراء مكان الجوهر والبساطة، فالحديقة هي مكان الجمال. هناك ماء، وتنفتح البذور، وتنبت البراعم، وتتفتح الأزهار، كلّ منها بنعمتها الخاصة. وهذا هو ثمَر الحياة المستقيمة، التي تتيح للإنسان أن يحقق ذاته تحقيقًا كاملًا، إذ يلتزم بحرية بمخططات الرب.

واستكمل: والصورة الثالثة هي البيت، مكان السلام. ولنلاحظ أنه إذا كانت الصحراء والحديقة سياقين تسود فيهما مبادرة الله، الذي يجعل النبات ينبت وينمو، فإن بناء البيت يتطلب، في المقابل، إسهامًا أكثر مباشرة وأهمية من جانب الإنسان، بتوظيف قواه وكفاءاته، ومن خلال جهد مشترك، أشبه ما يكون بـ “عمل في ورشة بناء”. وهكذا، فإن السلام، وهو عطية من الله، يتطلب جوابًا من البشر، في جهد مشترك. فالبيت، في نهاية المطاف، ليس مجرد بناء من الحجارة، بل هو مكان للحضور الإنساني والمحبة. ومن هذا المنطلق، تذكّرنا الكلمة النبوية بأن الوئام، في عالم مطبوع بالحدود، لا يُبنى إلا بالمحبة التي تعرف كيف تتقاسم الأفراح والآلام، وكيف تشجّع وتغفر، من دون حسابات أو حدود، كما في العائلة.

واستكمل: وهذا ما يحدثنا عنه أيضًا الإنجيل الذي سمعناه للتو. ففيما نشهد اليوم في العالم الكثير من العنف والتلاعب والتعالي، على مستويات مختلفة، يعلّمنا يسوع كيف نحوّل الصحراء إلى واحة، وكيف نغرس الحدائق ونبني البيوت. وهو يدلّنا على الطريق الذي يمرّ عبر المغفرة والرحمة وسعة القلب: “من لطمك على خدك الأيمن فاعرض له الآخر. ومن أراد أن يحاكمك ليأخذ قميصك، فاترك له رداءك أيضا. ومن سخرك أن تسير معه ميلا واحدا. فسر معه ميلين”.

قد تبدو هذه الكلمات لبعض الناس علامة ضعف، أو ربما استسلامًا أمام الشر؛ لكنها ليست كذلك إطلاقًا. فلننظر إلى داخلنا، في العمق، ولننظر من حولنا: ماذا تُنتج في العالم وفي ذواتنا مواقف مثل الانتقام، وردّ الصاع صاعين، والرفض؟ وأي مستقبل للبشرية توحي به العلاقات والأنظمة المطبوعة بالمنطق القاسي الذي تولّده هذه المواقف؟ أنتم، أبناء هذه الأرض التي مزقتها في الماضي صراعات بين الإخوة، تعرفون جيدًا أنه ليس صحيحًا أن من ينتقم هو أقوى من الذي يغفر. وليس صحيحًا أن من لا يتنازل هو أقوى من الذي يسعى إلى المصالحة. وليس صحيحًا أن من يغادر وهو يصفق الباب وراءه هو أقوى من الذي يبذل جهد السير مع الآخرين.

أضاف: إن متز ومنطقة موزيل تشهدان أمام العالم بأسره بأن المصالحة لا تصبح ممكنة إلا عندما نملك شجاعة قطع سلسلة الضغينة. ويتطلب الأمر قوة واتزانًا كبيرًا لكي لا نسمح للشرِّ بأن يغلبنا، ولا سيما عندما تكون الجراح التي أصابتنا عميقة. ولكن أمام الظلم، تكون درب الخلاص الوحيدة للإنسان، المحبة التي تعتني بالآخر وتسعى إلى منحه الثقة، بصرف النظر عن الظروف، حتى أمام التصرفات التي يصعب قبولها. وهكذا، يشكل الحق والعدل والسلام مراحل في مسيرة ارتداد، تبدأ شخصية ثم تصبح، شيئًا فشيئًا، جماعية، من أجل حضارة تحترم الإنسان وخالقه. وليس من قبيل الصدفة أن يعرّف القديس أوغسطينوس سلام المدينة السماوية بأنه شركة متناغمة، فيها يتمتع البشر بالله، وفيه يتمتع بعضهم ببعض. ويتحدث أيضًا عن السلام بين البشر كثمرة “طمأنينة النظام”، حيث يعترف كل إنسان في الآخَر بكرامة ودور فريدين ومقدسين ويحترمهما.

وهنا في مِتز، من الجيّد أن نتذكر أن هذه هي تحديدًا القيم التي بُنيت عليها، على مرّ القرون، أوروبا التي نعرفها، بتراثها الروحي والأخلاقي، قبل تراثها الاقتصادي والسياسي. وكما كان القديس يوحنا بولس الثاني يذكّر بتأثر، فهي تجد جذورها في حياة وعمل رجال ونساء عاشوا تعاليم الإنجيل وبشّروا بها وتقاسموها. ويشهد على ذلك الإسهام الروحي والثقافي، بل وحتى الزراعي والحرفي، الكبير الذي قدمته الحياة الرهبانية إلى تاريخ القارة، وكذلك عمل قديسين أمثال القديس الكبير كروديغانغو، راعي هذه الجماعة الذي لم يكلّ، والذي أعطى هنا بالذات، في “قانون الإكليروس”، شكلًا منظورًا للشركة الكنسية.

أضاف الحبر الأعظم يقول: ومن هناك وصلتنا الأسس الأخلاقية للعالم الذي نعيش فيه: مبادئ مثل أولوية الشخص، وقدسية الحياة البشرية وحرمتها، في جميع مراحلها وفي كل ظرف؛ وحماية حرية الأفراد؛ والأهمية الأساسية للعائلة كأساس للمجتمع؛ والعناية بالفقراء والأشدَّ عوزًا؛ واستقبال الغريب؛ واحترام المسنين. إن كنيستكم المحلية، التي تحفظ الإرث الفريد لحوار خصب بين المجتمع المدني والإيمان، بحكم وضعها الخاص، تتحمل مسؤولية أن تكون مختبرًا حيًا لهذه الأمانة. ولم يكن الحفاظ على الأمانة لهذه الركائز أمرًا سهلًا، حتى بالنسبة إلى الذين سبقونا. ومع ذلك، وبالثبات والمثابرة، تركها لنا آباؤنا إرثًا ثمينًا، ككنوز ينبغي لنا بدورنا أن ننقلها إلى الأجيال المقبلة، وقد أغنيناها بخبرتنا، وبقيمة جهودنا، وبقصص حياتنا.

وأضاف: وتجسّد كاتدرائية هذه المدينة الرائعة، التي نحن فيها، هذا الأمر خير تجسيد: فهي تُعرف باسم “فانوس الله الصالح”، بسبب مساحتها البالغة ٦٥٠٠ متر مربع من النوافذ الزجاجية الملوّنة المصوّرة. ويبدو أن البنّائين أرادوا تقليص الجدران إلى الحد الأدنى، مع إبقائها صلبة ومتينة، لكي يتمكن النور من الوصول بوفرة إلى المؤمنين. وهكذا، يجد الداخل إليها نفسه غارقًا في “إنجيل للفقراء”، غني جدًا، يصبح مصدرًا للصلاة والتأمل من خلال انعكاسات ألف لون. وفي مكان النور هذا، ازداد بريق الزجاج الملوّن التاريخي، في الآونة الأخيرة، بعبقرية مارك شاغال. فأعمال هذا الرسام اليهودي الكبير، المثبّتة في جدران الكاتدرائية، تحوّل “فانوس الله الصالح” إلى رمز مسكوني استثنائي ورمز للحوار بين الأديان. وتقول لنا هذه الكاتدرائية إن نور الرب لا يلغي الخصوصيات، بل يجمع قصصًا وثقافات مختلفة في فسيفساء واحدة رائعة من السلام، وهي حاجة ملحّة في عصرنا الذي تمزقه انقسامات جديدة وصراعات جديدة. وإذ نتأمل هذه النوافذ الزجاجية، نتعلم أن مستقبل أوروبا لا يكمن في التماثل، بل في انسجام الاختلافات، حيث يصبح جرح الماضي شقًا يتسلل منه النور.

وفي هذا نجد رمزًا لهويتنا ككنيسة. فنحن أيضًا نستخدم هيكليات لا معنى لها إلا بمقدار ما تساعدنا على حمل نور الإنجيل إلى العالم. فلولا هذه النوافذ الزجاجية، لما كانت نوافذ كاتدرائية القديس إسطفانوس لتكون أكثر من مساحات تغمرها إضاءة ساطعة مبهرة. أما مع النوافذ الزجاجية، فهي تصبح كتبًا تجمعنا لكي نتذكر قصصًا رائعة، حافلة بالبطولة والخير والرحمة والمحبة والجمال الأخلاقي، ونحن مدعوون بدورنا إلى أن نكون شهودًا أسخياء وشجعانًا لها.

وختم البابا لاوُن عظته بالقول هذه هي الأمنية التي أتقاسمها معكم، بامتنان وثقة، في ختام زيارتي إلى فرنسا، من أجل جماعتكم في متز، المدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن تكون منارة رجاء لهذا البلد، ولأوروبا وللعالم، موكلاً إياها إلى صلوات العذراء مريم وقديسيكم شفعائكم.

(راديو الفاتيكان)

Exit mobile version