زيارة قداسة البابا لاون إلى فرنسا – اليوم الثالث

من مغارة لورد.. البابا لاوُن يرفع صلاة من أجل فرنسا والسلام في العالم

في محطة روحية عميقة، غمرها الخشوع والرجاء، توجّه قداسة البابا لاوُن، في إطار زيارته الرسولية إلى فرنسا، إلى مغارة الظهورات في “ماسابيال” بمدينة لورد، حيث وقف في صمت وصلاة أمام تمثال العذراء مريم. وفي هذا المكان المقدّس، الذي يقصده ملايين الحجاج من مختلف أنحاء العالم، رفع الأب الأقدس صلاة تضرّع إلى “سيدة لورد”، واضعًا بين يديها فرنسا وشعبها، ومسترشدًا برجاء المؤمنين الذين يجدون في حضورها الوالدي عزاءً وقوةً وتجديدًا للرجاء.

وطلب البابا بشفاعة العذراء أن ينعم العالم بعطية السلام، وأن تتراجع لغة العنف والصراعات، وأن يُصغى إلى صرخة الفقراء والمرضى والمتألّمين، كما رفع صلاته من أجل العائلات والشباب، لكي يتجدّد الإيمان في القلوب، ويظلّ نور الإنجيل حاضرًا في حياة الأجيال الجديدة.

قال البابا لاوُن في صلاته: يا سيّدة لورد، يا سيّدة الحبل بلا دنس، في هذا المكان المبارك، الذي خاطبتِ فيه القديسة برناديت، ابنة شعب فرنسا المتواضعة، بهذا القدر من الحنان والرقة، لكي تحملي إلى العالم رسالة منيرة من الصلاة والارتداد والرجاء، نهرع إليكِ بثقة. ولأنكِ الأم التي وهبنا إياها يسوع، ولأنكِ تتنبّهين إلى جميع احتياجاتنا، نتوسّل إليكِ، يا سيّدتنا، من أجل فرنسا، التي أنتِ شفيعتها، والتي أحطتِها طوال قرون كثيرة بحمايتكِ. نالي لشعبها نعمة الوئام الأخوي.

تابع الأب الأقدس: ليعمل أبناؤها على بناء مجتمع متناغم، ينبذ كل عنف وكل كراهية، ويتيح لكل إنسان أن يعمل، وأن يؤسس عائلته، وأن يحقّق حياته حتى نهايتها في الطمأنينة والسكينة. ولتكن الفئات الأكثر بؤسًا والفقراء موضع دعم دائم. نالي لفرنسا قادة حكماء وأسخياء، مستعدين لبذل ذواتهم، وقادرين على مواجهة التحديات، ويرغبون في خدمة الخير العام. وليحفظوها في السلام وسط عائلة الأمم. وليرفعوا صوتها من أجل تعزيز الدفاع عن حقوق الإنسان الأساسية، ومن أجل السلام في العالم، رافضين إلى الأبد منطق الحرب.

أضاف الحبر الأعظم: أيتها العذراء مريم القديسة، نقدّم إليكِ شعب الله السائر في هذا البلد الذي طبعتِه بحضوركِ وقربكِ على مدى العصور. جدّدي إيمان العائلات المسيحية وحماستها، تلك العائلات العزيزة جدًا على قلبكِ، لكي تعيش يومًا بعد يوم في حضور يسوع، وفي نعمته وعضده، وسط الصعوبات التي تجتازها. ولتكن منفتحة بسخاء على الحياة، وليوقظ الله فيها دعوات، ولا سيما الدعوات إلى الكهنوت والحياة المكرّسة. امنحي كنيستكِ في فرنسا أن تدلّ، ولا سيما الشباب، على درب الإنجيل المنيرة، لكي يسهموا في بناء مجتمع عادل وأخوي، وهو المجتمع الذي يتطلعون إليه. وأخيرًا، أيتها الأم المحبّة، نقدّم إليكِ نوايانا الشخصية الأكثر إلحاحًا، ولا سيما نوايا المرضى والمتألّمين، وجميع الذين يرافقونهم، وقد جاؤوا يستمدّون القوة والشفاء من نبع ماسابييل.

وختم البابا لاوُن صلاته بالقول نستودعكِ أحبّاءنا وأمواتنا الأعزّاء. فأزيلي، نسألكِ، كل العوائق التي لا تزال تفصلنا عن ابنكِ الحبيب، واجعلي ملكه يسود في جميع القلوب. آمين.

(أبونا)

البابا يلتقى المرضى في مزار لورد: لا قياس لكرامة الإنسان ولا هي موضع نقاش

أكد البابا لاوُن أن المرضى ليسوا عبئًا على المجتمع، بل يشكّلون قلب الإنسانية النابض وكنزًا ثمينًا للكنيسة، مشددًا على أن كرامة الإنسان لا تتوقف على حالته الصحية، ولا يجوز لأي قانون أن ينتقص منها. كما دعا العاملين في القطاع الصحي إلى التمسك برسالتهم في رعاية الحياة وحمايتها، رافضًا إنهاء حياة المرضى بحجة التعاطف معهم.

جاء ذلك خلال لقائه المرضى ومرافقيهم في مركز “استقبال سيدتنا مريم العذراء” في مزار سيدة لورد بفرنسا، مؤكدًا أن لورد مكان يلتقي فيه الألم بالرجاء.

لا أحد غير مرئي في عيني الله

استهل البابا كلمته بالتذكير بأن الحجاج يقصدون مزار لورد منذ أكثر من 150 عامًا، ليُوكلوا آلامهم الجسدية والنفسية والروحية إلى يسوع بواسطة مريم العذراء. وقال: “هنا، لا يُخفى الضعف، بل يصير مكانًا للقاء مقدّس”.

وتوقف عند موضوع “المزار الرعوي” لهذا العام، المستوحى من تحية الملاك جبرائيل للعذراء مريم، موضحًا أن نظرة الله إلى الإنسان تكشف عن كرامته الفريدة، وأن مريم تنظر إلى كل شخص بوصفه إنسانًا مميزًا، كما تشهد القديسة برناديت خلال ظهورات العذراء في المغارة. وأكد أن هذه النظرة الوالدية تذكّر الجميع بأنه “لا يوجد أحد غير مرئيٍّ في عينَي الله”.

وفي مواجهة المجتمعات التي تميل إلى تجاهل كرامة الحياة الإنسانية، دعا البابا إلى تنمية نظرة ترى في كل إنسان صورة الله الحية، وتفتح الطريق أمام اللقاء والحوار والتضامن. وشدّد على أن قيمة الإنسان تنبع من وجوده نفسه ودعوته إلى الحياة الأبدية، قائلًا: “الإنسان كريم لمجرّد أنّه حيّ، ولأنّ غايته هي الأبديّة. ولا قياسَ لكرامته ولا هي موضع نقاش”.

ما يقرّه القانون ليس بالضرورة أخلاقيًا

وفي رسالة تناولت قضية إنهاء الحياة، توجّه البابا إلى المرضى الذين يعيشون معاناة شديدة، مؤكدًا أن المرض والألم، مهما بلغت قسوتهما، لا يمكن أن ينتقصا من كرامة الإنسان. وقال: “يجب ألا يجعلكم أيّ قانون بشريّ تفقدون الثقة بكرامتكم”.

وأضاف: “بل العكس، باسم هذه الكرامة غير القابلة للتصرّف التي يتمتّع بها الإنسان تحديدًا، يجب رفض تجربة إنهاء الحياة بحجّة تعاطف زائف رفضًا قاطعًا”. وشدّد البابا على أن التشريعات لا تشكّل وحدها معيارًا للحكم الأخلاقي، مؤكدًا: “من المستحيل اعتبار إنهاء الحياة أمرًا طبيعيًّا. ما يقرّه القانون ليس بالضرورة أخلاقيًّا”.

اعتنوا بالإنسان المتألم، لا تقضوا عليه

ووجّه البابا نداءً مباشرًا إلى العاملين في القطاع الصحي، دعاهم فيه إلى استعادة المعنى العميق لدعوتهم المهنية والإنسانية، القائمة على حماية المرضى ومرافقتهم. وقال: “هنا، في لورد، مدينة المرضى والرّجاء، أدعو كلّ جماعة العاملين في مجال الصّحّة إلى أن يتذكّروا المعنى العميق لدعوتهم: أن يعتنوا بإنسانٍ يتألّم، لا أن يقضوا عليه”.

وحثّهم على أن يكونوا خدامًا متحمسين للحياة، مستعيدًا موقفه الذي عبّر عنه في يونيو الماضي أمام أعضاء مؤسسة جيروم ليجون، حين أكد أنه لا يجوز اتخاذ القرارات المتعلقة بحياة الأجنة أو المسنين استنادًا إلى الخوارزميات المختبرية، وأن الطب لا يمكن أن يتحول إلى أداة للموت المبرمج.

وفي المقابل، دعا البابا إلى تطوير مرافق الرعاية الملطفة للآلام، ومواصلة البحث العلمي دون كلل، وتعزيز المرافقة الإنسانية والروحية للمرضى. وأشاد بالخدمة التي يقدمها الأطباء والممرضون وحَمَلة النقّالات والمرشدون الروحيون وفرق الرعاية الرعوية في لورد، مؤكدًا أن رسالتهم لا تقتصر على الاعتناء بالأجساد، بل تشمل أيضًا رعاية النفوس. وأعرب عن امتنانه للعاملين في القطاع الصحي وأعضاء جمعيات الاستقبال والضيافة، تقديرًا لتفانيهم في خدمة المرضى وصون كرامتهم.

أنتم كنز ثمين للكنيسة

واختتم البابا لاون كلمته برسالة مؤثرة وجّهها مباشرة إلى المرضى، مؤكدًا مكانتهم في الكنيسة والمجتمع، ومعبّرًا عن قربه الروحي منهم ومن جميع الذين يتعذر عليهم الحضور بسبب المرض. وقال: “أيّها الإخوة والأخوات المرضى الأعزّاء، أودّ أن أقول لكم: أنتم لستم عبئًا، بل أنتم قلب إنسانيّتنا النّابض، وكنز ثمين للكنيسة”.

وأكد أنه يرافقهم بالصلاة في المحن التي يجتازونها، مستذكرًا بصورة خاصة المرضى الذين يتابعون اللقاء من منازلهم أو غرف المستشفيات. وفي ختام اللقاء، أوكل البابا جميع المرضى إلى محبة العذراء مريم الوالدية، طالبًا منها أن تمنحهم تعزية ابنها يسوع، قبل أن يمنحهم بركته الرسولية.

(أبونا)

البابا لأساقفة فرنسا: ليكن صوت الكنيسة شجاعاً وحراً في النقاش العام

في إطار زيارته توجه قداسة البابا لاوُن، الأحد، الى مزار سيدة لورد حيث التقى مجلس أساقفة فرنسا وبعد الترحيب القى كلمة قال فيها: يسرّني أن ألتقي بكم في هذا المكان الذي باركه الله، على بُعد خطوات من المغارة التي ظهرت فيها سيّدتنا مريم العذراء للقدّيسة برناديت، وحيث تجتمعون بانتظام في جمعيّاتكم العامّة. باختياركم هذا المكان، تعبّرون بوضوح عن رغبتكم في وضع كنيسة فرنسا تحت حماية أمّ الله، مريم العذراء الكلّيّة الطّهارة، لكي تقودها بأمان أكبر بحسب مشيئة الرّبّ يسوع. في الواقع، لا يوجد طريقة أفضل للوصول إلى يسوع من المرور بمريم العذراء. كلّ شيء فيها يقودنا إلى ابنها.

تابع البابا: بهذه الطّريقة تواصلون الإرث الذي تلقّيتموه من آبائكم في الإيمان، منذ الأزمنة الأولى لإعلان بشارة الإنجيل في بلادكم. ترسَّخ تكريم أمّ الله فيكم ترسّخًا عميقًا، حتّى إنّ فرنسا سُمّيت، بعد وقت قصير، “بمملكة مريم” (بيوس الحادي عشر، Galliam, Ecclesiae filiam primogenitam، 2 مارس ١٩٢٢). تجلّت هذه العلاقة المميّزة بين أمّتكم وبين القدّيسة مريم العذراء بصورة فريدة عندما كرّست فرنسا نفسها لها رسميًّا في ١٠ فبراير ١٦٣٨، كما استطعت أن أرى أوّل أمس في لوحة جميلة في كاتدرائيّة نوتردام في باريس. وعندما أشار سلفي البابا بيوس الحادي عشر، إلى هذا النّذر، أعلن سيّدة الانتقال شفيعةً لفرنسا (راجع المرجع نفسه).

تحلّوا دائمًا بشجاعة الاعتراف بالأخطاء بمحبّة الحقيقة

وقال قداسته: إن مسيرة الثّقة والحنان الطّويلة هذه مع مريم العذراء، التي ميّزتها تقوى كبيرة، وأماكن كثيرة تحمل اسمها، وابتهالات كثيرة استُجيبت، وأحيانًا وسط الدّموع، والمزارات والحجّاج والكاتدرائيّات، تواصل مسيرتها متجاوزةً كلّ عقبة، وتشهد للإيمان الحيّ لشعب الله الموكول إليكم. أمام التّحدّيات الهائلة في زمننا، أدعوكم، أيّها الإخوة الأعزّاء، إلى أن تُظهروا الشّجاعة والجرأة والإبداع الرّسوليّ. فلا يصيبكم الإحباط من الأخطاء والتناقضات، ولا حتّى من السّقطات التي ميّزت تاريخ هذا الشّعب السّائر في مسيرة إيمانه. تحلّوا دائمًا بشجاعة الاعتراف بالأخطاء بمحبّة الحقيقة، وبالعزم على مداواة الجراح بمحبّة الرّاعي الصّالح، الذي يعرف خرافه ويدعو كلّ واحد منها باسمه. انهضوا إذًا برجاء، ولا تتعبوا أبدًا من إعلان الإنجيل!

تابع قداسته: تاريخ الكنيسة في فرنسا غنيّ، غنيّ جدًا. إنّه تاريخ جميل وخَصب، ومن المهمّ الرّجوع إليه من أجل بناء مستقبل جماعاتكم المسيحيّة، وكذلك مستقبل بلادكم. شهدت الكنيسة على البناء التّدريجي لأمّتكم، بل وأسهمت فيه أيضًا، ولا تزال اليوم أيضًا جزءًا لا يتجزّأ من ثقافتها وهويّتها ورسالتها في العالم. لذلك، يحقّ لصوتها كلّ الحقّ في أن يكون حاضرًا في النّقاش العام في فرنسا، فهي، بطبيعتها، تتمتّع بسلطة نبويّة. حتّى إن لم يُفهم صوتها دائمًا، فإنّه يبقى صوتًا مرتقبًا. وحتّى إن لم يُؤخذ به دائمًا، لا سيّما في المسائل الأساسيّة التي تمسّ أسس الحضارة، فإنّه مع ذلك ضروريّ، فلا تشكّوا في ذلك! أعرف عزيمتكم وشجاعتكم، وقد أظهرتموهما بوضوح في النّقاشات الأخيرة حول نهاية الحياة، وأدعوكم إلى أن تثابروا، مع جميع الأشخاص ذوي الإرادة الصّالحة الذين يدافعون عن القِيَم نفسها.

وأضاف: أنتم تعيشون حاليًّا في سياق علمانيّة شديد الخصوصيّة، هو ثمرة تاريخ مضطرب، صار اليوم مسالمًا، لكن يجب عليه أن يُتيح للكنيسة أن تقوم برسالتها. إنّ التوازن الذي تمّ التوصّل إليه بصعوبة، بدأ يوُضع تدريجيًّا موضع تساؤل، كما يحدث في أماكن أخرى من العالم الغربيّ، وهذا يجب ألّا يقودكم إلى الاستسلام. أدعوكم إلى أن تكونوا يقظين، لتدافعوا عن حرّية الكنيسة وحقّها في إعلان البشارة، والتّربية على الحرّيّة الحقيقيّة، وممارسة العبادة العلنيّة، لكي تتمكّن المحبّة، بصورة مرئيّة، من أن تُمارَس باسم يسوع المسيح.

تابع البابا لاوُن بالقول: كتب إليكم البابا فرنسيس في مناسبة إعادة افتتاح كاتدرائيّة نوتردام في باريس ما يلي: “أدعو جميع المعمّدين الذين سيدخلون هذه الكاتدرائيّة بفرح إلى أن يشعروا باعتزاز مشروع، وأن يستعيدوا إرثهم الإيمانيّ. هذا البيت، الذي يسكنه أبونا السّماوي، هو بيتكم: وأنتم حجارته الحيّة. فالذين سبقوكم في الإيمان بنوه من أجلكم” (رسالة في مناسبة إعادة افتتاح كاتدرائيّة نوتردام في باريس، ٢١ نوفمبر ٢٠٢٤). أن تشجّعوا المعمّدين على” استعادة إرثهم الإيمانيّ“هو اليوم جزء من رسالتكم كرعاة، من أجل تجديد الكنيسة في فرنسا.

أضاف قداسته: ما أعطاه الرّبّ يسوع لكم، أيّها الكاثوليك في فرنسا، ابنة الكنيسة البكر، هو حقًّا سبب لتقديم شكر كبير: سلسلة متواصلة من القداسة تمتدّ إلى أيّامنا، وازدهار الفنون والآداب والعلوم، بدافع من الإيمان وعمل الرّوح القدس، ونضج لا رجعة فيه في الوعي بقيمة الإنسان غير القابلة للتصرّف، وبكرامته، وبضرورة حماية حقوقه وحرّياته، ولا ننسى ذلك الاندفاع الرّسوليّ الهائل الذي أثمر حتّى أقاصي العالم. نعم، يسوع أعطاكم الكثير… ويريد، في محبّته، أن يواصل تقديم عطاياه لكم…

واستكمل البابا: لهذا، أضاف البابا فرنسيس، وهو ينظر إلى المستقبل، إلى الكلمات التي سبق أن اقتبستها: “لتكن إذًا ولادة هذه الكنيسة الرّائعة من جديد علامةً نبويّة لتجديد الكنيسة في فرنسا” (المرجع نفسه). وأنا أيضًا أؤمن بأنّ الزّمن قد نضج الذي فيه ينتظر كثيرون من معاصرينا أن يسمعوا صدى رسالة الإنجيل المفعمة بالرّجاء، وأن يروا أمام عيونهم نور المسيح القائم من بين الأموات يتألّق. إنّ رسالة السّلام التي مصدرها يسوع هي موضع انتظار أكبر، ولا سيّما أنّنا نلاحظ، في فرنسا كما في أماكن أخرى من الغرب، استقطابًا مقلقًا، وتراجعًا في الأخوّة والمودّة وجودة الحياة الاجتماعيّة، فضلًا عن تصاعد العنف وعدم المساواة والفقر. أمام هذه التّحديّات، تحلّ خيبة الأمل والضّياع محلّ الوعود الكاذبة بعالم يكون الله فيه غائبًا، أو محصورًا في المجال الخاص، ويُنظر فيه إلى عون نعمته على أنّه غير ضروري” لبناء المدينة“. مع ذلك، حذّر يسوع تلاميذه بوضوح، قال: “لِأَنَّكُم، بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئًا” (يوحنّا ١٥، ٥).

وتابع: الشّباب والشّابات، بصورة خاصّة، يحملون تطلّعات كبيرة. وهُم، إذ يقلقهم العالم الذي يُترك لهم إرثًا، ويملؤهم القلق إزاء المستقبل، مستعدّون للالتزام بشجاعة وسخاء بكلّ ما هو جميل وحقّ وصالح. أرشدوهم إلى طريق الإنجيل: الطّريق الوحيد الآمن، وإن اقتضى الالتزام والجهود، فقد أثمر من قبل ثمرًا كثيرًا في هذه الأرض الفرنسيّة. وقد استحضرنا يوم أمس، في باريس، العلامة المشجّعة في مسيرة الموعوظيّة، التي تشمل بصورة رئيسيّة الشّباب والشّابات البالغين. إنّها نعمة وفرح لكلّ شعب الله. من المهمّ أن تحرصوا على مرافقة هذه النّعمة، ولا سيّما باستقبال الشّباب والشّابات في جماعات مسيحيّة حيّة تمارس المحبّة وتعيش التّضامن، وبتعليم عقائدي راسخ ومتجذّر في كلمة الله، تسمح لهم بأن يواجهوا الاعتراضات والشّكوك.

برنامج واحد لا غير

أضاف الأب الأقدس من أجل تحقيق هذا التّجديد في الرّجاء، في إطار اندفاعة رسوليّة جديدة في فرنسا، وهو ما أتمنّاه بشدّة، هناك برنامج واحد لا غير، وهو دائمًا نفسه: أن نعرّف بيسوع المسيح وأن نجعل النّاس يحبّونه، بصورة أصيلة، وبشغف، دائمًا ودائمًا… في السّياق الرّاهن، تواجهون بعض التّحديّات المهمّة. ويأتي تحدّي التّربية في مقدّمة هذه التّحديّات. من الجدير بالثّناء جدًّا أن تتعمّق جمعيّاتكم العامّة في هذا الموضوع. فالتّربية رسالة واسعة جدًا، تمسّ مجالات متعدّدة من الحياة. أودّ أن أشير ببساطة إلى مجال التّعليم الكاثوليكيّ، الذي يجري التّشكيك في” طابعه الخاصّ“ في هذه الأزمنة. من الإيجابي أن تكون مؤسّسات التّعليم الكاثوليكي منفتحة على نطاق واسع أمام الذين لا يشاركوننا إيماننا. فهذا الاستقبال السّخيّ، مع احترام حرّيّة ضمير كلّ شخص، يبشّر بثمار كثيرة للجميع وللمجتمع وللكنيسة نفسها. لكن التّعليم الكاثوليكيّ لا يستطيع، بأيّ حالّ من الأحوال، أن يتخلّى عن مشروعه التّربوي الخاص، وهو مشروع يتمحوّر حول المسيح ويهدف إلى إنماء الإنسان إنماءً متكاملًا في جميع أبعاده: الرّوحيّة والثّقافيّة والفكريّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة. لذلك، يجب ألّا يستغرب أحد الفرصَ المتاحة، داخل كلّ مؤسّسة كاثوليكيّة، للقاء يسوع المسيح والاصغاء إلى كلمته. وبالأحرى، يجب ألّا يجد أيّ تلميذ نفسه مهمّشًا في صفّه لمجرّد أنّه يؤمن بيسوع.

انخفاض محزن في الدّعوات إلى الحياة المكرّسة

أضاف الأب الأقدس: يهمّني أيضًا أن أذكر الانخفاض المحزن في الدّعوات إلى الحياة المكرّسة، ولا سيّما إلى الحياة التأمّلية. علِمت بألم بإغلاق جماعات رهبانيّة عريقة ومرموقة، أو باقتراب إغلاقها، كان لها تأثير كبير في التّاريخ. أن نكرّس حياتنا لاتّباع يسوع في مسيرة بهذه المتطلّبات يفترض، بالإضافة إلى عمل النّعمة، سخاءً خاصًّا، وتجذّرًا راسخًا في الإيمان، وحياةً داخليّة مكثّفة، وقربًا مميّزًا من يسوع. هذه الشّروط نجدها بصورة أكبر في العائلات المسيحيّة، التي تستحقّ أقصى درجات العناية والدّعم. إنّ تعميق حياة الإيمان وتجذيرها داخل العائلات هو بالتّأكيد مفتاح سيسمح بحلّ كثير من الأزمات التي تجتازها الكنيسة ومجتمعاتنا. في الواقع، في داخل العائلات، نتعلّم الحياة المشتركة، واحترام الآخر، وقبول الاختلاف، والدّعم المتبادل، والسّخاء، ومجانيّة بذل الذّات، وروح التّضحيّة. لعلّ هذا هو التّحدّي الرّئيسيّ الذي يجب أن نواجهه: أن يحيا يسوع كاملة في العائلات الكاثوليكيّة في فرنسا، وأن ينيرها بحضوره!

تابع الأب الأقدس: يضاف إلى هذه المسائل تحدٍّ آخر قد يثير قدرًا من القلق بشأن المستقبل، وهو تحدّي الوَحدة. في هذا الصّدد، اسمحوا لي أن أذكّر كم هو مهمّ وجوهريّ أن يجتمع تلاميذ يسوع في المحبّة، كما طلب هو من أبيه: “فَلْيكونوا بِأَجمَعِهم واحِدًا، لِيُؤمِنَ العالَمُ بِأَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني” (يوحنّا ١٧، ٢١). الكنيسة في فرنسا قطيع صغير، وعليها أن توحّد قواها من أجل الرّسالة. فالانقسامات الإيديولوجيّة تجعل شهادتها باطلة. وقد وُجدت التوتّرات دائمًا في تاريخ الكنيسة، لكنّه تحديدًا عندما تظهر هذه التوتّرات يزداد تقديرنا إلى عطيّة الوَحدة. هذه الوَحدة ليست تسوية مسطّحة (أي إزالة الفروق الشّخصيّة)، بل تجعل كلّ حساسيّة كاثوليكيّة أصيلة تتلاقى بصورة طبيعيّة في اعتراف مشترك بالإيمان، وذلك بالطّاعة للرعاة الشّرعيين، ولا سيّما لخليفة بطرس، الذي هو “مبدأ وأساس دائم ومرئي لوَحدة الإيمان والشّركة” (المجمع الفاتيكاني الثّاني، الدّستور العقائدي، نور الأمم، ١٨). إنّها وَحدة ديناميكيّة تتغذّى من تقليد الكنيسة، من الآباء حتّى المجمع الفاتيكاني الثّاني، ومن سُلطة الكنيسة التّعليميّة اللاحقة للمجمع. وهي أيضًا تغتني بالحوار المتبادل، انطلاقًا من الإيمان، وفق أسلوب سينودسيّ نسعى إلى تعميقه في هذه الأيّام الأخيرة.

وختم البابا لاون كلمته بالقول أيّها الإخوة الأعزّاء، الكنيسة في فرنسا عزيزة على قلب البابا. كم أتمنّى أن أنقل إليكم مشاعر الحماس والرّجاء التي تملأني عندما أفكّر فيكم! شعب الله في فرنسا، الغنيّ بجماعات حيّة وأخويّة ومنفتحة على العالم، والغنيّ بشباب متّقد وملتزم بمبادرات متعدّدة، والغنيّ أيضًا بإرث يسنده، وفي الوقت نفسه، يحمّله مسؤوليّة، سيواصل، وأنا واثق من ذلك، رسالته بحماس واندفاع، في إعلان يسوع المسيح وجعل النّاس يحبّونه، ”لكي تكون للعالم الحياة“. أوكل مجلسكم، وجماعاتكم الأبرشيّة، وبلدكم إلى حماية سيِّدتنا مريم العذراء الوالديّة، سيِّدة لورد، وأمنحكم بفرح البركة الرّسوليّة.

(راديو الفاتيكان)

البابا: لا يجوز للتعليم الكاثوليكي أن يتخلّى عن مشروعه المرتكز على المسيح

أكد البابا لاوُن أن التعليم الكاثوليكي لا يستطيع التخلّي عن هويته ورسالته التربوية المرتكزة على المسيح، مشددًا على ضرورة أن تتيح المؤسسات التعليمية الكاثوليكية للطلاب فرصة التعرّف إلى يسوع المسيح والإصغاء إلى كلمته، وألا يتعرض أي طالب للتهميش بسبب إيمانه.

جاء ذلك خلال لقائه أساقفة فرنسا، الأحد، في مزار سيدة لورد، حيث تطرق إلى التحديات التي تواجه التعليم الكاثوليكي، مشيرًا إلى أن “طابعه الخاص” بات موضع تشكيك في الوقت الراهن.

وأشاد البابا بانفتاح المؤسسات التعليمية الكاثوليكية على الطلاب الذين لا يشاركون الكنيسة إيمانها، مؤكدًا أن هذا الانفتاح، القائم على احترام حرية الضمير، يعود بالفائدة على الجميع، وعلى المجتمع والكنيسة نفسها.

لكنه شدّد على أن هذا الانفتاح لا يعني التخلّي عن الهوية المسيحية للتعليم، قائلًا: “لكن التعليم الكاثوليكي لا يستطيع، بأي حال من الأحوال، أن يتخلّى عن مشروعه التربوي الخاص، وهو مشروع يتمحوّر حول المسيح ويهدف إلى إنماء الإنسان إنماءً متكاملًا في جميع أبعاده: الروحيّة والثقافيّة والفكريّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة”. وأضاف: “لذلك، يجب ألا يستغرب أحد الفرص المتاحة، داخل كلّ مؤسسة كاثوليكيّة، للقاء يسوع المسيح والإصغاء إلى كلمته”.

واختتم البابا لاوُن حديثه عن التعليم الكاثوليكي بالتأكيد على ضرورة احترام إيمان الطلاب داخل المؤسسات التعليمية، قائلًا: “وبالأحرى، يجب ألا يجد أيّ تلميذ نفسه مهمّشًا في صفّه لمجرّد أنّه يؤمن بيسوع”.

(أبونا)

البابا يدعو إلى صلاة المسبحة طوال أكتوبر من أجل وقف الحروب

وجّه البابا لاوُن نداءً إلى جميع المؤمنين والجماعات المسيحية في العالم لتلاوة صلاة المسبحة الوردية طوال شهر أكتوبر المقبل، على نية وقف الحروب وإحلال السلام بين الشعوب المتنازعة، داعيًا إلى مرافقة الصلاة بأعمال ملموسة من التوبة والرحمة، والالتزام بتعزيز الحوار والمصالحة.

جاء ذلك في ختام القداس الإلهي الذي ترأسه، الأحد 27 سبتمبر، في مرج مزار سيدة لورد بفرنسا، حيث أوضح أن وجوده في هذا المزار المريمي يدفعه إلى توجيه نداء عزيز على قلبه، مستذكرًا ظهور العذراء مريم للقديسة برناديت وهي تحمل المسبحة الوردية، وكيف قادت صلاتها.

وأشار البابا إلى أنه يشعر، وهو موجود في المكان الذي شهد هذه الظهورات، وكأنه يتلقى من العذراء نفسها دعوة إلى الصلاة، ولذلك يدعو المؤمنين في مختلف أنحاء العالم إلى تخصيص شهر أكتوبر لصلاة المسبحة الوردية، بنية خاصة من أجل إنهاء الحروب وإحلال السلام. وشدّد على ضرورة مرافقة هذه الصلاة بأعمال ملموسة من التوبة والرحمة، مع الالتزام الدائم بتعزيز الحوار والمصالحة، واختتم نداءه طالبًا شفاعة العذراء مريم.

(أبونا)

البابا من مزار سيدة لورد: لن تعودوا كما أتيتم بل ستعودون رسلًا للرجاء

دعا البابا لاوُن المؤمنين إلى التوبة وتجديد حياتهم الروحية، مؤكدًا أن الرجاء المسيحي قادر على أن يولد في قلب الألم والمعاناة، وأن المرضى يحتلون مكانة أساسية في حياة الكنيسة ورسالتها. كما شدّد على ضرورة أن تبدأ الكنيسة مسيرة التوبة من ذاتها، وأن تتحلى بالشجاعة للاعتراف بأخطائها ومداواة جراحها.

جاء ذلك خلال القداس الإلهي الذي ترأسه، صباح الأحد الماضي 27 سبتمبر، في مرج مزار سيدة لورد بفرنسا، في اليوم الثالث من زيارته الرسولية إلى البلاد، بمشاركة حجاج ومؤمنين قدموا من فرنسا ومختلف أنحاء العالم. واستهل البابا عظته بالتعبير عن فرحه بهذا اللقاء، قائلًا إنه يرى في الحجاج المجتمعين أمامه وجه الكنيسة الجامعة، داعيًا إياهم إلى حمل تعزية لورد إلى بيوتهم ورعاياهم وأحبائهم.

اليوم، لا غدًا، يجب أن نتوب

انطلق البابا في عظته من القراءات الليتورجية ورسالة العذراء مريم إلى القديسة برناديت، واضعًا الدعوة إلى التوبة في صميم الحياة المسيحية، ومؤكدًا أن الله يريد للإنسان أن يحيا ويعود إليه. وقال: “اليوم، لا غدًا، يجب أن نتوب. اليوم هو وَقت القبول، يوم الخلاص”، موضحًا أن التوبة تعني التخلي عن طرق الضلال واختيار طريق الحياة، والانفتاح على الفرح الحقيقي الذي لا يزول.

واستعاد البابا كلمات العذراء مريم للقديسة برناديت: “لا أعدك بأن تكوني سعيدة في هذا العالم، بل في العالم الآخر؟”، مشيرًا إلى أن هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في المجتمعات المعاصرة التي تسعى إلى التقدم والرفاه المادي، لكنها قد تنسى أحيانًا أفق الحياة الأبدية. وأكد أن لورد تذكّر العالم بكرامة الحياة البشرية وقدسيتها، ولا سيما في مواجهة التيارات التي تسعى إلى إعادة تحديد قيمة حياة الإنسان في حالات المرض والألم والشيخوخة.

وقال: “أمام التيارات الراهنة التي تسعى إلى إعادة تحديد قيمة الحياة البشريّة أمام المرض أو الألم أو الشّيخوخة، تقف مغارة ماسابييل مزارًا للرجاء المسيحي”. وأضاف أن العكازات والكراسي المتحركة والدموع الخفية ليست عوائق أمام محبة الله، بل إن لورد مكان يُستقبل فيه الإنسان بكل ضعفه، ويُحترم احترامًا كاملًا، ويختبر فيه محبة الله اللامتناهية.

التوبة تبدأ من قلوبنا

وتوقف البابا لاوُن عند نداء العذراء مريم الذي وجّهته إلى القديسة برناديت في لورد: “التوبة! التوبة! التوبة!”، مشيرًا إلى أن هذه الدعوة لا تتعلق بخلاص الإنسان الشخصي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى الصلاة والتوبة من أجل الخطأة والعالم بأسره. وربط الأب الأقدس هذه الرسالة بالنزاعات المتزايدة التي يشهدها العالم، متسائلًا: “فكيف لا تشعر قلوبنا بأنّها المعنيّة أمام النزاعات المتزايدة انتشارًا، التي تدمّر حياة كثير من الأبرياء؟”.

وشدّد على أن جذور الشر تنبع من قلب الإنسان، وأن مسؤولية التغيير تبدأ من كل فرد، قائلًا: “لذلك، يجب أن تتغيّر قلوب البشر، بدءًا من قلبنا”. وأوضح أن التوبة ليست مجرد ممارسة فردية، بل عمل نابع من المحبة والتضامن مع البشرية جمعاء، ومن الرغبة في إصلاح ما أحدثته الخطايا من جراح.

على الكنيسة أن تتحلى بالشجاعة للاعتراف بأخطائها

وفي جانب بارز من عظته، أكد البابا أن الدعوة إلى التوبة تشمل الكنيسة نفسها، وأن عليها أن تبدأ مسيرة التجدد من داخلها. وقال: “ضرورة التّوبة هذه تشمل الكنيسة نفسها في حجّها على الأرض. عليها أن تتحلّى بالشّجاعة لكي تعيش هذه التّوبة أوّلًا”.

وأضاف: “ولكي تبرأ من الجراح العميقة، ومن أوجه عدم الأمانة، ومن الضّلالات المؤلمة التي ارتُكبت في داخلها، يجب أن نضع أنفسنا بتواضع تحت نظرة الله المطهّرة”. وشدّد البابا على أن الاعتراف بالأخطاء شرط أساسي للنمو الروحي، مستشهدًا بالقديس أغسطينس الذي دعا المؤمنين إلى عدم الاكتفاء بما بلغوه، بل مواصلة السعي إلى التجدد والتقدم في الحياة المسيحية.

للمرضى: أنتم حقًا في قلب الكنيسة

ووجّه البابا رسالة خاصة إلى المرضى الذين قصدوا مزار لورد، مؤكدًا أن آلامهم ومعاناتهم، عندما يعيشونها بروح التقدمة والاتحاد بآلام المسيح، يمكن أن تصبح مشاركة في عمل الفداء الذي يحتاج إليه العالم.

وقال مخاطبًا المرضى: “أيّها المرضى الأعزّاء، الذين تعرفون الألم، وأنتم كثيرون هنا في لورد، لديكم إمكانيّة أن تعيشوا آلامكم وأوجاعكم بروح التّقدمة هذه، لكي تدخلوا في ذلك الطّريق، طريق الفداء، الذي يحتاج إليه العالم كثيرًا”.

وأضاف مؤكدًا مكانتهم في حياة الكنيسة: “بهذا المعنى، أنتم حقًّا في قلب الكنيسة، ودوركم لا غِنَى عنه”.

وبذلك، وضع البابا المرضى والمتألمين في صميم رسالة الكنيسة، مشددًا على أن الألم الذي يُعاش بالإيمان يمكن أن يتحول إلى شهادة للرجاء والمحبة.

ستعودون رسلًا للرجاء

واختتم البابا عظته برسالة رجاء وجّهها إلى الحجاج، داعيًا إياهم إلى العودة من لورد حاملين ثمار حجهم إلى بلدانهم وأبرشياتهم وعائلاتهم، ليكونوا شهودًا لمحبة الله وحنانه. وقال: “أيها الحجاج، أيها الإخوة والأخوات، لن تعودوا من لورد كما أتيتم إليها. بل ستعودون رسلًا للرجاء”. وأضاف: “هذه هي معجزة هذا المكان: أن يُوقِظ فرح الرّجاء في قلب المحنة والألم بالتحديد”.

ودعا البابا لاوُن المؤمنين إلى السير بثقة نحو المستقبل، مستندين إلى صلاة المرضى ومحبة العذراء مريم، واختتم عظته بالقول: “لا تخافوا عواصف العالم: والدة الله القديسة تسهر على طريقكم، وتحيط الكنيسة بثوب حنانها، وبكونها نجمة الصباح الساطع، تهدي خطواتكم لكي تولدوا، في الفرح، في حياة ابنها يسوع”.

(أبونا)

البابا يختتم زيارته إلى لورد بتطواف الشموع: ليبقَ نور الرجاء مشتعلًا في حياتنا

اختتم البابا لاوُن زيارته إلى مزار سيدة لورد في فرنسا، مساء الأحد، بمشاركته في صلاة المسبحة الوردية والتطواف بالشموع، وسط عشرات الآلاف من الحجاج الذين حملوا الشموع المضاءة، ورفعوا الصلوات والترانيم إلى العذراء مريم، في مشهد إيماني شكّل المحطة الختامية لزيارته إلى المزار المريمي.

واختار البابا أن يشارك في التطواف حاجًا بين الحجاج، بدلًا من ترؤسه من شرفة مطلة على ساحة بازيليكا الوردية، كما فعل سلفاه القديس يوحنا بولس الثاني والبابا بندكتس السادس عشر. وانطلق التطواف من أمام مغارة ماسابييل، حيث بدأ البابا حجّه إلى لورد في اليوم السابق، وسار المؤمنون خلف شخص العذراء المتوّجة المضاء، متأملين في أسرار الفرح، فيما ترددت صلاة السلام الملائكي بالفرنسية والإيطالية والإنجليزية والإسبانية.

ووصل البابا إلى الساحة الأمامية لبازيليكا الوردية، حيث ألقى كلمته مستذكرًا طلب العذراء مريم إلى القديسة برناديت بأن يأتي المؤمنون إلى لورد في تطواف. وقال: “كم يبعث على التأثّر أن نرى شعب المؤمنين، جيلًا بعد جيل، يستجيب بمحبّة وثقة لدعوة مريم العذراء الحنونة. وكم هو مُعزٍّ أن نسمع المسيحيين ينشدون ترانيم مفعمة بالحماسة والإيمان، ويسيرون، وفي أيديهم الشموع المضاءة، نحو أمهم السماويّة، الأم التي وهبنا إياها يسوع على الصليب”.

نور الرجاء لا يفارقنا

وتوقف البابا عند المعنى الروحي للشموع التي حملها الحجاج، مؤكدًا أنها ترمز إلى الرجاء الذي يرافق المؤمنين وسط محن الحياة. وقال: “هذا النور الذي يهدينا ويشدّنا هو نور الرجاء الذي لا يفارقنا أبدًا، حتى ونحن نسير في هذه الحياة، التي تجتازها مرارًا المحن، ولكن يسكنها الفرح أيضًا إذ نعرف أننا أبناء الله، وأحباؤه الذين أحبنا يسوع وخلصنا”.

وخصّ الأب الأقدس المرضى بكلمات حملت معاني التعزية والرجاء، واصفًا إياهم بأنهم شهود مميزون للحياة المتجددة بالإيمان ومحبة الله والقريب. وأكد أن المشاركة معهم في التطواف تتيح اختبار هذا الواقع الروحي، مستشهدًا بكلمات البابا بيوس الثاني عشر عن لورد، حيث تتلاقى الآلام مع السلام والطمأنينة والفرح.

وشدد على أن الله يمنح الإنسان، حتى في قلب المحنة، نعمة التطلع إلى مستقبل يتجاوز حدود الحياة الأرضية، داعيًا المرضى إلى الاحتفاظ بكلمات القديس بولس: “أَرى أَنَّ آلامَ الزَّمَنِ الحاضِرِ لا تُعادِلُ المَجدَ الَّذي سيَتَجَلَّى فينا”.

العذراء مريم منارة في ظلمات الحياة

ودعا البابا المؤمنين إلى المثابرة في مسيرتهم الروحية، يومًا بعد يوم، ما دام الله يمنحهم الحياة، مؤكدًا أن العذراء مريم تتقدم هذه المسيرة، وأن طهارتها تسطع كمنارة في الليل.

وتأمل في الكلمات التي عرّفت بها العذراء نفسها للقديسة برناديت في لورد: “أنا الحبل الطاهر”، موضحًا أن هذا الامتياز الإلهي يمثّل فجر الخلاص، إذ شاء الله أن يصون مريم من الخطيئة الأصلية باستحقاقات آلام المسيح وقيامته، لتصبح حواء الجديدة التي يبدأ معها كل شيء من جديد.

وأكد الأب الأقدس أن عون العذراء وشفاعتها ليسا أمرين ثانويين في حياة المسيحي الذي يسعى إلى قبول نعمة الفداء ومقاومة الشر، مستحضرًا صورة مريم بوصفها “نجمة البحر” التي ترشد المؤمنين وسط عواصف الحياة.

واستشهد في هذا السياق بكلمات القديس برناردس: “إن تبعتها، فلن تحيد عن الطّريق. وإن صلّيت إليها، فلن تيأس. وإن استشرتها، فلن تخطئ. وإن حمتك، فلن تخاف شيئًا. وإن قادتك، فلن تتعب. وإن كانت في عونك، فستبلغ الغاية”.

ليكن نورًا للمستقبل

وفي ختام كلمته، دعا البابا الحجاج والمرضى القادمين من فرنسا ومختلف أنحاء العالم إلى رفع نواياهم الشخصية ونوايا العالم أجمع إلى العذراء مريم، واضعين بين يديها همومهم وآمالهم وتطلعاتهم. واختتم بالصلاة قائلًا: “أيتها العذراء الطاهرة، نرجو ألا ينطفئ في حياتنا هذا النور الذي نحمله هذا المساء، بل ليكن نورًا للمستقبل، ويفتح أنفسنا منذ اليوم على وعود الحياة الأبديّة”.

وبهذا التطواف، اختتم البابا زيارته إلى لورد، التي شكّلت محطة بارزة من زيارته الرسولية إلى فرنسا، وجمعت بين الصلاة مع الحجاج واللقاء بالمرضى ومرافقيهم، والتأكيد على رسالة الرجاء التي يحملها المزار المريمي إلى المؤمنين من مختلف أنحاء العالم.

(أبونا)

Exit mobile version