أعادت زيارة البابا لاوُن إلى عنّابة الجزائرية (هيبون)، منتصف الشهر الجاري، إحياء الذاكرة التاريخية لكنيسة شمال إفريقيا، تلك التي شهدت في القرون الأولى للمسيحية ازدهارًا لاهوتيًا بارزًا، وأسهمت في تقديم عدد كبير من القديسين والشهداء. غير أن هذه الزيارة تطرح في المقابل سؤالًا تاريخيًا جوهريًا: كيف اندثرت هذه الكنيسة التي كانت يومًا منارة فكرية وروحية؟
انتشرت المسيحية في شمال إفريقيا، من ليبيا شرقًا إلى المغرب غربًا، منذ القرن الثاني الميلادي، وبلغت ذروتها في القرنين الثالث والرابع، قبل أن يبدأ تراجعها تدريجيًا منذ القرن الخامس، ثم يتسارع ابتداءً من أواخر القرن التاسع، وصولًا إلى اندثار شبه كامل بحلول القرن الخامس عشر. ويمكن فهم هذا المسار من خلال أربعة عوامل رئيسة.
أولًا، الانقسام الداخلي العميق الذي شهدته الكنيسة في القرن الرابع بين الكاثوليكية والدوناتية. فقد رفض الدوناتيون الاعتراف بشرعية رجال الدين الذين اعتبروهم «خونة» خلال فترات الاضطهاد، وأصرّوا على نقاء الكنيسة، في مقابل رؤية كاثوليكية أكثر شمولًا تعتبر أن فاعلية الأسرار لا ترتبط بأخلاق الكاهن. هذا الانقسام لم يكن لاهوتيًا فحسب، بل أصاب البنية الكنسية في الصميم.
ثانيًا، تسييس هذا الانقسام وتحوله إلى تعبير عن انقسام اجتماعي وثقافي. فقد ارتبطت الكاثوليكية بالنخب الرومانية في المدن، بينما وجدت الدوناتية صدى في الأرياف وبين الأمازيغ، باعتبارها تعبيرًا عن مقاومة الهيمنة الرومانية. ومع قمع الدوناتيين عسكريًا، تراجعت الكنيسة المرتبطة بالسكان المحليين، ما جعل الكاثوليكية تبدو في نظر كثيرين دينًا وافدًا، بخلاف ما حدث في مناطق أخرى مثل مصر وسوريا وأرمينيا، حيث تماهت الكنائس مع الهويات المحلية.
ثالثًا، غياب الترجمة إلى الأمازيغية. ففي حين اعتمدت كنائس الشرق لغات محلية كالقبطية والسريانية، ظلت كنيسة شمال إفريقيا متمسكة باللاتينية لغةً للعبادة والتعليم، ما حصرها في النخب المدينية. ومع تراجع اللاتينية بسقوط الحكم الروماني، افتقد السكان المحليون إلى نصوص دينية بلغتهم، الأمر الذي أعاق انتشار الإيمان وتجذّره شعبيًا.
رابعًا، تعاقب القوى السياسية وتأثيرها على البنية الكنسية. فقد أضعف حكم الوندال الآريوسيين الكنيسة الكاثوليكية عبر مصادرة ممتلكاتها ونفي قادتها، ثم جاء العهد البيزنطي مثقلًا بالضرائب والتدخلات اللاهوتية. ومع دخول المسلمين، وجد كثير من السكان في الإسلام بديلًا يوفر مساواة اجتماعية وفرصًا اقتصادية أفضل، خاصة في ظل ضعف البنية الرهبانية وغياب قيادة كنسية محلية فاعلة.
في المحصلة، لم يكن اندثار المسيحية في شمال إفريقيا حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار طويل من التآكل التدريجي. فقد أخفقت الكنيسة في التكيّف مع محيطها الثقافي واللغوي، فبدت ككيانٍ منفصل عن بيئته. كانت شجرة وارفة، لكنها افتقرت إلى جذور عميقة في التربة المحلية؛ ومع تحولات السياسة واللغة، لم تصمد أمام رياح التغيير.
(آسي مينا)