في قدّاسٍ مهيبٍ احتفل به في بازيليك القديس بطرس عشية عيد الميلاد، دعا البابا لاوُن المؤمنين إلى رفع أنظار قلوبهم لا إلى نجومٍ بعيدة، بل إلى نورٍ وُلد في تواضع المذود. ففي عظةٍ غنية بالصور البيبليّة والعمق الروحي، تأمّل الحبر الأعظم في سرّ الميلاد كحدثٍ يبدّد ظلمات التاريخ ويعيد للإنسان كرامته، مؤكّدًا أن الله لم يمنح البشرية فكرة أو رسالة فحسب، بل أعطاها ذاته في الطفل يسوع، عمانوئيل، نورًا لا تُطفئه عتمة، ورجاءً يولد حيث يبدو الليل أشدّ كثافة. وفي زمنٍ يختبر فيه العالم القلق والعنف وفقدان المعنى، شدّد البابا على أن الميلاد هو إعلان حبٍّ حيّ، ورسالة سلام، ودعوة للكنيسة كي تحمل الرجاء حيثما غاب، وتبشّر بفجر حياةٍ جديدة تنبثق من قلب الليل.
قال البابا لاوُن على مدى آلاف السنين، وفي شتى بقاع الأرض، سبرت الشعوبُ أغوار السماء، فأطلقت أسماءً وأشكالاً على نجومٍ صامتة؛ قرأوا فيها في خيالهم أحداث المستقبل، وبحثوا في الأعالي، بين الأجرام، عن حقيقةٍ افتقدوها في الأسفل، بين البيوت. ومع ذلك، بقوا يتخبطون في عتمتهم، تائهين في نبوءاتهم. أما في هذه الليلة، فإن “الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً؛ والمقيمون في بقعة الموت وظلاله أشرق عليهم نور”.
تابع الأب الأقدس يقول: ها هو النجم الذي أذهل العالم؛ شرارةٌ توهجت لتوّها فاشتعلت بالحياة: “وُلِد لكم اليوم في مدينة داود مخلّصٌ هو المسيح الرب”. في الزمان والمكان، وحيث نحن موجودون، يأتي ذاك الذي لولاه لَمَا كنا أبداً. يسكن بيننا ذاك الذي يبذل حياته من أجلنا، منيراً ليلنا بخلاصِهِ. فلا توجد ظلمةٌ لا يبددها هذا النجم، لأن البشرية جمعاء تبصر في نوره فجرَ حياةٍ جديدة وأبدية. إنه ميلاد يسوع، “عمانوئيل”. في الابن الذي صار بشراً، لا يمنحنا الله شيئاً بل يمنحنا “ذاته”، “ليفتدينا من كل إثم ويطهر شعبًا خاصًا به”. يولَدُ في الليل ذاك الذي يفتدينا من الليل؛ فلم يعد أثرُ الفجر يُلتمس بعيداً في الآفاق السحيقة، بل بانحناء الرأس خشوعاً في زاوية المذود المجاور. إن العلامة الجلية التي أُعطيت لعالمٍ مظلم هي “طفلٌ ملفوفٌ بأقمطة، مُضجعٌ في مذود”.
أضاف الحبر الأعظم يقول: لكي نجد المخلص، لا ينبغي أن ننظر إلى الأعلى، بل أن نتأمل في الأسفل: فعظمة الله تشرق في عجز وليد، وبلاغة الكلمة الأزلي تتردد في أول صرخة لرضيع، وقداسة الروح تتلألأ في ذلك الجسد الغضّ المغسول والملفوف بالأقمطة. إنها “حاجةٌ إلهية” للرعاية والدفء، يتقاسمها ابن الآب في التاريخ مع جميع إخوته. إن النور الإلهي الذي ينبعث من هذا الطفل يساعدنا على رؤية “الإنسان” في كل حياةٍ ناشئة. ولكي ينير عمى قلوبنا، شاء الرب أن يكشف عن ذاته “إنساناً للإنسان”، صورته الحقة، وفق تصميم حبٍّ بدأ منذ تكوين العالم. وما دام ليل الضلال يحجب هذه الحقيقة الإلهية، فـ “لا مكان للآخرين، للأطفال، للفقراء، وللغرباء”. إن كلمات البابا بندكتس السادس عشر، التي لا تزال آنية، تذكرنا بأنه لا مكان لله على الأرض إن لم يكن هناك مكانٌ للإنسان: فعدم قبول أحدهم يعني عدم قبول الآخر. أما حيثما وُجد متسعٌ للإنسان، فهناك مكان لله: عندها، يمكن للمذود أن يصير أقدس من هيكل، ويصبح حشا العذراء مريم تابوتاً للعهد الجديد.
تابع الأب الأقدس يقول لنتأمل، أيها الأعزاء، حكمة الميلاد. في الطفل يسوع، يهب الله العالم حياةً جديدة: حياته هو، للجميع. إنها ليست مجرد فكرةٍ لحل المعضلات، بل قصة حبٍّ تشملنا جميعًا. أمام تطلعات الشعوب يرسل رضيعاً ليكون كلمة رجاء؛ وأمام آلام البؤساء يرسل عاجزاً ليكون قوةً للنهوض مجدّدًا؛ وأمام العنف والظلم يشعل نوراً لطيفًا ينير بالخلاص سائر أبناء هذا العالم. وكما لاحظ القديس أوغسطينوس: “لقد سحقتك الكبرياء البشرية لدرجة أنه لم يكن بوسع أحدٍ أن يرفعك سوى التواضع الإلهي”. نعم، فبينما يدفعنا اقتصادٌ مشوّه إلى معاملة البشر كسلعة، يصبح الله شبيهًا بنا، ويكشف الكرامة اللامتناهية لكل شخص. وبينما يريد الإنسان أن يصبح إلهاً لكي يتسلط على قريبه، شاء الله أن يصير إنساناً ليحررنا من كل عبودية. فهل يكفينا هذا الحب لنغير تاريخنا؟.
أضاف الحبر الأعظم يقول: يأتينا الجواب حين نستفيق، مثل الرعاة، من ليلٍ مُميت إلى نور الحياة الناشئة، متأملين الطفل يسوع. فوق مذود بيت لحم، حيث تسهر مريم ويوسف بذهولٍ أمام الوليد، تضحي السماء المرصعة بالنجوم “جمهوراً من الجند السماويين”. إنها جيوشٌ بلا سلاح، وتجرّد من السلاح، لأنها ترنم لمجد الله الذي السلامُ هو تجليه على الأرض؛ ففي قلب المسيح ينبض الرابط الذي يجمع بين السماء والأرض، وبين الخالق والخلائق في ميثاق حبّ. لذلك، ولسنة خلت، أكد البابا فرنسيس أن ميلاد يسوع يحيي فينا “عطية والتزام أن نحمل الرجاء حيثما فُقد”، لأن “معه يزهر الفرح، ومعه تتغير الحياة، ومعه الرجاء لا يخيِّب”. بهذه الكلمات بدأنا السنة المقدسة. والآن، وبينما يقترب اليوبيل من تمامه، يحلُّ الميلاد علينا زمناً للامتنان والرسالة. امتنانٌ على العطية التي نلناها، ورسالةٌ للشهادة لها أمام العالم. وكما يرتل صاحب المزمور: “بشروا من يومٍ إلى يومٍ بخلاصه. حدّثوا في الأمم بمجده، وفي جميع الشعوب بعجائبه”.
وختم البابا لاوُن عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات، إن تأمُّل “الكلمة الذي صار جسدًا” يبعث في الكنيسة جمعاء كلمةً جديدة وحقة: فلنعلن إذن فرح الميلاد، الذي هو عيد الإيمان والمحبة والرجاء. إنه عيد الإيمان، لأن الله صار بشراً وولد من العذراء. إنّه عيد المحبة، لأن عطيّة الابن الفادي تتحقق في التفاني الأخوي. إنه عيد الرجاء، لأن الطفل يسوع يذكي ناره فينا، جاعلاً إيانا رسل سلام. وبهذه الفضائل في قلوبنا، وبدون خوفٍ من الليل، يمكننا أن نمضي للقاء فجر اليوم الجديد.
(راديو الفاتيكان)
البابا لاوُن يذكّر بمعاناة سكان خيام غزة واللاجئين
ترأس البابا لاوُن، صباح الخميس، قداس صباح عيد الميلاد المجيد في بازيليك القديس بطرس، ليكون أوّل بابا يحتفل بهذا القداس منذ أكثر من ثلاثين عامًا، منذ عهد القديس يوحنا بولس الثاني.
ووجّه قداسته المؤمنين إلى الجوهر الروحي للعيد، مؤكّدًا أنّ “الكلمة صار جسدًا” وأنّ هذا الجسد أصبح الآن يتكلّم ويصرخ معبّرًا عن شوقه الإلهي للقاء الإنسان. وأوضح أنّ “الكلمة نصبت خيمتها الضّعيفة بيننا”، داعيًا إلى التفكّر بخيام غزة التي تتعرّض منذ أسابيع للمطر والبرد والرياح، وبخيام اللاجئين والنازحين في مختلف القارات، وبالملاجئ المؤقّتة لآلاف الأشخاص المشردين داخل المدن.
وأشار البابا إلى أنّ “الجسد الضعيف” يرمز إلى الشعوب العُزّل والمُنهكة بالحروب، وإلى الشباب الذين أُجبروا على حمل السلاح، والذين يدركون على الجبهة عبثية ما يُطلب منهم وكذب الخطابات المليئة بالزيف لمن يرسلونهم إلى الموت. وأضاف أنّ مواجهة هذه الهشاشة والمصاعب هي الطريق الحقيقي لولادة السلام: “عندما ينفذ ضعف الآخرين إلى قلوبنا، وعندما يحطّم ألمهم يقيننا الصلب، إذّاك يبدأ السلام”.
وأوضح البابا أنّ عيد الميلاد ليس مجرد احتفال تاريخي، بل هو دعوة مستمرة للكنيسة والإنسانية للتجدد، والابتعاد عن الاستعراض القسري للقوة، والانطلاق في رسالتها نحو الآخر بالحوار والتقارب. وشدّد على أنّ “كل كلمة في الله موجّهة ودعوة للحوار”، وأنّ التجسّد هو ديناميكية حوارية تولد السلام عندما نصغي إلى الآخر ونقدم الحنان والاهتمام لمن حولنا.
واختتم البابا لاوُن عظته بالتأكيد أنّ السرّ الحقيقي للميلاد يكمن في حضور الله المتواضع بين البشر، وأنّ كلّ جديد يولد من قبول الجسد الضعيف، والتضامن مع المستضعفين، والعيش بروح المحبة والرحمة، مقتديًا بمريم العذراء أمّ الكنيسة ونجمة البشارة بالإنجيل.
(راديو الفاتيكان)
