في بلدٍ دفعت القرى المسيحية الجنوبية وأهلها أثمان حروبٍ لم يقرّروها، يُستدعى كاهن رميش الجنوبية الحدودية الأب نجيب العميل إلى التحقيق بسبب خلاف بشأن بناء غرفة في البلدة. ويجد العميل الصامد في بلدته المحاصرة بعد الحرب الأخيرة نفسه اليوم مطالبًا بالمثول في صيدا، فيما الخروج من رميش والعودة إليها يتطلّبان سلوك طرق طويلة وخطيرة ضمن قوافل تحتاج إلى تنسيق مسبق ومواكبة أمنية.
وفق معلومات نشرتها صحيفة “نداء الوطن”، استدعي العميل إلى التحقيق على خلفية تشييد أحد أبناء البلدة غرفة، بعدما طلب مخفر رميش من الشخص المعني هدمها. وتفاديًا لأي إشكال بين هذا الشخص والمخفر، وحرصًا على عدم تطوّر القضية، تمنّى العميل إرجاء معالجة الموضوع إلى حين توفر الظروف المناسبة، تجنّبًا لأي احتكاك. إلّا أنّ القاضية في صيدا التي تواصلت مع الأب نجيب، اعتبرت أنّ كلامه ينطوي على تهديد لها باستخدام “الإسرائيلي”.
وأثار الاستدعاء استنفارًا وغضبًا في الشارع المسيحي خصوصًا أنه يستهدف قرى تكافح للبقاء، وأهالي ينتظرون قوافل لإيصال الدواء والغذاء، وكاهنًا صمد معهم.
وتأتي هذه القضية لتعمّق شكوى متكرّرة في الأوساط المسيحية من دولةٍ تتشدّد مع فئة وتتساهل مع أخرى: كيف تتحوّل غرفة في بلدة تعاني من الاحتلال الإسرائيلي والعزلة إلى قضيّة، فيما تبقى تعدّيات عمرانية واسعة في مناطق أخرى بلا معالجة؟
ومنذ العام 2024، طالب الأب نجيب ببقاء القوى الأمنية في رميش ورفض أن يُترك أهلها وحدهم. واليوم، يعلن استعداده للمثول متى تأمّنت الطريق. وقد تجمّع الأهالي يوم السبت في ساحة الكنيسة تضامنًا معه.
ولعلّ ما كتبه الأب داني درغام على “إكس” يختصر شعورًا بالخذلان يتردّد صداه بين مسيحيين في مختلف أنحاء لبنان: “الأب نجيب العميل وأبناء المنطقة الحدودية: الدولة التي تخلّت عنكم، تخلّوا عنها!”. صرخةٌ ينبغي للدولة أن تتوقّف عندها طويلًا: حين يصل مَن تمسّكوا بمؤسساتها وطالبوا بحضورها إلى حدّ الدعوة للتخلّي عنها، فالسؤال يصبح عمّا فعلته هذه الدولة لتخسر ثقتهم، وما ستفعله لاستعادتها.
(آسي مينا)
