“الربّ المحيي”… 40 عامًا على رسالة يوحنّا بولس الثاني عن سرّ الروح القدس

في عيد العنصرة من عام 1986، وقّع البابا القديس يوحنا بولس الثاني رسالة عامة بعنوان: “الربّ المحيي”، خُصِّصَت لسرّ الروح القدس، وحملت سلسلة طويلة من التعاليم.

تمثّلت أهمية هذه الوثيقة في تناولها أحد المحاور الأساسية في اللاهوت المسيحي: حضور الروح القدس وعمله في حياة الكنيسة والعالم. واقتُبِس عنوانها من قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني الذي يعلن المعمدون فيه إيمانهم بالروح “الربّ المحيي”.

أتى التعليم في إطار تأملي في الثالوث الأقدس. وقدّم عرضًا جمع بين الكتاب المقدس والتقليد وتعليم الكنيسة، وحرص على دقة المفاهيم والتنظيم المنهجي للأفكار؛ إذ أبرزَ يوحنا بولس أوّلًا دور الروح في تاريخ الخلاص، وعمله منذ البدء، في مرافقته الخلق وإرشاده مسيرة البشرية.

وسلّط الأب الأقدس أيضًا الضوء على علاقة الروح بالمسيح. وفسّر أنّ الروح يجعل حدث الفداء والفصح حاضرًا ومستمرًّا عبر الزمن، ومؤثرًا بشكل مباشر في حياة المؤمنين. ومن النقاط المحورية للرسالة، معالجة البابا مسألة الخطيئة؛ إذ شدّد النص على دور الروح في “إقناع العالم” بالخطيئة، ضمن أفق يقود إلى التوبة؛ لذا، تجاوز البابا البولندي عبر هذا الطرح النظرة العقيمة للخطيئة، ووضعها في إطار الخلاص والتجديد الداخلي. وأبرزَ أهمية المسؤولية الأخلاقية الشخصية ودور الحرية الإنسانية في الاستجابة للدعوة الإلهية.

وتوقّفت الرسالة على البعد الكنسي؛ إذ قُدّم الروح مصدرًا للوحدة والحياة في الكنيسة. وأشار الحبر الأعظم إلى أنّ حضور الروح لا يقتصر على بعد روحي مجرد، بل هو فعّال يحيي الأسرار ويدعم الرسالة، ويوجّه التمييز ويعزّز الاستمرارية في التعليم الكنسي. وأوضح يوحنا بولس أيضًا دور الروح في تنشيط المواهب المختلفة داخل الجماعة الكنسية ضمن إطار من الانسجام والتنظيم.

كذلك، طرح النص قراءة لوضع الإنسان المعاصر. واعترف بوجود توترات ثقافية وأخلاقية. وأكّد الحاجة إلى إعادة اكتشاف عمل الروح باعتباره إجابة عن أزمات الهوية والمعنى، بخاصة في سياق التحولات الحديثة.

واليوم، بعد مرور أربعة عقود على نشرها، لا تزال رسالة “الربّ المحيي” تتمتع بتماسُك فكري ومنطقي قادر على بلوغ قلب القرّاء، كونها توفّر أدوات مفيدة لفهم العلاقة بين الإيمان والتاريخ والبعد الداخلي من دون الوقوع في تبسيطات أو اختزالات أيديولوجية، وللحفاظ على التوازن اللاهوتي.

(آسي مينا)

Exit mobile version