تعديلات المناهج السوريّة.. حين يُقصى الفنّ وتُحجَب المرأة ويُنتقى التاريخ

“وُعِدنا بسنغافورة، وها هُم يأخذوننا إلى تورا بورا، والوقود أطفالنا. حين تدخل الهستيريا الدينيّة إلى المناهج الدراسيّة، لا يعود الطفل متعلّمًا، سيكون جلّادًا باسم المقدّس”.. بهذا التعليق، عبَّر الكاتب نبيل الملحم عن انتقاده التعديلات التي أجرتها وزارة التربية السوريّة على الكتب المدرسيّة، وأثارت موجة غضب بسبب ما تضمّنته من تغييرات شملت حضور المرأة، والفنون، والقيَم المجتمعيّة، فضلًا عن حذف إشاراتٍ تتعلّق بجغرافيّة سوريا وتاريخها.

ووثّق الصحفيّ محمّد السلوم أبرز الفروق بين المناهج السابقة والنسخ المعدّلة، مشيرًا إلى حذف وزارة التربية صورًا كثيرة لطفلات وفتيات، فيما عُدِّلت الصور القليلة المتبقّية لهُنَّ رقميًّا، فأُضيف إليها حجابٌ أو نقاب، سواء أكانت رسومات أم صورًا فوتوغرافيّة حقيقيّة. ومن الأمثلة على ذلك تعديلُ رسمٍ في نسخة العام الدراسيّ 2012-2013، كان يُظهر صبيَّين وفتاتَين، ليُصبح رسمَيْن منفصلين (منعًا للاختلاط)، ويتحوّل الصبيّان إلى رجُلين ملتحيَين يرتدي كلّ منهما جلابيّة ويعتمر قلنسوة، فيما أُلبست الفتاتان النقاب الأسود. كذلك، حُذفت فقرة توثّق مشاركة النساء السوريّات في مقاومة الفرنسيّين.

ولم تَسْلَم الأعمال الفنّية من التعديلات؛ إذ حُذفت صورة تمثال المغنّية أورنينا (من حضارة ماري السورية) وصورة لوحة الموناليزا. إلى ذلك، أُزيلت صورة لوحة الأميرة أليسار الكنعانيّة، مع الإبقاء على وجهها بعد إضافة الحجاب إليه. وشملت التغييرات تمثال الكاتب المصريّ القديم، الذي أُلبس قميصًا، إلى جانب حذف كلّ من تمثال عازف الدفّ الأوجاريتيّ وصور لرقصات الدبكة التراثيّة.

وفيما يتعلّق بالقيَم المدنيّة، استُبدِلت عبارةٌ تدعو الأسرة إلى تربية أبنائها على احترام القانون، بأخرى تحصر التربية بـ”التزام الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة”. كذلك، حُذفت تحيّات مثل “مرحبًا” و”صباح الخير”، وأُبقيت فقط تحيّة “السلام عليكم”. وحَذفت التعديلات دروسًا تتناول الإدارة المحلّية والحياة السياسيّة والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطيّة، فلًا عن استبعاد نصوص من الفلسفة الآسيويّة.

أمّا دروس التاريخ، فشهدت حذف صورة سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي، وهما من أبرز الشخصيّات المرتبطة بتاريخ سوريا المعاصر. كما وُصف شهداء السادس من مايو الذين أعدمتهم الدولة العثمانيّة بالمتآمرين مع الإنجليز والفرنسيّين. واستُبعد المفكّر عبد الرحمن الكواكبيّ، المعروف بكتاباته. وحذفت الوزارة كذلك خريطةً توضيحيّة تُظهر سوريا ضمن حدودها الشماليّة الطبيعيّة وما اقتُطع منها بموجب معاهدات أُبرمت في عشرينيّات القرن الماضي، كما أزالت لواء إسكندرون من الخريطة، ومحت كلّ إشارة نصّيّة إلى فصله عن سوريا سنة 1939.

إنّ المناهج المدرسيّة ليست مساحةً لفرض تصوّر أحاديّ للمجتمع، ولا أداةً لإعادة تشكيل ذاكرة الأجيال بما يتوافق مع توجُّه فكريّ واحد (سياسيّ أو دينيّ). فالتعليم الذي يُقصي الفنّ، ويعزل المرأة ويختزلها في مظهرها، ويُغيّر وقائع التاريخ والجغرافيا، لا يبني جيلًا أكثر وعيًا وتقدّمًا، بل يحرمه أدوات فهم نفسه أوّلًا، ثمّ فهم مجتمعه بتنوّعه. من هنا، فإنّ التراجع عن هذه التعديلات، بل ووضع منهج عصريّ جديد كلّيًّا، هو ضرورةٌ إنسانيّة ووطنيّة تضمن أن تكون المدرسة مساحة للمعرفة والأخلاق والانفتاح والتفكير النقديّ، لا وسيلة لانتقاء التاريخ أو تضييق المجال أمام الاختلاف.

(آسي مينا)

Exit mobile version