ما من شيء أكثر إرهاقًا من أن يعيش الإنسان حاضرَه تحت وطأة ما قد يحدث في الغد. وبينما يدفعه القلق إلى توقّع الأسوأ، يدعوه الإيمان إلى الثقة بالله.
ليس المستقبلُ هو ما يُخيف الإنسان دائمًا، بل ما قد يتخيّله عنه. فعندما يعجز العقلُ عن معرفة ما ينتظره، يبدأ بملء الفراغ بالاحتمالات: مرضٌ قد يأتي، خسارةٌ قد تقع، عمل قد يُفقَد، علاقة قد تتغيّر، شخص نحبّه قد يغيب، أو ظرف قد يَقلِب ما اعتدناه. وهكذا قد يتألّم الإنسان من أشياء لم تقع، ويخسر راحة يومه دفاعًا عن نفسه أمام خطرٍ لم يحدث.
والأخطر أن يتحوّل الاحتمال إلى حقيقة في داخل الإنسان، فيعيش الحزن قبل الخسارة، والخوف قبل التجربة، والقلق قبل أن تأتي اللحظة. وهنا، يأتي صوتُ المسيح ليُعيد ترتيب علاقتنا بالزمن: “فلا تهتمّوا للغد، لأنّ الغدَ يهتمّ بما لنفسه” (متى 6: 34). هذه ليست دعوة إلى اللامبالاة، أو إلى إهمال المسؤوليّة، بل إلى عدم تحميل يومنا ما لم يُطلب منّا حمله بعد. فلكلّ مرحلة ما يكفيها من النِعَم.
الإيمان لا يُقدّم لنا وعدًا بأنّ ما ينتظرنا سيكون خاليًا من الألم، لكنّه يُقدّم ما هو أعمق من معرفة ما سيحدث: معرفة مَن سيكون معنا. لذلك يقول الربُّ: “لا تخف، فإنّي معك” (أش 41: 10). قد تبقى الأيّام المقبلة غير واضحة، لكنّها ليست مجهولة عند الله. إنَّ الثقة بالله لا تعني أن نتوقّف عن الاستعداد، بل أن نفعل ما نستطيع اليوم، وأن نترك له ما يتجاوز قدرتنا. فحين لا نملك أن نعرف ما سيأتي، يبقى في أيدينا أن نعيش الحاضر بسلام، من دون أن ندع الخوف يَسرق منه ما فيه من حياة.
يا يسوع، عندما يجتاحني القلق من المجهول، ردَّ قلبي إليكَ، وعلِّمني أن أواجه ما يأتي بثقةٍ، لا بخوف.
