عادت الأحوال الشخصية للصدارة مرة أخرى بعد أن أعلن أن هناك مشروع قانون للأسرة المسلمة وآخر للأسرة المسيحية، وبدأت مناقشة المشروعين في الأحزاب مثل الحزب المصري الاجتماعي، المنظمات المدنية مثل مركز قضايا المرأة المصرية والمجالس المتخصصة ومنها المجلس القومي لحقوق الإنسان وكان واضحًا جدًّا في كل هذه المناقشات وغيرها الصراع حول فلسفة القانون بين ما هو مدنى وما هو عقائدي، وفى لقاء للأنبا بولا المسؤول عن هذا الملف في الكنيسة الأرثوذكسية في برنامج حمدي رزق سئل الأنبا بولا حول إذا ما كان المشروع كنسيًّا أو مدنيًا فرد قائلًا “كنسي مدنى” فهل هذا حقيقي وهل هذه طبيعة مشروع القانون أم أن الطابع الكنسي قد غلب على مشروع القانون بشكل واضح جدا؟
في الندوة التي تمت في المجلس القومي لحقوق الإنسان وفى الجلسة الأولى التي تحدث فيها ممثلو الكنائس الثلاث الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية والذين شاركوا فى وضع مسودة المشروع كان واضحًا جدَّا أى فلسفة تتحكم في هذا المشروع، فقد قال ممثل الكنيسة الأرثوذكسية إن أى رفض أو انتقاد للمشروع مما يمكن أن يعرضه للتعطيل داخل البرلمان يمكن أن يقضى تمامًا على فرصة إقرار القانون من جانب البرلمان مما يعنى تعطيل القانون الذى انتظرناه سنوات طويلة، فهل يعنى هذا أن علينا أن نقبل بمشروع القانون كما هو رغم أنه لا يحل المشاكل المعلقة لدى الآلاف من المنتظرين للحصول على الطلاق أو طالبي الزواج الثاني؟ لم يمنح القانون الطلاق إلا لعلة الزنا والشذوذ الجنسي ووفاة أحد الطرفين وتغيير الدين، وهذا لا يمنح الطلاق لاستحالة العشرة وهي أكثر الأسباب انتشارًا مما يوضح التمسك بالفلسفة العقائدية في المشروع.. الأسوأ هو رفض المناقشة تماما لكل ما هو عقائدي حيث قال ممثل الكنيسة الكاثوليكية من على المنصة إنه يمكن مناقشة كل ما هو مدني أما ما هو عقائدي فلا يمكن مناقشته أبدًا لأن هذا يستند إلى الإنجيل.. من المفترض أننا أمام حوار مجتمعي تسمع فيه كل الأصوات لنصل إلى حل للمشاكل المعلقة منذ سنوات والتي تعنى دمار أشخاص ينتظرون الحل لمشاكلهم الصعبة المعلقة.
كان الأقباط الأرثوذكس وهم الطائفة الأكثر عددًا في مصر يحتكمون قديمًا إلى لائحة 1938 التي وضعها عدد من الخبراء والتي كانت تضم تسعة أسباب للطلاق مما كان يعنى أن الباب كان مفتوحًا بقدرٍ ما للحصول على الطلاق، وقد تحولت اللائحة إلى قانون 1955 والذى ظل العمل به في المحاكم المصرية حتى تم إغلاق هذا الباب تماما بأول قرار للبابا شنودة حيث أقر الطلاق لعلة الزنا فقط وظلت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية منذ ذلك الوقت تسعى لإلغاء القانون كما لو كان هناك “تار بايت” بينها وبين لائحة 1938 فهل جاء مشروع القانون الجديد ليتضمن أسبابًا مطلوبة أم أنه كانت هناك فلسفة عقائدية وراء ما تم وضعه من أسباب للطلاق؟ نعم كان هناك صراع ما بين ما هو عقائدي وما هو مدنى، وهناك تخوف من أن يظهر الأمر كما لو كان مشروع القانون لا ينتصر للعقائدي ونص الإنجيل بالحرف، وقد اتضح هذا الصراع الذى حكم مناقشة ووضع المسودة فيما عبر عنه أحد المتحدثين الثلاثة على المنصة حيث قال “نحن لم نفتح الباب على البحري كما قال البعض لنا” مما يعنى حجم الصراع الذى دار حول الطلاق بالذات وبدلًا من أن يُفتح الباب قليلًا أمام من يريد الحصول على الطلاق تم تحديد الأسباب، مما يعنى طغيان العقائدي على المدني تمامًا.
