الواضح أن الجدل في الأحوال الشخصية حول قوانين الأسرة المصرية سواء للمسلمين أو للمسيحيين، قد غلب عليه الخلط في النقاش بين المرجعية الدينية وبين التقاليد الاجتماعية التي لها عظيم التأثير في مركزية السلطة والتأثير داخل الأسرة والمجتمع. أرى أن الانتقادات الموجهة لهذه القوانين لا تستهدف الدين نفسه كما تحاول العقلية الذكورية المتخلفة أن تصدر لنا، بقدر ما تستهدف الحفاظ على سلطتها وسيطرتها ومصلحتها بدون حوار ونقاش طبيعي.
ملف الأحوال الشخصية يتحكم في أكثر المساحات جدلاً وخصوصية (الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والميراث والولاية) وهو ما يجعل أي مشكلة تحدث داخل إطار تلك المساحة، تنعكس مباشرة على الاستقرار داخل الأسرة.
على مر التاريخ، كان الرجال هم المشرعون والقضاة ورجال الدين. والطبيعي، أنهم قد يكونون تأثروا في تفسير الشريعة والنصوص الدينية بثقافة عصرهم والموروثات الاجتماعية. ما ننتقده ليس أصول الدين، ولكن الانتقائية في تطبيق النصوص التي دائما ما تتشدد في حقوق الرجل، وتتهاون وتتنازل عما يخص حقوق المرأة، وما تحمله من الرحمة والعدل والمساواة الإنسانية والمسؤولية المشتركة.
يدور الجدل إسلامياً حول بعض القضايا الشائكة، مثل: الطلاق الشفهي المنفرد للرجل، والنفقة والولاية والطاعة، والحضانة والسفر والميراث. بينما يدور الجدل مسيحياً في فضاء قضايا صعبة من نوعية: صعوبة الطلاق أو بطلان الزواج، والبقاء على زيجات مؤذية بسبب القيود الكنسية التي تمثل سلطة كبيرة على الحياة الشخصية.
على المستويين المسيحي والإسلامي، نجد أن العقلية الذكورية المتخلفة وظفت الدين لإضفاء حصانة على روايات اجتماعية نسبية ومتغيرة، وصدروا لنا أن أي اعتراض أو انتقاد على قانون أو تفسير يخص الأحوال الشخصية هو اعتراض على الدين نفسه، فى مشهد من العبث خلطوا فيه بين النص المقدس والتفسير أو الاجتهاد البشرى.
أرى أن المشكلة ليست في الدين، ولكن في سوء التفسير والتطبيق، وفى تجاهل مقاصد الشريعة العليا، وفى انتقاء تفسيرات وترك أخرى لا تتسق مع العقلية الذكورية المتخلفة، ومدى تأثر القوانين الحديثة بالموروثات الاجتماعية البطريركية.
لا يمكن أن نختزل ما يحدث، وكأن الدين ضد المرأة في مقابل أن تمكين المرأة ضد الدين أنه الحق الذى يراد به كل الباطل.
من الآخر..
التحدي هو: تحقيق التوازن بين حرية العقيدة واحترام النصوص الدينية من جانب، وفى مقابل ضمان حقوق متساوية وعادلة لكل أطراف الأسرة من جانب آخر.
