تحدي التطبيق بين الديني والمدني.. قانون الأسرة للمسيحيين في المهجر! – هاني لبيب

(قانون الأسرة للمسيحيين لا يَسرى على مَن خارج مصر).. انتشرت هذه العبارة خلال الأيام الماضية على السوشيال ميديا، وهى عبارة دون تفسير أو دلالات واضحة، كما أنها عبارة تحمل قدرًا من التبسيط المُخِلّ؛ لأن هناك تداخلًا بين ثلاثة مستويات مختلفة، هي: قانون الأسرة للمسيحيين في مصر، والقانون نفسه خارج مصر، وما تنص عليه العقيدة المسيحية والطقس الكنسي. وهى مستويات لا تعمل بالأسلوب نفسه داخل مصر وخارجها.

تنص المادة 11 من “قانون الأسرة للمسيحيين”: (يكون الزواج المسيحي الديني صحيحًا أمام الكافة فى مصر، وغير قابل للانحلال، إلا بموجب نصوص هذا القانون دون غيره، متى تم برضاء الزوجين بمراسم دينية، على يد رجل دين مسيحي مختص مصرح له بذلك من رئاسته الدينية، طبقًا لطقوس طائفته).

الإشكالية هنا عندما يتزوج البعض من المواطنين المسيحيين المصريين من أبناء المهجر، خاصة الذين ولدوا في الخارج طبقًا لقوانين الدول التي حملوا جنسيتها، وهم جميعًا يخضعون للقانون المدني، ويقتصر عقد الزواج الكنسي على اعتباره مجرد إجراء شكلي لا يؤثر على قانونية هذا الزواج وشرعيته. وترتب على ذلك أن هناك العديد من الحالات الذين انفصلوا، وتم الطلاق مدنيًّا لأسباب غير الزنا.. واستطاع بعضهم الزواج كنسيًّا مرة أخرى داخل الكنيسة الأرثوذكسية المصرية الموجودة في هذه الدول، والتي يترأسها أسقف أرثوذكسي مصري خاضع للكنيسة الأرثوذكسية في مصر.. وذلك مع العلم أن الأسقف الأرثوذكسي هناك لا يستطيع قانونيًّا منعهم من الزواج، حتى لو طلّق قبل ذلك.. وهو ما يطرح سؤالًا أساسيًّا: هل تختلف قوة الأسرار الكنسية ووحدتها، والتي تعتبر من الثوابت الكنسية، مثل سر الزيجة في تطبيق الكنيسة الأرثوذكسية “الجامعة” المصرية بين داخل مصر وخارجها؟ مع ملاحظة أن السر هو فِعل رمزي بالكلمة والفِعل، يدل على واقع غير مرئي، يهدف إلى تقديس الزواج وأهميته.

السؤال الآن: كيف ستتعامل الكنيسة مع المتزوجين مدنيًّا، خاصة من المواطنين المسيحيين المصريين من أبناء المهجر دون أن ينطبق عليهم مفهوم الزنا؟ وما موقف الكنيسة فى حال إذا أراد المتزوجون مدنيًّا أن يتزوجوا كنسيًّا؟ وهل ستقوم الكنيسة بقبول (توبتهم) أم رفضها؟ وما موقف الكنيسة لو أراد المتزوجون مدنيًّا أن يقوموا بتعميد أبنائهم باعتباره طقسًا كنسيًّا يَنسب الطفل إلى العقيدة المسيحية؟ هل سترفض الكنيسة أم توافق؟ وكيف سترفض إذا كان هؤلاء المتزوجون مدنيًّا مسيحيين في الأصل؟ وماذا إذا كُتب الأبوان (مسيحي) في شهادة ميلاد أبنائهما؟ وكيف يمكن أن نحكم على أبنائهما دون أي ذنب اقترفوه سوى أن نُحمِّلهم ما فعله أبواهم؟ كما أن وصف المتزوجين مدنيًّا بأنه “زنا” أمر مهين على مستويات عدة، إنسانيًّا واجتماعيًّا.. فهل يمكن أن يكون للكنيسة موقف إيجابي منهم كي لا نتركهم هكذا دون أي مرجعية؟

الكنيسة الأرثوذكسية المصرية تعتبر أن سر الزيجة ليس مجرد إجراء إداري، بل تعتبره علاقة روحية مقدسة، وهى لا تقبل الزواج الثاني سوى في بعض الحالات المحددة بناء على معايير مدققة.. من هذا المنطلق، لا تتغير المرجعية اللاهوتية أو العقيدة المسيحية بين داخل مصر وخارجها؛ لأن السر الكنسي واحد غير متغير. غير أن الواقع العملي أكثر تعقيدًا؛ لأن الكنائس المسيحية الأرثوذكسية المصرية في المهجر تعمل في إطار نظم قانونية وقواعد ثقافية مختلفة، كما تواجه خلفيات اجتماعية لا يمكن تجاهلها.. لذا أعتقد أننا نحتاج لنوع من “التدبير الكنسي” أو “المرونة”.. ليس من منطلق أن العقيدة المسيحية تغيرت، بل لأن الكنيسة تسعى دائمًا إلى ألا تخسر أبناءها وتحافظ عليهم.

نقطة ومن أول السطر..

لم تضع العقيدة المسيحية- كما كتبت كثيرًا- أحكام شريعة تطبَّق على أبنائها وأتباعها.. لذا نجد أن شريعتها الوحيدة هي المحبة والغفران، وهو أمر يتطلب منا أن نجد اجتهادًا لاهوتيًّا جديدًا للتعامل مع هذه المشكلات، دون التنازل عن القيم الإنسانية، ودون إهمال للثوابت اللاهوتية والعقيدية المسيحية المصرية، تجنبًا للاختلاف والصدام بين الديني والمدني؛ خاصة أن الزواج في أساسه هو علاقة اجتماعية إنسانية بالدرجة الأولى.. كما أن مشكلات الأحوال الشخصية هي واحدة من أهم المشكلات التي تواجه المواطنين المسيحيين المصريين التي بدت بوادر حل الكثير منها مع قرب إصدار قانون الأسرة للمسيحيين.

Exit mobile version