“اليوم أريد أن آخذك إلى بيت عنيا” – الأب أنطونيوس فايز

اليوم أريد أن آخذك إلى بيت عنيا. لا إلى البيت المفعم بالبهجة وفرح لقاء الأصدقاء حول الوليمة، بل إلى الطريق الذي تركض فيه امرأة مجروحة نحو يسوع، حاملةً سؤالًا ربما نطقتَ به أنت أيضًا: “يا رب، أين كنت؟ لماذا لم تأتِ حينما دعوتك، بينما كان أخي الذي تحبه مريضًا! لتشفيه قبل أن تتعقد الأمور؟”.

لقد مات لعازر.. مقطع إنجيلي يمكنه أن يغيّر أشياء كثيرة في حياتك.

“أنا أؤمن أنك أنت المسيح، ابن الله” (يوحنا 11 : 19 – 27)، تعلّم مرتا جيدًا أن يسوع كان قادرًا على أن ينقذ أخاها، ولذلك لم تحاول أن تخف من ألمها، بل قالت له بصراحة:  “يا رب، لو كنتَ ههنا، لما مات أخي”.

إنها صلاة، وفي الوقت نفسه عتاب. لأنك عندما تتألم حقًا، تتوقف عن التظاهر والتجمل، وتبدأ في قول الحقيقة لله، وما تشعر به من ألم.

ربما أنت أيضًا كررت ذلك “لو”: لو أن الله تدخّل لو أنه أصغى، لو أنه وصل في الوقت المناسب، حسب مقاييسي الزمنية وتوقيتاتي. 

لقد صلّيت، ورجوت، وانتظرت، ومع ذلك ظل الباب مغلقًا، واستمر المرض في طريقه، أو رحل عنك شخص كنت تحبه.

لقد تعلّمنا أن نقول إن لله أوقاته الخاصة، لكن عندما ينزف القلب، يمكن لهذه العبارة أن تتحول إلى شفرة تجرحه.

ومع ذلك، تقوم مرتا بعمل عظيم: تذهب للقاء يسوع بما تحمله من تساؤلات، فهو الصديق الوفي للعائلة. كان بإمكانها أن تنغلق على نفسها في البيت، أو تستسلم للغضب، أو يتوقف إيمانها فيتحجر ويقسو، لكنها، بدلًا من ذلك، تنهض وتحمل إلى الله حتى خيبة أملها.

فتعبّر عن إيمانٍ مجروح، إيمان يعرف يسوع لكنه لا يزال محصورًا حبيسًا في حدود الزمن والغياب. في الواقع، يبدأ الإيمان هنا بالضبط: عندما تتوقف عن الهرب من الله، وتسلّمه حتى ما تشعر به ضده. فالرب يفضّل قلبًا مجروحًا يتحدث إليه، على قلب متديّن يختبئ منه.

يجيب يسوع مرتا: “سيقوم أخوك!”. فبينما كانت هي تفكر في مستقبل بعيد، في نهاية الأزمنة، كان يسوع يُعدّ طريقًا جديدًا. طريقًا غير مألوف.

وهنا يرفعها يسوع من رجاءٍ مؤجّل: “أنا أعرف أنه سيقوم في اليوم الأخير”، إلى حقيقةٍ حيّة حاضرة أمامها، ويعلن كلمته التي تهزّ عمق الوجود: “أنا القيامةُ والحياة”.

نحن أيضًا كثيرًا ما نؤجل الرجاء إلى الأمام، إلى الأبعد، وكأن الله لا يستطيع إلا أن يعدنا بشيء للغد. أما يسوع، فيعيد الرجاء إلى “الآن”: “أنا هو القيامة والحياة”.

يسوع ليس مجرّد صانع عجائب، بل هو الحياة نفسها. فالقيامة ليست حدثًا مستقبليًا فحسب، بل حضورٌ شخصيّ يدخل إلى واقعنا هنا والآن. 

يسوع لا يبقى خارج قبرك، بل يدخل إلى المكان الذي أخفيت فيه ما كنت تعتبره مفقودًا، ويناديك باسمك يدعونا الرب لكي نخرج من حساباتنا الضيّقة، من قبورنا، ونؤمن بأن الموت، بكل أشكاله، لا يملك الكلمة الأخيرة.

كم من مرة نعيش نحن أيضًا مواقف موت: موت الرجاء، موت العلاقات، موت الفرح في داخلنا. نقف مثل مرتا، نؤمن ولكن بقلق شديد، نثق ولكن بخوف يعجزنا عن رؤية ما يفعله الرب حاليًا في واقعنا المؤلم. 

ومع ذلك، يسوع لا يرفض ضعفنا، بل يدخل إليه، ويحوّله إلى لقاء.

ثم يأتي السؤال الأكثر إزعاجًا:  “أتؤمنين بهذا؟”

إنه لا يسألك إن كنت قد فهمت كل شيء، أو تجاوزت الألم، أو وجدت تفسيرًا للشر. إنه يسألك: في النقطة نفسها التي تبدو فيها الحياة وكأنها تكذّب الله، هل ما زلت مستعدًا لأن تثق به؟

تجيب مرتا: “أنا أؤمن أنك أنت المسيح، ابن الله”. تقولها قبل المعجزة، بينما لعازر لا يزال في القبر، والحجر لا يزال مغلقًا. 

وهنا يكمن الأمر المذهل: مرتا تؤمن بينما يبدو أن الموت قد انتصر بالفعل. نحن نريد أن نرى الحجر يتدحرج أولًا، ثم نؤمن. 

أما الإيمان، فيولد عندما يكون الحجر لا يزال في مكانه، وعندما تختار أن تسلّم نفسك لله قبل أن تعرف النهاية.

وأنت؟، ما هو لو كنتَ ههنا” الذي ما زلت تكرره بمرارة؟ أي جرح أقنعك بأن الله قد تأخر؟ ربما تنظر إلى علاقة استُهلكت، أو حلم تحطم، أو جزء منك لم تعد قادرًا على التعرف إليه، وقد أصدرت الحكم مسبقًا: “انتهى كل شيء”.

لكن يسوع لا يطلب منك أن تتظاهر بالسكينة. إنه ينظر إلى أعماق دموعك ويسألك: “أتؤمن أنني أستطيع أن أكون حياةً هنا أيضًا؟”.

الإيمان لا يعني إنكار القبر، بل رفض اعتباره المشهد الأخير. 

يعني أن تستمر في مناداته “يا رب” حتى بصوت مكسور.

تعلّمنا مرتا أنك تستطيع ألا تفهم ما يفعله الله، ومع ذلك تستمر في الإيمان بمن هو الله. إيمانٍ ينمو وسط الألم. 

مرتا لم تكن كاملة، لكنها كانت صادقة. خرجت للقاء يسوع في لحظة انكسارها، فصارت شاهدةً لرجاءٍ جديد. 

فإيمانها لم يُلغِ دموعها، لكنه أعطاها معنى.

وهكذا، يدعونا الرب اليوم لكي نأتي إليه كما نحن، بجراحنا وأسئلتنا، لنسمع صوته يقول: “أنا القيامةُ والحياة”.

يمكنك أن تتألم، وأن تعترض، وأن تعبر الليل، وفي قلبك تحفظ كلمة صغيرة وعظيمة: “أنا أؤمن”. ربما يكون إيمانك اليوم مجرد همسة، لكن حتى الإيمان المرتجف يستطيع أن يجعل حجرًا يتدحرج.

لذلك، اذهب إلى يسوع حاملاً ألمك، من دون أن تخفيه، ومن دون أن تزيّنه؛ لأن المسيح لا يأتي أبدًا أمام قبر ليتأمل النهاية. إنه يأتي لكي ينادي الحياة.

وعندما يصرخ كل شيء في داخلك: “لقد فات الأوان!” 

اجمع قوتك لتجيب: “أنا أؤمن أنك هنا”. لأن الله يبدأ في نطق اسمك بالذات في المكان الذي كنت قد كتبت فيه أنت بالفعل كلمة: “النهاية”. وعندما يناديك الله، حتى الموت نفسه يعيدك إلى الحياة من جديد.

مع محبتي وصلاتي.

Exit mobile version