أهمية لقاء البابا مع المهاجرين في جزر الكناري – أندريا تورنيلي

في ختام زيارة البابا الرسولية إلى إسبانيا كتب مدير التحرير في دائرة التواصل الفاتيكانية مقالاً سلط فيه الضوء على محطة بارزة ميزت الزيارة البابوية ألا وهي زيارته إلى جزر الكناري ولقاؤه مع المهاجرين.

في موقفٍ يحمل أبعادًا إنسانية وأخلاقية عميقة، كتب أندريا تورنيلي، وجه البابا لاوُن نداءً حازمًا إلى المتاجرين بالبشر، داعيًا إياهم إلى التوقف عن جرائمهم والتوبة عنها. وقد جاء هذا النداء خلال زيارته إلى جزر الكناري الإسبانية، حيث التقى مهاجرين واستمع إلى شهاداتهم المؤلمة، فرفع صوته قائلاً: “توقفوا… وتوبوا”.

وقد أعاد هذا النداء إلى الأذهان الموقف التاريخي الذي أطلقه البابا يوحنا بولس الثاني عام ١٩٩٣ عندما دعا أفراد عصابات المافيا الإيطالية إلى التوبة والتخلي عن العنف والجريمة. واليوم، ها هو البابا لاون الرابع عشر يوجه رسالته إلى فئة أخرى تستغل ضعف الإنسان ومعاناته، وهي شبكات تهريب البشر التي تخدع المهاجرين وتستغل حاجتهم، وتعرضهم للاستعباد والعنف والانتهاكات المختلفة وهم يبحثون عن فرصة لحياة أفضل.

وفي رسالته إلى المتاجرين بالبشر، مضى تورنيلي، شدد البابا على أن الأموال التي تُجمع من استغلال الفقراء والمحتاجين لن تجلب سلاماً ولا كرامة ولا مستقبلاً. كما ذكّرهم بأن العدالة الإلهية ستطال كل من تسبب في ضياع حياة إنسان، أو خداع أسرة، أو استعباد عامل، أو تهديد امرأة، أو استغلال طفل. وفي الوقت نفسه، لم يُغلق الحبر الأعظم الباب أمام التوبة، مؤكداً أن رحمة الله متاحة للجميع، حتى لأكثر المذنبين قسوة، شرط الاعتراف بالحقيقة والسير في طريق العدالة والتغيير الحقيقي.

هذا ثم لفت تورنيلي إلى أن رسالة البابا لم تقتصر على إدانة المهربين والمتاجرين بالبشر، بل امتدت لتشمل المجتمع الدولي بأسره. ففي جزيرة غران كناري، تحدث لاون الرابع عشر عن المهاجرين بوصفهم بشراً لهم أسماء وقصص وأحلام، وليسوا مجرد أرقام في الإحصاءات أو ملفات في الدوائر الرسمية. وأكد أن لكل واحد منهم عائلة ووطناً وذكريات تركها خلفه، وأن كرامته الإنسانية تستحق الاحترام والحماية.

كما دعا البابا إلى مراجعة جماعية للمسؤوليات. فدول المنشأ مطالَبة بتوفير ظروف السلام والعدالة والتنمية التي تمنح أبناءها فرصة العيش الكريم في أوطانهم. أما دول العبور فعليها حماية الفئات الضعيفة ومنع وقوعها في أيدي الشبكات الإجرامية. ووجّه البابا رسالة واضحة إلى أوروبا، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن كرامة الإنسان بينما يتحول البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي إلى مقابر مفتوحة لمئات وآلاف المهاجرين الذين يفقدون حياتهم أثناء محاولتهم الوصول إلى بر الأمان.

ولم تخل كلمات البابا من الحديث عن دور الكنيسة، مشيراً إلى أن استقبال المهاجرين ومساندتهم ليست مهمة ثانوية أو مسؤولية تقع على عاتق مجموعة محدودة من المتطوعين فقط، بل إنها واجب أخلاقي وإنساني يخص الجميع. وأضاف أن العبادة الحقيقية لا تنفصل عن التضامن مع المحتاجين، وأن الإيمان يجب أن يترجم إلى مواقف عملية تجاه من يعانون ويطلبون العون.

في هذا السياق، تابع تورنيلي، دعا الحبر الأعظم إلى توفير طرق قانونية وآمنة للهجرة، وتعزيز عمليات الإنقاذ والمساعدة الإنسانية، وتكثيف التعاون الدولي لمكافحة شبكات الاتجار بالبشر، إضافة إلى حماية الضحايا وضمان برامج جادة للاستقبال والاندماج، إلى جانب سياسات تنموية تسمح للناس بالعيش بكرامة في بلدانهم الأصلية. وقد طرح البابا سؤالاً وصفه كثيرون بأنه يمس جوهر المشكلة، حين قال: ما هو العالم الذي بنيناه إذا كان آلاف البشر يضطرون إلى المخاطرة بحياتهم من أجل البحث عن الحياة؟ ختامًا ذكّر تورنيلي بأن الحبر الأعظم شاء أن يؤكد على أن معاناة المهاجرين ليست قضية سياسية بل هي قضية إنسانية وأخلاقية تمس ضمير العالم كله.

Exit mobile version