مسجد وكنيسة.. وقلوب تتعلم المواطنة – الأب رفيق جريش

خبرتان صغيرتان مررت بهما أحب أن أشاركهما معك عزيزي القارئ، وهي خبرات أضعهما تحت نظر المسؤولين عن التعليم، وهذه الخبرة في مجال علاقة الشعب الواحد، المسيحي والمسلم، في دور التعليم، قد تُجنب كثيرًا من المشاكل وسوء الفهم، وتقوي العلاقات، وتحمي من الأشرار المتربصين بهذا الوطن الحبيب.

الخبرة الأولى: نظم المركز الإسلامي المسيحي التابع للكنيسة الأسقفية لقاءً جمع أطفالًا من سن 10 – 12 سنة من مدارس المسلمين والمسيحيين في منطقة مصر الجديدة، بهدف تعزيز قيم المحبة والألفة والمواطنة، وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش بين الأجيال الجديدة. وشمل اللقاء زيارة مسجد السلطان في مصر الجديدة، ثم كنيسة القديس كيرلس للروم الكاثوليك بميدان الكوربة، حيث توليت، بصفتي راعي الكنيسة، وقدمت شرحًا مبسطًا لبعض الرموز الكنسية، والإجابة عن الأسئلة التي طرحها الأطفال من الجنسين، إلى جانب الرد على استفسارات المشرفين والمشاركين.

وشهد اللقاء أجواءً من التفاعل الصادق والحوار بين الأطفال المسلمين والمسيحيين، أولادًا وبنات، بما أسهم في كثير من التعرف على الآخر وفهم خصوصيته الدينية والثقافية في إطار من الاحترام المتبادل. وكانت الأسئلة الكثيرة للأطفال عميقة وبريئة، تنم عن شوقهم للتعرف على الآخر من خلال دور العبادة.

الخبرة الثانية: منذ عدة سنوات كنت أُدرس مادة الدين المسيحي في مدرسة راهبات بنات المرحلة الثانوية، ولاحظت أن بعض الفتيات المسلمات كنّ ينظرن إليّ بشيء من الريبة عندما أجمع الطالبات المسيحيات في فصل آخر منفصل عن المسلمات بطبيعة الحال، وكانت هذه النظرة تضايقني جدًا؛ لأنها توحي بوجود حاجز بيننا، لم يكن مقصودًا من جانبي، ولكنه كان موجودًا في نظرهن، ومن هنا خرجتُ بفكرة أشاركها معكم، وهي دخولنا معًا لثلاث أو أربع مرات في السنة الدراسية، نتكلم معهن في موضوعات مشتركة مثل: الوطنية ـ المواطنة ـ الصوم عند المسلمين ـ الصوم عند المسيحيين ـ العادات والتقاليد المشتركة والمختلفة، وكيف نحترم اختلافنا ونعيش معًا، وغيرها من الموضوعات التي تجمع ولا تفرق.

ومنذ ذلك اليوم توطدت علاقتي بالبنات المسلمات اللاتي أعتبرنني مدرس الدين، مثلي مثل زملائي وزميلاتي مدرسي الدين الإسلامي، الذي في الأصل هو مدرس لغة عربية أو تاريخ وجغرافيا.

فربما كان لقاء بسيط بين أطفال في مسجد وكنيسة، أو حوار بين طالبات مسلمات ومسيحيات داخل مدرسة، كفيلًا بأن يهدم جدارًا من سوء الفهم، ويبني مكانه جسرًا من المحبة والثقة.

هذه الأفكار التي نخرج بها قليلًا خارج الصندوق تزيد من الألفة والمحبة، فلنعلم أبناءنا أن اختلاف الدين لا يفسد وحدة الوطن، وأن معرفة الآخر واحترام خصوصيته ليست تنازلًا عن الإيمان، بل هي جزء من إنسانيتنا ومواطنتنا.. لذا أدعو المسؤولين إلى تبني هذه الفكرة أو غيرها من الأفكار التي توحد الشعب الواحد دون تمييز أو تفرقة، وتقلل من بعض التوترات التي تظهر ما بين الحين والآخر، يستغلها أشرار وأعداء الوطن.

Exit mobile version