بمناسبة ظهور بعض المسؤولين، على غير العادة، في جولات تفقدية أو تفتيشية، تسبب بعضها في إزعاج شعبي بسبب سلوك ومواقف وطريقة تصرف هؤلاء مع من هم أقل منهم في المسؤولية، ولكن هناك – إحقاقًا للحق – مسؤولين يتصرفون كما يليق مع من هم أدنى منهم، مقدرين ظروفهم وظروف العمل. لذا هناك فرق بين مسؤول ومسؤول.
هناك مسؤول لا يبحث إلا عن الضجة الإعلامية، فيصطحب معه الصحفيين وموظفين من مكتبه لتصويره والميكروفون مُعلّق في سترته، وهو يستهزئ بصغار الموظفين، ويشخط وينهر فيهم، ويحاول إحراجهم بكل الطرق. ولكن، أحيانًا كثيرة يتحرج المسؤول ذاته أمام التضحيات التي يقوم بها صغار المسؤولين، وأمام صعوبة العمل في أجواء لا ترضي عدوًا ولا حبيبًا، ومع ذلك يتحملون ويواصلون أداء واجبهم.
ونتساءل: ماذا أفاد هذا المسؤول أو استفاد؟ لا شيء، سوى السخط الشعبي عليه وربما المسؤولين الأكبر منه، لأنه بهذا الضجيج الإعلامي يريد أن يوصل لقيادته رسالة مفادها إنه “شغّال”. وهذا النوع من المسؤولين لا يفيد الوطن، بل يقدم أداءً رديئًا في فن الإدارة.
بينما المسؤول الحقيقي فهو صاحب سمات القائد؛ الذي يدرس أولًا الحالات التي أمامه أو التي يمر عليها، ويتعامل معها بأدب واحترام، ويقبل الأخطاء ويدرس أسبابها بعمق، ثم يرشد إلى الإصلاح أو يصحح المسار، ويشجع العمل الجماعي. ولا يكون مثل المسؤول الآخر الذي يظن أنه يعرف كل شيء، وينتقد فقط هم من أدنى منه، ويظن أنه محور الكون.
القائد الجيد هو صاحب رؤية واضحة، يشجع من هم أصغر منه على تحسين أدائهم، ويتفهم صعوبات العمل، ويشجع إنجازاتهم، ولكن، قبل كل شيء، يضع الهدف، ويوجه الفريق بأكمله نحو كيفية تحقيق هذا الهدف معًا، كفريق واحد، وكيفية مواجهة تحديات العمل.
فلماذا لا نعمل مثل بعض الدول التي تقيم دورات وبرامج تدريبية للمسؤولين قبل توليهم المسؤولية؟ فمن المهم أن يمر المسؤولون، قبل توليهم مناصبهم، بدورات حول التنمية البشرية والقيادة والإدارة، ليتعلموا كيفية التعامل مع المسؤولين الأكبر منهم والأصغر منهم، ومع الموظفين، وكذلك مع الجماهير.
لقد انتهى العصر الذي فيه يقول المسؤول: “كن فيكون”. فالعالم بانفتاحه الكبير الحالي، يحتاج إلى نهج ومقاربات جديدة وحديثة تحفز العاملين، وتُحسن بيئة العمل، وتؤدي إلى نتائج أفضل.
البابا لاوُن: شريعة المحبة تتجاوز منطق الحساب
أكد البابا لاوُن أن مخططات الله أكبر بكثير مما يستطيع الإنسان أن يتصوّره ويحقّقه، داعيًا إلى ترك “طرقنا المعوجّة” والرجوع إلى الرب، الذي هو رحمة ومغفرة. جاء ذلك في كلمته قبيل تلاوة صلاة التبشير الملائكي، الأحد 20 سبتمبر، أمام المؤمنين المحتشدين في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان.
واستهل البابا تأمله بكلمات النبي أشعيا بأن أفكار الله ليست أفكارنا وطرقه ليست طرقنا، وقال: “نعم، إنّ مخطّطات الله أكبر بكثير، بل، يمكننا أن نقول، إنّها “إنسانيّة” أكثر من التي يمكننا نحن البشر، رجالًا ونساءً، المثقلين بالخطيئة، أن نتصوّرها ونحقّقها”. وأضاف: “لذلك، هذا هو نداء النّبيّ الذي له معنى وضرورة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى: أن نترك طرقنا المعوجّة ونرجع إلى الرّبّ، الذي هو رحمة ومغفرة”
وتوقف الأب الأقدس عند مثل العمّال المدعوين إلى العمل في الكرم (متى 20، 1-16)، موضحًا أن أمثال يسوع تكشف ما أعدّه الله للإنسان من جديد، لكنها تكشف أيضًا عن مقاومة الإنسان أمام “عدل فيه كرم أكبر ومحبّة أكبر”.
وأشار إلى أن بعض العمّال عملوا طوال النهار، وبعضهم ساعات قليلة، فيما جاء آخرون مع اقتراب غروب الشمس، إلا أن محور المثل يظهر في لحظة دفع الأجرة، عندما وفى صاحب الكرم بكلمته للعمّال الذين بدأوا العمل منذ الساعة الأولى، ودفع لهم الأجرة المتفق عليها، لكنه أرادهم أن يروا صلاحه، فعامل أمام أعينهم العمّال الآخرين بالطريقة نفسها.
ولفت إلى تفصيل وصفه بالمهم، إذ أعطى صاحب الكرم وكيله تعليمات بأن يدفع للعمّال الأجرة “مُبتَدِئًا بِالآخِرين مُنتَهيًا بِالأَوَّلين”، موضحًا أن ردّة الفعل السلبية للذين عملوا طوال النهار كان من الممكن تجنبها بسهولة.
وقال: “لكنّه كان قاصدًا أمره، لأنّ إعلان صلاح الله هو للجميع، وليس للبعض فقط. الله له طرق مختلفة وأفكار جديدة أيضًا للذين يعتبرون أنفسهم أوّلين، ويظنّون أنّهم كسبوا ما هم عليه، وأنّهم استحقّوا النّتائج التي بلغوها”.
وأضاف: “أمّا نحن جميعًا، فنربح الفرح والفهم والمستقبل عندما نُوقِف بقانون المحبّة قانونَ الحساب، وعندما يوسّع واقع الرّحمة واقعَ الاستحقاق، وعندما توقف موهبة السّلام روحَ التّنافس، وتقرّبنا بعضنا من بعض في الشّكر والامتنان”.
وأكد أن العمل في كرم الرب وخدمة ملكوته هو في حد ذاته نعمة، وقال: “أيّها الإخوة والأخوات، إنّها نعمة أن نكون معاونين لله، وأن نعمل في كرمه، ونخدم ملكوته، ملكوت العدل والسلام”. وتابع: “فلا يكن بيننا مكان للحَسَد والانقسام حيث يفيض كلّ ما هو جديد من الله في حياتنا. لنطلب الرّبّ يسوع، إذًا، ما دام موجودًا، ولنَبتهل إليه، ما دام قريبًا، ولنترك طرقنا المعوجّة وأفكارنا الآثمة”.
وفي ختام تأمله، دعا البابا لاوُن المؤمنين إلى النظر إلى مريم العذراء، قائلًا: “إنّها خليقة مثلنا، لكنّها بلا دنس، ولذلك تساعدنا ليزداد رجاؤنا بالله ولنوكل أنفسنا إلى رحمته، لكي تصير طرقه طرقنا، وأفكاره أفكارنا”.
(أبونا)
