السموم الرقمية.. الأب رفيق جريش

أصبحتْ ما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي تسبب أزمات كبيرةً، ليس فقط للعائلات أو المُربّين، بل للحكومات أيضاً، بعد أن تفشت المواقع غير الأخلاقية على الشبكة العنكبوتية، والتي تجد في الأطفال دون السادسة عشرة زبائن دائمين لها ومتابعين لمحتواها. وأصبح من المألوف أن نجد الأطفال يحملون أحدث الهواتف المحمولة ولا يرفعون أعينهم عما يشاهدونه على شاشاتها الصغيرة، حتى أصبحت الروابط العائلية وعلاقات الصداقة مفككة تماماً. وللأسف، تُعطي بعض الأمهات هذه الهواتف لصغارهن لإلهائهم عن البكاء أو “الزَّن”، فتتلقف تلك المنصات العقول البريئة وتحرمها من طفولتها وطهارتها.

وقد استفاقت بعض الحكومات: فمنذ أيام صدر قرار إنجليزي تاريخي، وسط غضب في أمريكا: بريطانيا تعلن الحرب لإبعاد الأطفال عن منصات التواصل الاجتماعي لإنقاذ حياتهم.

قررت بريطانيا أن تتخذ موقفاً إيجابياً وتضرب بيد من حديد؛ حيث أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر حظراً شاملاً على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لأي طفل يقل عمره عن 16 عاماً، في قرار أثار غضب عمالقة التكنولوجيا.

وقامت دولة الإمارات العربية المتحدة بتبني خطوات استباقية وحازمة لحماية النشء، حيث اتخذت قرارات ريادية بحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة. ويأتي هذا التحرك الإماراتي انطلاقاً من رؤية وطنية تضع صحة الأطفال النفسية وسلامتهم الرقمية في صدارة الأولويات، لتؤكد الدولة مجدداً ريادتها في تبني سياسات أمن سيبراني واجتماعي متطورة، وتضرب نموذجاً يحتذى به في الموازنة بين مواكبة التكنولوجيا وحماية الهوية الوطنية من أخطار الانفتاح الرقمي غير المقنن.

ولم يعد الموضوع مجرد نصائح للوالدين، بل إعلان حرب حقيقي لإنقاذ عقول الجيل الجديد ونفسيتهم من الخطر الذي يواجهونه يومياً عبر الشاشات. إنها ضربة في المقتل لعمالقة التكنولوجيا: فالقرار استهدف أكبر المنصات في العالم، مثل فيسبوك، وإنستاجرام، وإكس (تويتر سابقاً)، وسناب شات، وتيك توك، ويوتيوب. وكان الاستثناء الوحيد هو لتطبيقات المراسلة المباشرة مثل واتساب وسيجنال). كما مُنعت خاصية البث المباشر والتواصل مع الغرباء داخل الألعاب الأونلاين للأطفال تحت 16 سنة، ومُنعت برامج الذكاء الاصطناعي التي تُجري محادثات عاطفية AI Chatbots نهائياً لمن هم تحت 18 سنة.

وبالمناسبة، فإن خاصية التمرير اللانهائي Infinite Scroll هي أسلوب في تصميم واجهة المستخدم الذي يقوم بتحميل المحتوى تلقائياً أثناء التمرير للأسفل، بدلاً من تقسيمه لصفحات، وتُستخدم لزيادة تفاعل المستخدم.

وقد أكد ستارمر أن وسائل التواصل الاجتماعي تدمر سعادة الأطفال وصحتهم النفسية، وأصبحت مسرحاً مفتوحاً للتنمر والمحتوى الخطير. لذا استقبلت العائلات التي فقدت أبناءها بسبب كوارث تلك الوسائل القرار بدموع الفرحة ووصفته بالرائع. ومن المتوقع أن يبدأ التنفيذ الفعلي مع بداية العام المقبل.

ويُعتبر هذا القرار كارثة لشركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة التي تجني المليارات من وراء الأطفال. ورغم اعتراض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشدة على هذه التحركات، إلا أن بريطانيا تأتي بعد تجربة أستراليا التي طبقت الحظر في ديسمبر 2025 وفرضت غرامات مرعبة تصل إلى 32 مليون دولار على الشركات المخالفة.

ولا تنوي رئيسة وزراء إيطاليا التراجع، وصرحت بمنتهى التحدي بأنه ستواجه ترامب وتفتح معه هذا الملف في قمة مجموعة السبع G7 في فرنسا.

ويمكن أن نقول إن العالم بدأ يستفيق، وإن كان متأخراً، ويتخذ خطوات لإنقاذ الأطفال من “السموم الرقمية” ومواجهة الإمبراطوريات التكنولوجية. وقد اتخذت الدولة المصرية بعض الخطوات، نتمنى أن تزيد وتكون أكثر دقة وشجاعة لنشر الوعي الجمعي بمخاطر تلك السموم.

Exit mobile version