التضامن والمسئولية المجتمعية – الأب رفيق جريش

كلمات مثل “التضامن الأخوي” أو “التضامن الاجتماعي” و”العدالة الاجتماعية” أو “المسئولية المجتمعية” كلها تعنى قيمة إنسانية رفيعة وهي الاهتمام بالآخر خاصة الأدنى والأقل حظا، ومن واجب كل فرد في المجتمع أن يعي أن هذا واجبه نحو أخيه الإنسان، وهذا هو المعنى الذي قصده السيد الرئيس عندما وجه رجال الأعمال أو بالأحرى نبههم إلى واجبهم الاجتماعي نحو البسطاء من شعب مصر.

فمن البديهي أن مشاركة المقتدرين من المستثمرين والتجار الكبار ورجال الأعمال لن يكون هدفها تحقيق الربح لأن بقاء المجتمعات وازدهارها لا يقوم على تضخيم الربح فقط، بل يقوم على التضامن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، وإحساس الفئات المختلفة بعضها ببعض، وهكذا يتحقق السلام الاجتماعي.

يُؤَمِّنُ المجتمعُ العدالة الاجتماعية عندما يوفر الشروطَ التي تسمح للجماعات ولِكلّ فرد بالحصول على ما يحق لهم وفاقًا لطبيعتهم ولدعوتهم. والعدالة الاجتماعية على صلة بالخير العام ولا يمكن بلوغ العدالة الاجتماعية إلَّا في احترام كرامة الإنسان السامية. فالشخص هو غاية المجتمع القصوى، وهذا إنما هو معدٌّ له.

يقتضي احترام الشخص البشرى احترام الحقوق الناتجة من كرامته بكونه خليقة الله. وهذه الحقوق سابقة للمجتمع ومفروضة عليه. وهي الأساس الشرعي لكل سلطة. فإذا ازدراها المجتمع، أو أبى الاعتراف بها في تشريعه الوضعي، فهو يقوض شرعيته الأخلاقية الخاصة. وبدون هذا الاحترام، لا تستطيع السلطة أن تستند إلا إلى القوة أو العنف لتحصل على طاعة رعاياها.

وفى هذا السياق جاء حديث السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال مشاركته فى أعمال “منتدى مصر 2026″، عن أهمية جانب الخدمة المجتمعية للمشروعات الاستثمارية ومطالبة مجموعة مطورين عقاريين طلعت مصطفى بالقيام بإنشاء 200 ألف وحدة سكنية لغرض الإيجار بالمشاركة مع الحكومة. ولا شك أن رجال الأعمال المصريين كلهم يرون حجم الجهد الذي تبذله الحكومة لاستكمال مشروعات التنمية الشاملة ويدركون كمية التحديات التي تواجهها الدولة حاليًا.

إن الرئيس أوضح في مداخلته في المنتدى أن مصر دولة ضخمة، وبقدر العظمة تأتى التحديات وبقدر المشاركة المجتمعية من الجميع تكون القدرة على مواجهة تلك التحديات، ولسوف ننجح كلنا معا في جعل مصر من أعظم دول المنطقة، بل العالم.

يَظهَر التضامن أولاً في توزيع الخيرات وأجر العمل. وهو يفترض أيضًا بذل الجهد في سبيل نظام اجتماعي أكثر عدالة، يمكن فيه استيعاب التوترات بوجه أفضل، وتوجد فيه النزاعات بوجهٍ أسهل، حلًا تفاوضيا.

لا يمكن إيجاد حلولٍ للمشاكل الاجتماعية الاقتصادية إلّا بمساندة جميع صيغ التضامن: تضامن الفقراء فيما بينهم، والأغنياء والفقراء، والعمَّال فيما بينهم، والعمال وأصحاب العمل في المؤسسة، والتضامن بين الأمم والشعوب. والتضامن الدولي من مقتضيات النظام الأخلاقي لأن السلام في العالمِ يرتبط به جزئيًا.

الذين قرأوا تاريخ مصر المعاصر لابد أنهم يعرفون أن أغنياء هذا البلد، الذين فتح الله تعالى عليهم بالرزق الوفير، أسهموا بنصيب كبير في بناء منشآت المنافع العامة، من مستشفيات وجامعات ومدارس وطرق وكباري، بل مسارح ودور سينما وأستوديوهات للتصوير، وما زلنا نتذكرها حتى الآن. ويعرف القاصي والداني أن الأثرياء وكبار التجار ورجال المال والأعمال ومازالوا يسهمون في إقامة الصروح التعليمية والصحية والثقافية العملاقة من جيوبهم الخاصة وهذه طبيعة رجال أعمال مصر الشرفاء فلهم عطاؤهم المجتمعي المشكور والمقدر عبر السنين. وهذا هو واجبهم الذي تنتظره منهم مصر لبنيان جسد وطني متجانس لا يشعر فيه الفقير أو البسيط بالغربة بل المجتمع كله حكومة وشعبا ورجال أعمال يسندونه في حياته ومستقبل شبابه.

Exit mobile version