أحد الشعانين.. رسالة سلام – بقلم| الأب رفيق جريش

يحتفل العالم المسيحي في أحد الشعانين بذكرى دخول السيد المسيح إلى أورشليم، وهو الحدث الذي يفتتح أسبوع الآلام، ويهيئنا لاستقبال الفصح المجيد. في هذا اليوم، يركب المسيح جحشًا صغيراً يسمى “أتان”، بينما كانت الحشود تفرش ثيابها على الطريق وتلوح بأغصان النخيل، مرددة بصوت عالٍ: “هوشعنا لابن داود!”. هذا المشهد ليس مجرد حدث تاريخي، بل يحمل رسالة روحية عميقة: المجد الحقيقي لا يأتي من القوة أو الهيبة، بل من التواضع والمحبة والسلام الداخلي.

أحد الشعانين يعلمنا أن ملكوت الله يبدأ من القلب، وأن السلوك المتواضع والنية الطيبة هما مفتاح الوصول إلى السلام الحقيقي. المسيح دخل أورشليم ملكاً متواضعاً، مخالفاً كل التوقعات، ليعلمنا أن قوة الإيمان لا تُقاس بالسلطة أو بالثراء، بل بالقدرة على المحبة والتسامح، حتى في أصعب الظروف. أحد الشعانين هو يوم للتأمل في معنى السلام. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الخوف أو السيطرة، بل على الاحترام المتبادل والمحبة والرحمة.

المسيح، رغم الحشود الصاخبة وهتافاتهم، كان يعلم أن طريقه سيمر بالصلب، وأن الحب الحقيقي غالباً ما يتطلب الصبر والتضحية. ومن هنا، يأتي درس التواضع لكل مؤمن: أن نضع الآخرين قبل أنفسنا، وأن نزرع السلام في حياتنا اليومية قبل أن نطالب به في محيطنا. التواضع الذي جسده المسيح هو قوة حقيقية، قوة قادرة على مواجهة أي فوضى أو صراع. ما يحدث اليوم في منطقتنا ليس بعيدًا عن مشهد أورشليم قديما. توترات سياسية، صراعات على السلطة، خوف، انقسامات… لكن وسط كل هذا، يبقى صوت المسيح مختلفًا: “سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم”. العالم يقدم سلاماً مؤقتاً، مشروطاً، هشا. أما المسيح، فيقدم سلاماً لا تهزه الحروب ولا تسلبه الأزمات.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج العالم إلى درس أحد الشعانين. يعلمنا أن السلام ليس مجرد غياب العنف، بل حالة روحية ووجدانية تبدأ من داخل الإنسان. كل غصن نخيل يلوح به المؤمن اليوم ليس مجرد رمز احتفالي، بل رسالة حية عن الرجاء الذي لا يموت، وعن الثقة بأن الله يسير معنا حتى في أصعب الظروف. كما يعلمنا أن الحروب والمحن ليست نهاية القصة. فالله لا يتركنا وحدنا، بل يقودنا في الطريق، ويعلمنا أن نرفع قلوبنا وعقولنا نحو ما هو أعلى. إن رفع أغصان النخيل أمام المسيح يرمز إلى استعداد الإنسان لاستقبال ملكوت الله في حياته، استعداد للمحبة والرحمة في كل تصرف وفعل.

فلنجعل من هذا اليوم مناسبة للعمل على نشر السلام، سواء في بيوتنا أو مجتمعاتنا. كما فرشت الحشود الطريق أمام المسيح، فلنفرش حياتنا بالأعمال الصالحة، بالتسامح مع الآخرين، وبالرحمة لكل محتاج. إن أحد الشعانين دعوة يومية لكل مؤمن ليتحول إلى “حامل رسالة سلام حقيقية”، رسالة تشعل في القلوب شعلة الرجاء والمحبة وسط عالم مليء بالتحديات. أحد الشعانين هو تذكير حي بأن السلام والتواضع هما الطريق إلى المجد الحقيقي. إنه دعوة لكل إنسان أن يرفع أغصان النخيل في قلبه، وأن يفتح أبواب روحه للمحبة والرحمة، ليصبح هو نفسه رسالة سلام في عالم مضطرب. وفي زمن الحروب والصراعات، تظل هذه الرسالة أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ تذكرنا بأن الله حاضر دائماً، وأن الرجاء يمكن أن يزهر في أصعب الظروف، وأن كل مؤمن يستطيع أن يكون شعاع نور يضيء طريق الآخرين نحو المحبة والسلام.

Exit mobile version