اليوم وُلِد لنا وَلد - البطريرك يوسف العبسي - بطريرك الروم الكاثوليك

اليوم وُلِد لنا وَلد - البطريرك يوسف العبسي - بطريرك الروم الكاثوليك

أيّها الأحبّاء، يحتفل المسيحيّون اليوم بميلاد ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح بحسب الجسد، ذلك الميلادِ الذي كان تنبّأ عنه النبيّ أشعيا قائلاً: "اليوم وُلِد لنا وَلد وأُعطي لنا ابن" (أشعيا 9: 5). اليوم يستذكر المسيحيّون ويعيشون ذلك الحدث التاريخيّ، ذلك السرّ الإلهيّ الذي يفوق كلّ إدراك بشريّ، حيث تجسَّد ابن الله في أحشاء مريم البتول بقوّة الروح القدس فَوَلدت يسوع المسيح الإله والإنسان معًا، مخلّص البشريّة من الخطيئة. منذ ألفي عام ونيّف تتأمّل الكنيسة هذا السرّ الإلهيّ من غير أن تستنفده. كيف الله يصير إنسانًا، كيف البتول تصير والدة؟ جاعلة منه موجّهًا لحياتها وملهمًا لتفكيرها ومصدرًا لروحانيّتها وأخلاقها وسلوكها. وها هي الكنيسة تدعونا نحن أيضًا في هذه الليلة القدسيّة إلى أن نفعل كذلك فلا نكتفيَ بالاستذكار والاحتفال الخارجيّ، تدعونا إلى أن يكون كلام النبيّ أشعيا، "اليوم وُلد لنا مخلّص وأُعطي لنا ابن"، كلامًا حاضرًا في قلب كلّ واحد منّا، كلامًا شخصيًّا  موجَّهًا لكلّ واحد منّا نحن القائمين ههنا. هذا في الواقع ما حصل في ليلة الميلاد إذ أعلن الملائكة للرعاة ميلادَ يسوع قائلين: "اليوم وُلد لكم مخلّص في مدينة داود وهو المسيح الربّ" (لوقا2: 11). المسيح وُلد لنا، من أجلنا. لم يولد لأيّ غرض آخر. وهذا ما نقوله في قانون إيماننا: نؤمن "بربّ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد... الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنّس".  فما كان نبوءةً على فم أشعيا صار واقعًا بشهادة ملاك الله والرعاة وغيرهم من بعدهم. وهذا الواقع هو أنّ الله بميلاد يسوع صار الله-معنا، عمّانوئيل، لابسًا جسدًا بشريًّا، متنازلاً إلينا نحن البشر، لكي يرفعنا إلى ألوهته. وهذه هي البشرى الإلهيّة الجديدة، بشرى الميلاد.

في هذه الليلة المباركة، أدعوكم، أيّها الأحبّاء، إلى أن نتأمّل في ما فعل الرعاة إزاء هذه البشرى التي سمعوها من الملائكة، أدعوكم إلى أن نتماهى بهم وأن نفعل ما فعلوا لأنّ الإنجيل في سرده لما شعروا به وعملوه يرينا طريقةً، نهجًا نسلكه نحن أيضًا فلا يكونُ الميلاد مجرّد استذكار.

يخبرنا لوقا الإنجيليّ أنّه "كان في تلك البقعة [في نواحي بيت لحم] رعاة يقيمون في الحقول ويسهرون في هجعات الليل على قُطعانهم فوقف ملاكُ الربّ بهم" (لوقا2: 8). كانوا في الحقول، في الخارج، ساهرين. هذا ما ساعدهم على سماع بشرى الملائكة. فإذا ما أردنا نحن أيضًا أن نسمع بشرى الميلاد علينا أن نكون في الخارج، ساهرين. ماذا يعني ذلك لنا نحن في هذا اليوم؟ إنّ الذي يسهر يترقّب، ينتظر، يتشوّق، يتوق إلى ما هو أو مَن هو في الخارج، مِن حوله. ذلك يعني أن لا نكون عائشين في عالم منغلق، في عالم لا يعرف التواصل مع الآخرين، في عالم مكتفٍ بمصالحه ولذّاته وراحته دون سواه، في عالم نعيش فيه مع ذواتنا، من دون الله ومن دون إخوتنا البشر. ما نراه في العالم من صعوبات ومشاكل في العلاقات ومن صراعات  ناجم عن أنّنا منغلقون على مصالحنا الخاصّة، على أفكارنا الشخصيّة. هذه هي الأنانيّة، أكانت على مستوى الأفراد أم على مستوى الجماعات، أم حتّى على مستوى الدول التي بتنا نرى البعض منها يدوس كلّ المواثيق والشرائع والقوانين ولا يقيم وزنًا لغيره من الدول بل حتّى لا يعتبره موجودًا. هذه هي الأنانيّة تأسرنا بمصالحنا وبرغباتنا وبميولنا وتمنعنا من التواصل بعضُنا مع بعض وتجعلنا نعتقد أنّنا نحن وحدنا نملك الحقيقة. إنجيل اليوم ينادينا، كما نادى أيضًا العذارى عند قدوم السيّد، ويقول لنا "استفيقوا واخرجوا"، ففي خروجكم تعثرون على الحقيقة التي هي أكبر وأشمل ممًا تعتقدونه حقيقة شخصيّة داخليّة. لستم وحدكم، فهناك الله ولو تجاهلتموه أو أقصيتموه وهناك الإنسان ولو غضّيتم أو أغمضتم عنه أنظاركم.

الكنيسة في صلوات العيد تصف الرعاة بأنّهم الذين يندهشون ويتعجّبون من سرّ ميلاد السيّد المسيح. المرء الذي يعيش لذاته وفي ذاته منكمشًا منقبضًا لا يعرف الدهشة لأنّه لا يرى إلاّ ذاته في رتابة قاتلة لكلّ تذوّق للجديد والجميل وبالتالي في رتابة حزينة. لا يتعجّب لأنّه لا يرى ولا يعترف أنّ هناك أناسًا غيره من حوله لهم قيمة. أمّا نحن المؤمنين فعيد اليوم يبعث فينا الدهشة، والدهشةُ تولّد فينا الفرح.

لنتابع تأمّلنا. يخبرنا لوقا الإنجيليّ أنّ الرعاة بعدما سمعوا بشرى الملائكة قالوا بعضهم لبعض: "لنمضِ إلى بيت لحم... وأقبلوا مسرعين" (لوقا2: 15-16). أسرعوا لأنّ ما بُشِّروا به أمر عظيم وجميل جدًّا يتعدّى العاديّ، يغيّر المألوف. المخلّص الذي كانوا هم البسطاء، وكلُّ الشعب اليهوديِّ معهم، الكبيرُ والصغير، الغنيّ والفقير، العالم والجاهل، ينتظرونه، قد جاء. الله جاء إلينا. الله افتقدنا. هل من أمر، هل من بشرى أعظم  وأجمل من ذلك؟ لذلك تركوا كلّ شيء وراحوا في ظلام الليل وبرده إلى حيث دلّهم الملاك.

لا يبدو هذا أكيدًا في حياتنا اليوميّة العاديّة نحن المسيحيّين. غالبًا ما لا نبدّي ما هو لله بل نؤجّله إلى الغد، واضعين الله في آخر القائمة من أمورنا التي نعتبرها مستعجِلة، وفي اعتقادنا أنّ أمامنا الوقتَ الكافيَ للاهتمام بما هو لله. في حينِ أنّ الرعاة في رواية الإنجيل يعلّموننا أنّ الأولويّة هي لله. يعلّموننا أن لا ندع أمور حياتنا التي نراها مستعجِلة ترهقنا وتسحقنا. يعلّموننا أن تكون لنا الحرّيّة الداخليّة التي تمكّننا من أن نضع هذه الأمور المستعجِلة في المرتبة الثانية حتّى نفسح في المجال لله أن يكون له مدخل إلى حياتنا ووقت فيها. الوقت المكرّس لله ومن خلاله للقريب ليس مضيعة للوقت.نحن نعيش في أفكارنا ومشاغلنا التي تأخذنا بالكامل والتي تطيل المسافة والطريق كثيرًا بيننا وبين المغارة. لكنّ الله مع ذلك لا يتركنا وحدنا بل، بطرق متنوّعة ووسائل عديدة، يساعدنا على فكّ أفكارنا "المتشربكة المخربطة" وانشغالاتنا ليدلّنا على الطريق التي تقود إلى المغارة، تقود إليه. يجد الله لكلّ واحد منّا طريقًا يدلّه عليه بإشارات مناسبة بحيث يستطيع كلّ واحد منّا أن يقول ما قاله الرعاة: "لنمضِ إلى بيت لحم"، إلى هذا الإله الذي جاء لملاقاتنا قاطعًا هو أوّلاً المسافة الأطول من الطريق. فهل نفعل؟

لنتابع مرّة أخرى تأمّلنا. يخبرنا الإنجيل أنّ الرعاة قالوا أيضًا بعضهم لبعض: "لننظرْ هذا الحادث الذي أطلعنا عليه الربّ" (لوقا2: 15)، محدّدًا هكذا السبب لذهابهم إلى بيت لحم، إلى المغارة: أن يروا ما يجري. الأصل اليونانيّ يقول: "لننظرْ هذا الكلام الذي جرى والذي أطلعنا عليه الربّ". كيف يُرى الكلام؟ الكلام لا يُرى بل يُسمع. إلاّ أنّ الكلام هنا بميلاد يسوع المسيح صار جسدًا. وهذا هو الجديد الذي حصل في ليلة الميلاد: كلام الله صار في الإمكان رؤيته وتأمّله. هذا ما عبّر عنه يوحنّا الإنجيليّ في مطلع إنجيله بقوله: "في البدء كان الكلمة... والكلمة كان الله... والكلمة صار جسدًا وسكن فيما بيننا... وقد رأينا مجده، مجدَ وحيد من الآب مملوءٍ نعمة وحقًّا" (يوحنّا1: 1-14). وهذا ما عبّر عنه القدّيس بولس أيضًا بقوله عن يسوع إنّه "صورة الآب" (2كور4: 4) و"صورة الله" (كول1: 15).

ماذا رأى الرعاة إذن حين وصلوا؟ رأوا  كلمة الله وصورة الله، رأوا المخلّص متجسّدًا في ذلك الطفل. وهكذا أيقنوا أنّ هذا المولود الجديد هو علامة حضور الله الحيّ في العالم، فيما بين الناس، كما قال لهم الملاك: "هذه هي العلامة لكم: إنّكم تجدون طفلاً ملفوفًا بقمط ومضجعًا في مذود" (لوقا2: 12). أيقن الرعاة أنّ المواعيد والعهود التي أعطاها الله للبشر قد تمّت وأنّ الزمان بلغ ملئه، كما سمعنا في رسالة اليوم. لذلك "رجعوا وهم يمجّدون الله ويسبّحونه على ما سمعوا وعاينوا" كما يعقّب لوقا (لوقا2: 20).

لكنّ المفارقة في هذا الحضور أنّه، على خلاف ما كان يتوقّعه أو يريده الشعب اليهوديّ بل ربّما كثير من ناس اليومِ أيضًا، حضور متواضع وليس "بطنّة ورنّة"، حضورٌ مسالم لا محارب، حضور بالفقر لا بالغنى، حضور وديع لا متسلّط، حضور نستطيع أن نَدو منه وأن نلمسه وليس حضورًا من خلف أسوار وحواجز. هذه هي العلامة التي رآها الرعاة والتي آمنوا بها ووضعوا فيها رجاءهم وأخذوا يمجّدون الله ويسبّحونه عليها. وقد عبّر عنها قداسة البابا فرنسيس في رسالته الأخيرة بمناسبة يوم السلام العالميّ للعام 2020 بقوله: "إنّ الكتاب المقدّس، ولا سيّما من خلال كلام الأنبياء (وهنا بالأخصّ من خلال ميلاد السيّد المسيح)، يذكّر الضمائر والشعوب بعهد الله مع البشريّة، وهو أن نتخلّى عن الرغبة في السيطرة على الآخرين وأن نتعلّم أن ننظر بعضنا إلى بعض كأشخاص وكأبناء لله وكإخوة. يجب أن لا نُغلق على الآخر في ما يكون قد قاله أو فعله، بل يجب أن نعامله بحسب الوعد الذي يحمله في داخله. اختيار طريق الاحترام يمكّننا وحده من كسر دوّامة الانتقام ومن الشروع في مسيرة الرجاء... ثقافة اللقاء بين الإخوة والأخوات لا صلة لها بثقافة التهديد.  ثقافة اللقاء تجعل من كلّ لقاء فرصة وعطيّة لمحبّة الله السخيّة وتقودنا إلى تجاوز حدود آفاقنا الضيّقة وإلى أن نتوق دومًا إلى عيش أخوّة عالميّة كأبناء للآب السماويّ الأوحد".

أيّها الأحبّاء، قد أتينا في هذه الليلة القدسيّة إلى هذه الكاتدرائيّة مع الرعاة "لنرى هذا الحادث الذي أعلمنا به الربّ". هوذا يوسف ومريم والطفل مضجعٌ في مذود. فلنخبرْ مع الرعاة بهذا الطفل الإلهيّ الذي شاهدناه. و لنمجّدِ الله ونسبّحْه على جميع ما سمعنا وعاينّا. ولننشد مع الملائكة "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة". آمين.

فيديوهات مختارة