الإغلاق والانفتاح– الأب رفيق جريش

في زمن الصيام يدخل الإنسان في جو روحاني يشبه الإغلاق، الإغلاق لأشياء كثيرة في حياته كالرذيلة والنميمة والشتيمة والأعمال القبيحة ومخاصمة الأخرين.

 

 وهذا الزمن هو زمن إغلاق تام لهذه الأشياء، الإنسان الذي لديه إرادة قوية يغلق على هذه الأشياء، ولكن هذا الإغلاق لا يعنى الكسل الروحي أو اللامبالاة وعدم الاهتمام بالأخر أو عدم الاهتمام بالله.

 فإذا أغلقنا أشياء هي لكي نفتح أشياء أخرى قد ربما نسيناها في أزمنة خارج الصوم، إذ محبة القريب والبحث عن الأخر وعن الفقير وعن العريان وعن العطشان والمهمش لكيلا فقط نعطيهم القوت اليومي المادي ولكن أيضاً نكرز لهم بالخبر السار لأن المسيح قائم من بين الأموات وهم يشتاقون إلى كلمة تعزية نعطيها نحن لهم.

يقول البابا فرنسيس في رسالته للصوم لابد أن نعيش صوم محبّة يعني أن نعتني بالذين يعيشون في ظروف معاناة أو هجر أو حزن بسبب وباء فيروس الكورونا.

وفي سياق عدم اليقين الكبير هذا إزاء المستقبل، إذ نتذكّر الكلمة التي وجهها الله إلى عبده: " لا تَخَف لأَنِّي فَدَيْتُكَ" (أشعيا ٤۳، ١)، لنقدم مع محبّتنا كلمة ثقة، ونجعل الآخر يشعر بأن الله يحبه كابن له، من خلال نظرة تحوّل أفقها بفعل المحبة، التي تحملنا إلى فهم كرامة الشخص الآخر، يتمُّ الاعتراف بالفقراء وتقديرهم بكرامتهم السامية، ويتم احترامهم في أسلوبهم وثقافتهم، وبالتالي يتمُّ إدماجهم حقًا في المجتمع.

الصوم ليس انقطاعاً عن الأكل أمام الله والناس كما يفعل الفريسي الذي يذكّر ربّه أنه يصوم في الأسبوع يومين (لوقا18/12) بل هو بالعكس تواضع واسترحام وضبط ميول وتحرّر.

 هو صرخة من القلب الى القلب، من قلبي الى قلب الله، هو ذلك الحوار الدائم الذي يجعلني في صلة متواصلة مع الرب، أجوّع جسدي لتجوع نفسي الى المسيح، وأشارك الجياع كلّ حياتهم فينمو حسّي بالمسؤولية عن إخوتي.

الصوم هو فترة روحية، يقضيها الجسد والروح معًا في عمل روحي. يشترك الجسد مع الروح في عمل واحد هو عمل الروح، يشترك معها في الصلاة والتأملوالتسبيحوالعشرةالإلهية. نصلي ليس فقط بجسد صائم، أنما أيضا بنفس صائمة. بفكر صائم وقلب صائم عن الشهوات والرغبات، وبروح صائمة عن محبة العالم، فهي ميتة عنه، وكلها حياة مع الله، تتغذي به وبمحبته.

الصوم بهذا الشكل هو الوسيلة الصالحة للعمل الروحي، هو الجو الروحي الذي يحيا فيه الإنسان جميعه، بقلبه وروحه وفكره وحواسه وعواطفه.

في زمن الصوم علينا أن نهتم أكثر كيف ننمو روحيا وفكريا وعقليا مع لله لينعكس بذلك على كل من يحيط بنا ليتعرفوا الآخرين على محبة الله ورحمته الواسعة من خلالنا. إذا دعونا أن نكون في زمن الصوم المقدس رسل محبة ورحمة كما أرادنا الله.

فيديوهات مختارة